قبل ربع قرن انطلق فرنسيس فورد كوبولا ليخرج فيلم مغامرات حربية ضخم عن فيتنام التي كانت موضوعاً تردد السينمائيون عن معالجته حتى ذلك الوقت. واصبحت هذه «الادويسة الغبية» كما اسماها كوبولا والتي استغرقت ثلاث سنوات رحلة المخرج الخاصة الى اعماق قصة «قلب داركنس» للروائي جوزف كونراد والتي استخدمها كوبولا كاطار لفيلمه «القيامة الان». ومثلما حدث للكولونيل المعتوه الذي لعب مارلون براندو دوره، اصبح كوبولا معروفاً في الاوساط الصحافية والصناعة السينمائية كمجنون تائه في البرية في مسعى لا طائل تحته. في مقابلة صحفية اجريت معه خلال مهرجان كان السينمائي في الربيع الماضي حيث اقيم العرض الاول لفيلمه الجديد (القيامة الان المعاد) الذي اعيدت اليه وصلات يستغرق عرضها 49 دقيقة كانت قد اقتطعت من الفيلم، قال كوبولا ان الفيلم الاول كان فيلماً سيئاً في حينه. واضاف: «الصحافيون بطبيعتهم يبحثون عن قصة جديدة، ولا ضير في ذلك. وعندما يكون هناك فيلم (قيد الصنع) في الفلبين وهناك من يقوم بتمويله ويقال انه مجنون، فتلك قصة جيدة». كان كوبولا قد انطلق لصنع فيلم رائع عن الحرب الفيتنامية، حاملاً معه نسخة من رواية كونراد مسجلاً عليها بعض الملاحظات اوحت اليه ان الفيلم سيكون اشبه بالقصة التي يحلم بها، اذا لا يؤمل ان يكون فيلماً حربياً مبرمجاً.، بل عملاً سينمائياً سوريالياً وشبه فلسفي عن النفاق والاخلاقيات. وبدأت رحلة كوبولا الخاصة تعكس الرحلة الكابوسية للكابتن ويلارد (لعب دوره مارتين شين) الذي ارسل عبر النهر في مهمة لقتل كولونيل مرتد (مارلون براندو). وبعد اسابيع قليلة من مباشرة التصوير في العام 1976 تخلى كوبولا عن نجم الفيلم هارفي كايتل واستعاض عنه بشين الذي اصيب بأزمة قلبية خلال التصوير. وجاء براندو الى التصوير سميناً جداً ولم يتعاون مع كوبولا فيما يخص مفهوم المخرج لشخصية الكولونيل، وكثيراً ما هدد بالانسحاب من العمل. وادى هبوب الاعاصير الى وقف التصوير لمدة ستة اسابيع ودمر عدداً من البلاتوهات. وبدأ الشامتون في هوليوود ينكتون: «القيامة متى؟». ويقول كوبولا انه كان هناك ايضاً بعض التشفي لأنه مول الفيلم بنفسه ولأن عمله في السينما كان في ضيق حتى ذلك الوقت، و«الكل يعرف انه اذا فشلت في هذا الفيلم فإن ذلك سوف يقضي عليك تماما». ولتنفيس الدعاية السيئة في الصحف حمل كوبولا نسخة من الفيلم تستغرق ساعتين و 25 دقيقة الى مهرجان كان في العام 1979، ففاز بالجائزة الأولى للمهرجان وحقق نجاحاً تجارياً كبيراً ورشح لثماني جوائز اوسكار. تلك النسخة كانت بنصف طول التوليفة الاساسية غير المنقحة التي كان ينوي صنعها في البداية. ولكن بعد اضطراره الى تجاوز الموازنة المرصودة بحوالي 16 مليون دولار، ايقن كوبولا ان عليه ان يقصر الفيلم ليصبح مريحاً للمتفرج ولكي لا يسير الى الافلاس. وتفاقمت الكوابيس المالية الى حد ان المباشرين القضائيين كانوا يأتون الى كروم كوبولا لتسليم الاوراق القانونية يداً بيد. ويتذكر كوبولا ان ابنته صوفيا التي كانت في الثامنة من العمر كانت تقف على شرفة المنزل وتصرخ في وجه هؤلاء: «غير مسموح لكم بدخول هذه الارض. غادروا فوراً». وفي السنة الماضية نفض كوبولا وخبير المونتاج والترميرتش الغبار عن الوصلات الخام المقتطعة من الفيلم القديم واضافوها الى النسخة الطويلة. ويركز حوالي نصف المقاطع الجديدة على زيارة ويلارد لاحدى المزارع حيث يدافع مستوطنون فرنسيون عن ارضهم في غمرة الحرب. ويقيم ويلارد علاقة غرامية طويلة مع أرملة فرنسية تلعب دورها الممثلة اورور كليمان التي اقتطعت وصلتها بالتمام من الفيلم الأول. وتقول كليمان ان النسخة الجديدة فيها عواطف جديدة، ومزيد من الحب والحياة ويتم ابرازها كلها. كما تضيف النسخة المعادة مشهداً مشحوناً جديداً يقرأ فيه براندو الاخبار الصحفية على ويلارد ليشير فيها الى النفاق الذي تتسم به التغطية الاخبارية للحرب الفيتنامية. وتضم النسخة الجديدة ايضاً الكثير من الطرافة والمرح والرفقة المتنامية بين شخصية شين الهادئة وبين الرجال الذين يسافرون برفقته. وقد حقق الفيلم الأول نجاحاً كافياً لانقاذ كوبولا من مشاكله المالية الآنية. وقرر كوبولا صنع فيلم موسيقي خفيف تاليا بعنوان واحد للقلب معتقداً انه سيحقق نجاحاً مالياً كبيراً. الا ان الفيلم مني بفشل ذريع واغرق كوبولا بديون جديدة احتاج تسديدها لسنوات عديدة. خدمة أ.ب. خاص لـ «البيان»