بيان الكتب: اوسكار لافونتين، مؤلف هذا الكتاب، هو الرئيس السابق للحزب الاجتماعي الديمقراطي الالماني، ووزير سابق في حكومة المستشار الالماني الحالي جيرهارد شرويدر حيث كان قد خرج منها معلنا احتجاجه على سياستها. ويتوجه اوسكار لافونتين في هذا الكتاب الى جميع «الاشتراكيين» في العالم بنوع من التحذير والانذار لانهم قد فقدوا علة وجودهم، ولا يتردد في ان يصف الطريق الثالث الذي ينتهجه رئيس الوزراء البريطاني «طوني بلير» والمستشار الالماني الحالي جيرهارد شرويدر بانه يؤدي الى «رأسمالية متوحشة» والى «زيادة حدة اللامساواة» وبالنهاية الى «الفشل» ويحاول بنفس الوقت ان يبين كيف ان القادة الاشتراكيين الاوروبيين الذين يحكمون الآن في اغلبية بلدان الاتحاد الاوروبي انما ينتهجون سياسة يمينية صريحة بحجة «التحديث» ويبدو «لافونتين» في هذا الاطار اقل انتقادا لرئيس الوزراء الفرنسي الاشتراكي الحالي ليونيل جوسبان لكنه يطالبه بنفس الوقت بعدم الوقوع في فخ «الليبرالية الجديدة». ان «اوسكار لافونتين» سيعرض في هذا الكتاب باسهاب الاسباب التي دعته للاستقالة من رئاسة الحزب الاجتماعي ـ الديمقراطي الالماني، حزب المستشار الحالي جيرهارد شرويدر، ومن منصب وزير المالية في الحكومة في شهر مارس من عام 1999 واذا كان هذا الكتاب يبدو للوهلة الاولى ذا طابع الماني صرف وحيث له اهمية من هذه الزاوية تحديدا، فانه ايضا يعكس «مفهوما» معينا للسياسة، ذلك ان «المجابهة بين الافراد ليست سوى ترجمة للمواجهة بين مشاريع سياسية مختلفة. كان المؤلف ينتقد بشدة في احد الافكار المحورية في هذا الكتاب التوجه المشترك الذي اعلنه توني بلير وجيرهارد شرويدر ويعتبره بمثابة «خيانة» للبرنامج الذي تم انتخابهما على اساسه وضمن هذا الاطار يرى ان اوروبا تشهد اليوم وجود «عالمين سياسيين متعارضين فمن جهة هناك الرأسمالية الليبرالية الجديدة ذات التقاليد الانكلوسكسونية. ومن جهة اخرى نموذج الدولة الاجتماعية القائم في اغلبية البلدان الاوروبية هذا النموذج تبدو ملامحه من خلال مواجهة مختلف الحكومات الاوروبية لنفس المشاكل تقريبا والمتمثلة في ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل وحيث صناديق الضمان الاجتماعي «فارغة» تقريبا باختصار وصل نموذج الدولة الاجتماعية الى «الحد الاقصى من امكانياته التمويلية» وذلك على قاعدة «العولمة الاقتصادية». وتتمثل احدى الافكار الاساسية التي يطورها «اوسكار لافونتين» في القول بانه اذا كانت الحكومات المحافظة تواجه نفس الصعوبات التي تواجهها الحكومات الاجتماعية الديمقراطية ذات التوجه الاشتراكي العام فانه لا ينبغي تقديم نفس الاجابات واقتراح نفس الحلول ان تماثل السياسات يعني اننا نتطور في محيط سياسي يفتقر الى اية امكانية بوصول بديل كما يرى المؤلف مع تأكيده بنفس الوقت على «حتمية» مواجهة كل الحكومات ومهما كان لونها الايديولوجي، لمسائل السيطرة على النفقات العامة والنضال ضد زيادة ديون الدولة هناك اذن نفس المشاكل، ولكن ينبغي تقديم حلول «مختلفة» لها. كذلك يؤكد المؤلف في تحليلاته على ابراز «تناقض» جوهري تتسم به المجتمعات الاستهلاكية المعارضة. ويتمثل في صعوبة جعل الافراد يدركون بانهم