بيان الكتب: يعمل مؤلف هذا الكتاب استاذا للاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الامريكية وهو عضو الزمالة في مجلس العلاقات الخارجية بصفته مختصا في المسائل الاقتصادية الدولية وكان قد عمل خلال الفترة الواقعة بين 1991 و 1993 مستشارا اقتصاديا للمدير العام، للاتفاقية الدولية للتعرفة الجمركية المعروفة باسم «الجات» حصل على عدة جوائز دولية من بينها جائزة «برنارهارمز» في المانيا وجائزة الاقتصاد السياسي في الولايات المتحدة وجائزة الحرية في سويسرا. وهو يساهم بشكل منتظم في ميدان السياسة العامة بعدد من الدوريات المتخصصة مثل «الفايننشال تايم» و «وول ستريت جورنال» و «فورين افير»؟ وكذلك في الملحق الادبي لمجلة «التايم». «رياح المئة عام» هو في الاصل عنوان قصيدة كان الشاعر المكسيكي «اوكاثيوباث» الحائز على جائزة نوبل للاداب قد كتبها و «استعارها» المؤلف ليجعلها عنوان هذا العمل، متبوعا بعنوان فرعي اقل شاعرية واكثر مباشرة والتصاقا بموضوع البحث جاء فيه: «كيف اساءت واشنطن ادارة العولمة وحيث تتم بشكل خاص مناقشة «الآثار السلبية» الكبيرة التي تركتها ادارة الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون على مسار قضية العولمة. وتتشكل المادة الاساسية لهذا الكتاب من مجموعة الدراسات التي كان المؤلف قد نشرها في السنوات الاخيرة من القرن الماضي (العشرين) ومن المحاضرات التي كان قد القاها اثناء ندوات علمية نظمتها مؤسسات دولية. ان المؤلف يركز في بحثه على ادارة الرئيس الامريكي الامريكي السابق بيل كلينتون لانها كانت المسئولة عمليا وواقعيا اثناء الفترة الانتقالية من نظام الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة «الجات» الي منظمة التجارة العالمية ابتداء من عام 1992 ولا يتردد في هذا السياق عن تحميل المسئولية الخاصة ببروز عدد من الاشكاليات التي تواجهها التجارة الدولية اليوم الى المفاوضين الذين كانت ادارة كلينتون قد كلفتهم بتلك المهمة. وعلى كاهل هؤلاء يقع عبءء السياسة التي ادت الى اخطر الازمات الاقتصادية التي واجهت العالم منذ تلك الشهيرة التي شهردتها بدايات عقد الثلاثينيات في القرن الماضي. ان هذه السياسة هي التي فجرت، كما يرى المؤلف الازمة المالية الآسيوية. لقد حلل مؤلف هذا الكتاب باستفاضة كبيرة الازمة المعنية ورأى بانه من غير المنطقي ان تلقى مسئوليتها على الآسيويين انفسهم. ذلك ان تحرير الاسواق المالية وانتقال رؤوس الاموال في الدول الآسيوية بسبب الضغوط الكبيرة التي مارستها الولايات المتحدة الامريكية وصندوق النقد الدولي، انما كانا من اهم الاسباب التي ادت الى نشوب الازمة المالية الآسيوية الاخيرة التي هددت المنظومة المالية الدولية كلها كما دفعت اقتصاد البلدان الآسيوية المعنية الذي كانت تطلق عليه خلال النصف الثاني من القرن الماضي صفة «المعجزة نحو حافة الانهيار التام». بالمقابل كان يسود الاعتقاد في الفترة التي تلت مباشرة نهاية الحرب العالمية الثانية بان الماردين النائمين اي الصين والهند هما اللذان كانا سيصبحان القوتين الاقتصاديتين الهائلتين في مرحلة مابعد الحرب، لكن الواقع كذب جميع التوقعات وجاءت المفاجأة من حيث ان الفائزين في سباق النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الاقصى انما تمثلوا في «النمور الاربعة الصغيرة» اي كوريا وتايوان وسنغافورة وهونج كونج لقد استطاعت هذه الدول النمور ان تضرب ارقاما قياسية على