ربما يبالغون في مطالبتهم الدولة بتأمين الغطاء الاجتماعي لهم ـ في الوقت الذي تتضاءل فيه الامكانيات المالية للدول بينما يشكل هؤلاء الافراد انفسهم هدفا لحملات دعائية في مجتمع استهلاكي حديث يروج لمنتوجاته وبتعبير آخر اصبح الفرد ممزقا بين دعوة لـ «التقشف» تتبناها سياسات الدول وبين دعوة مختلف وسائل الاعلام للمزيد من الاستهلاك «السعادة مرتبطة بالحصول على هذه السلعة او تلك» وضمن هذا الاطار يناقش المؤلف مدى «التخريب» الذي ينجم عن التباين الكبير و «الهوة» التي تزداد عمقا بين الواقع الفعلي لامكانيات الاستهلاك وبين «عالم الاحلام» الذي يتمنى ابناء المجتمعات الاستهلاكية العيش فيه، المثال على مدى هذا التخريب يقدمه مؤلف الكتاب عبر دراسة المجتمع الامريكي حيث ان «7% من الامريكيين الذكور داخل جدران السجون» والنتيجة هي انه بقدر ما تتعزز روح المنافسة بين الافراد يتضاءل حس المسئولية الاجتماعية». وفي مواجهة «العولمة» التي تضغط باتجاه مزيد من الليبرالية واقتصاد السوق يطالب المؤلف الذي كان لسنوات احد اصحاب القرار في بلاده، بضرورة ان تتبنى الحكومات «سياسة اقتصادية ديناميكية في اطار دولة تهتم بالبعد الاجتماعي. ان الوصول الى مثل هذه «السياسة» يتطلب بالضرورة عدم الخضوع التام لقوانين اقتصاد السوق، الذي يلصق به المؤلف صفة «الانكلوسكسوني» والذي يقلص الى حد كبير هامش المناورة بالنسبة للسياسات الاجتماعية الديمقراطية التي عمدت محصورة في اطرها الوطنية هذا التقلص والحصار داخل الحدود الوطنية يشكل بنظر المؤلف اكبر مصادر التهديد بالهزيمة للتيار الاجتماعي، الديمقراطي بشكل عام لا سيما وان عالم رجال الاعمال ينفتح اكثر فاكثر ليصبح اكثر عالمية اذ ان الاقتصاد لم يعد يعرف، ومنذ فترة طويلة، الحدود. واذا كان من الصعب، بل ومن المستحيل اليوم تحقيق «عالمية الدعوة لـ «دولة اجتماعية» تعطي الاولوية لتأمين التغطية الاجتماعية لافرادها فإن «اوسكار لافونتين» يؤكد بان «القوى الاجتماعية الديمقراطية لن تستطيع ان تقود معركتها بشكل فعال من اجل الدولة الاجتماعية اذا لم تبدأ هذه المعركة على الصعيد الاوروبي» ولا يتردد في التأكيد بان نهاية هذه القوى تلوح في الافق اذا لم تستطع ان تكتب فصلا جديدا تفرض من خلاله في عموم انحاء اوروبا فكرة الدولة الاجتماعية. لكن ماهي الوسيلة الى ذلك؟ ان الاجابة يمكن ان تتلخص في جملة تشكل محصلة تحليلات المؤلف في هذا الاطار وهي «تأسيس حزب اجتماعي ـ ديمقراطي اوروبي حقيقي، وبحيث يتجاوز كل اشكال التكتلات التي تضم الاحزاب الاشتراكية والاحزاب الاجتماعية ـ الديمقراطية الاوروبية. ان مؤلف هذا الكتاب يحاول عبر الشروخ التي يقدمها ان يستخلص بعض دروس السياسة حيث اولها ذلك الذي تعلمه من اول لقاء رأي فيه زعيم الحزب الاجتماعي ـ الديمقراطي الالماني والمستشار السابق «ويلي برانت» في عام 1966. في ذلك اليوم رفض «برانت» بشدة وكان آنذاك رئيسا لبلدية برلين اية فكرة تقول بـ «تحالف كبير» يضم حزبه والديمقراطيين المسيحيين، لكن بعد ايام فقط قام ذلك التحالف وأصبح «ويلي برانت» وزيرا للخارجية، لقد فهمت بانه لا ينبغي ان يؤخذ ما يقال في ميدان السياسة على انه مسألة نهائية ثابتة. تجدر الاشارة هنا الى ان ويلي برانت، كان اول من انتهج سياسة «الخطوات الصغيرة» في الانفتاح على المعسكر الشرقي عامة والمانيا الشرقية خاصة فيما عرف بعد ذلك بـ «السياسة الشرقية» او «السياسة الواقعية» وكان اساس تلك السياسة القول بانه لا فائدة لاستمرار السباق الى التسلح، وذلك باسم تحقيق «توازن القوى» وينقل المؤلف عن «برانت» قوله في حديث خاص بعد ان توطدت العلاقة بينهما عندما اصبح المؤلف «اوسكار لافونتين» عضوا في اللجنة القيادية للحزب ما يلي: «ينبغي ان تعرف دولة صناعية كبيرة كيف تخرج من المسار الحلزوني الابدي للسباق الى التسلح حيث تنصرف مرة لمستلزم دفاعي واخرى من اجل اللحاق بالآخرين. ودرس آخر يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب وهو انه «ينبغي في ميدان السياسة الدولية التريث والتعقل في اصدار الاحكام المؤبدة او المعارضة، وهنا ايضا يستخلص لافونتين الدرس من السلوكيات الكثيرة التي عايشها مع ويلي برانت مثل رد الفعل الذي اصدره هذا الاخير عندما كان برفقة المؤلف يقضيان عطلة في جزيرة قبرص وحيث وصلهما خبر اعلان رئيس الوزراء البولندي آنذاك الجنرال ياروزلسكي الاحكام العرفية في بلاده ايضا خبر الادانة القوية التي اصدرها «بيتينوكرايسكي» رئيس الاشتراكية الدولية في حينها لقرار رئيس الحكومة البولندية كان برانت يرى في الجنرال البولندي رجلا وطنيا ورفض بشدة ادانة قراره بل وصف كرايسكي، قائلا وهما يمشيان على شاطيء البحر كان ينبغي لاصدار مثل هذه الادانة وجود مثل ذلك الاحمق، ومن الملفت للانتباه ان الرئيس الفرنسي، الراحل فرانسوا ميتران يورد في مذكراته تحليلا مماثلا لقرار الجنرال ياروزلسكي وادانة كرايسكي له. ان هذا الكتاب يشكل في احد ابعاده عرضا لتاريخ المانيا الراهن في ظل المستشار جيرهارد شرويدر الذي يصفه المؤلف في ا حد فصول الكتاب بـ «الصديق» قبل ان يستعرض الاسباب التي دعته للاستقالة من الحكومة التي شكلاها معا في الواقع؟ وذلك بعد اشهر قليلة من الحكم، لكن المؤلف يدرس في الوقت نفسه السياسة المالية الدولية ويرى بان تحرير اسواق رؤوس الاموال على الصعيد العالمي كان قرارا سياسيا ولا يتردد في ان يصف ما حدث على ا نه «ثورة» حقيقية اذ ان المبادلات المالية الدولية لم تعد تستخدم لتمويل تدوير السلع او الاستثمارات وانما لتحقيق الارباح على المدى القصير عن طريق المضاربات وهكذا يشبه اوسكار لافونتين ما يجري في الاسواق المالية الدولية بانه بمثابة «كازينو» عالمي، لكن اللاعبين لا يقامرون فيه باموالهم الخاصة فقط وانما ايضا باموال البنوك، وتقوم بالعملية شركات مختصة مع ما يمكن ان تحمله الخسارات من مخاطر قد تهدد المنظومة المالية العالمية كلها ومظهر آخر لهذه الثورة هو ان المجتمع اصبح محكوما الى درجة كبيرة بـ «وسائل الاعلام» التي غيرت مفاهيمنا وبالتالي غيرتنا نحن انفسنا، على حد تعبير المؤلف الذي يضيف في موقع آخر: لم تعد الحكومات والبرلمانات المنتخبة ديمقراطيا هي التي تحدد السياسة وانما بالاحرى المستثمرون الدوليون. وفي مواجهة هذا كله يقترح المؤلف نموذجا يجمع بين التقدم الاقتصادي واحترام الانسان، وهذه هي الفكرة الجوهرية التي تتمحور حولها تحليلات هذا العمل.