صعيد النمو لم تعرفه اية مناطق اخرى في العالم، وقد كان تخطيها الهائل لجميع التوقعات هو الذي اتاح وصفها بـ «المعجزة». لكن مفاجأة اخرى استجدت اواسط عام 1997 وانطلقت شرارتها الاولى من تايلندا ليمتد «الحريق» بسرعة مذهلة الى ماليزيا وكوريا واندونيسيا. لقد جمعت الكارثة غير الموقعة هذه البلدان الاربعة حيث يرى المؤلف بان السبب الجوهري فيها تمثل في التحرير المتعجل وغير الحذر للاسواق المالية ثم تلا ذلك تسارع كبير في زيادة القروض قصيرة الاجل مما ساهم في تفاقم الازمة وتعقيدها اكثر فاكثر. وكانت محاولة العلاج التي قام بها صندوق النقد الدولي برفع معدلات الفائدة هي الخطأ الثاني من وجهة نظر المؤلف اما الخطأ الثالث فقد كان مصدره الولايات المتحدة الامريكية وصندوق النقد الدولي معا واللذان تسبب في اخفاق المشروع الذي تقدمت اليابان به والمتمثل في ضخ مئة مليار دولار في اقتصاد الدول المعنية .. وكان السبب الحقيقي في معارضتها هو رغبة واشنطن في استمرار هيمنتها الاقتصادية في منطقة جنوب شرق آسيا بهدفة التصدي للمنافسة اليابانية، كما كان صندوق النقد الدولي يريد الانفراد بالبحث عن الحلول وذلك باعتباره السلطة المخولة في هذا المضمار ويرى ان النتيجة النهائية التي يخلص المؤلف اليها تكمن في التأكيد بان الازمة الآسيوية قد اصبحت تنتمي الى الماضي وان النمو الاقتصادي في البلدان المعنية سيعود لتحقيق ارقام قياسية اقتصادية جديدة. ومن المسائل الاساسية الاخرى التي يتعرض لها هذا الكتاب هناك مسألة «التجارة الحرة» واهميتها بالنسبة لتحقيق نمو اقتصادي في البلدان التي تعمل على تطبيق مبادئها وعلاقة هذا كله بمنظمة التجارة العالمية التي اصبحت بدورها مرتبطة بقضايا جديدة مثل حقوق الانسان ومشاكل البيئة والتلوث ومعايير العمل وسياسة المنافسة في القطاع التجاري، وقد استعرض المؤلف ضمن هذا الاطار ما اعتبره اهم الامثلة اي مسألة انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية وحيث يثار نقاش كبير في الولايات المتحدة الامريكية التي تهتم كثيرا بسوق ا لصين الكبير حول اشتراط احترام السلطات الصينية لحقوق الانسان كي يتم السماح لها الانضمام الى منظمة التجارة الدولية غير ان المؤلف يرى ضرورة التفرقة بين الشروط غير التجارية التي يجب فرضها على الدول الراغبة في الانضمام الى المنظمة الجديدة والشروط التجارية البحتة وهذا التمييز ينبغي ان يتم حسب رأيه على اساس استخدام العقوبات التجارية المعممة ضد البلدان المخالفة واستخدام اساليب اخرى مثل المنع المؤقت او الدائم لسلع الدول المعنية من الدخول الى اسواق البلدان الاخرى. اما فيما يتعلق بالعقوبات التجارية المعممة فقد ضرب المؤلف أمثلة مختلفة شهدتها الحقبة الماضية مثل فرض منظمة الأمم المتحدة للحظر ضد نظام جنوب أفريقيا عندما كانت تحكمها أقلية بيضاء مارست سياسة التمييز العنصري ضد الأفارقة السود أبناء البلاد الأصليين أو ضد نظام «ايان سميث» عندما أعلن من جانب واحد استقلال روديسيا، وقد كان انتهاك حقوق الانسان واضحاً في الحالتين، لكن بالمقابل يرى المؤلف ان اجراءات المقاطعة التي عرفها الاتحاد الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ بسبب اتخاذه اجراءات صارمة حيال الهجرة إلى الخارج، أو التي عرفتها الصين بشأن انتهاك حقوق الانسان هي اجراءات «غير سليمة» لأن الاسباب الموجبة لفرض العقوبات هي «أقل خطورة» أو «أقل شراسة». من جهة أخرى يؤكد مؤلف هذا الكتاب على ضرورة دراسة جدوى العقوبات، وما إذا كانت لا تلحق الضرر أيضاً بأولئك الذين فرضوها، وينبغي بالدرجة الأولى ان تشارك جميع البلدان التي لها علاقة تجارية مع البلد المعني بفرض الحظر عليه في تطبيق اجراءات العقوبة حتى لا يحدث خلل يفرغ الخطر من مضمونه، كذلك يرى المؤلف بأنه لا يمكن للخطر ان يكون مجدياً، إلا ضد بلد صغير كـ «كوبا» مثلا بينما من الصعب ان لم يكن من المستحيل فرض الحظر على بلد شاسع وكبير مثل الصين، أضف إلى هذا كله انه لا ينبغي الاستهانة بالخسائر المترتبة على فرض الحظر، الأمر الذي تدل عليه عدة احصائيات يقدمها المؤلف. ويتعرض «جاغديش باغواتي» في أحد فصول هذا الكتاب إلى مشكلة الثقافة وعلاقتها بالتجارة الدولية ويناقش بهذا الصدد ماشهده اجتماع وزراء ثقافة «23» دولة في أوتاوا خلال شهر يونيو عام 1998 بدعوة وزيرة التراث الكندية وحيث ناقشوا لمدة يومين السياسة الثقافية في ظل العولمة، ومن النقاط التي اتفق عليها أغلبية المشاركين القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا يهمها ان تضحي بالثقافة من أجل التجارة، وإذا كانت تشدد في مطالبتها بلدان الاتحاد الأوروبي رفع جميع القيود عن الأفلام والبرامج التلفزيونية الأمريكية فإن هذا يعود لأسباب تجارية وللتأكيد على حرية التجارة. إن المؤلف يعارض بقوة هذه المطالب الأمريكية ويعتبرها ضد مبادئ التجارة الحرة ويرفض بالتالي ما يدعيه الأمريكيون بالقول ان رفض الأوروبيين إنما هو تعبير عن اجراءات حمائية، ويرى انه من حق الأوروبيين التمسك بالحفاظ على ثقافتهم. في المحصلة يحمل المؤلف ادارة كلينتون مسئولية تعثر مفاوضات منظمة التجارة العالمية «الحرة» ويرى ان تلك الادارة كانت تقدم حلولاً وردوداً غير مناسبة على مطالب الدول الأخرى عامة والنامية منها خاصة، ويعتبر في طليعة أشكال الفشل التي عرفتها الادارة الأمريكية آنذاك في الميدان التجاري السياسة التجارية التي تم انتهاجها حيال اليابان وحيث ان هذه السياسة كانت على رأس اهتمامات كلينتون عند توليه السلطة إذ بدأت تتردد حينها صيحات تطالب بتجارة «نزيهة» قبل ان تكون حرة ولا يعني هذا برأي المؤلف سوى زيادة الاجراءات الحمائية تجاه اليابان. ذلك ان كلينتون وتحت ضغط المسيطرين على ما يُعرف بوادي السيليكون والمتخصص بالصناعات التكنولوجية تبنى سياسة ضرب اليابان تجارياً حيث تعزز الاتجاه الأمريكي الذي يندد باليابان كـ «شريك تجاري غير نزيه». ومن الأمثلة الأخرى على خطأ السياسة التي انتهجتها ادارة بيل كلينتون سياستها حيال المكسيك، إذ انه وحتى مع وجود اتفاقية تجارة حرة مع هذا البلد فإن دعاة الحماية في الولايات المتحدة كانوا يطالبون بالحد من حرية التجارة معه بدعوى انها بلد غير ديمقراطي ولا يحترم معايير العمل، أما النتيجة المباشرة لمثل هذا الضغط الأمريكي على المكسيك تتمثل في رفع كلفة الانتاج مما يجعل سلع هذه البلاد غير قادرة على منافسة السلع الأمريكية، هكذا تستخدم جماعات الضغط ـ اللوبي ـ الأمريكية مسائل لا علاقة لها بحد ذاتها في التجارة من أجل تأمين مكاسب تجارية. ان قضايا أخرى لها علاقة بالتربية وبمشاكل البيئة تؤكد أيضاً اساءة ادارة كلينتون في اطار دفع العولمة للأمام، إذ ومع كل ما يدور من أحداث ومظاهرات واحتجاجات تتعلق بالتجارة العالمية ومنظمة التجارة العالمية فإن المؤلف لايرى بأن العولمة تتقدم بسرعة، وإنما يتقدم بسرعة هو معدل اصدار الدراسات والمؤلفات الخاصة بالعولمة.