بيان الكتب: يبين شيركوه بيكه س في مقاطع أولى من سفر الروائح الصادرة حديثا عن دار نينوى في دمشق (2001) فلسفته الشمية وقراءة ريح الألوان استنشاقا: جربت الرؤية فكانت سراب زيج، جربت السماع، كان تيه الأصوات والصخب ،جربت اللمس كان خدرا دائما في يدي ،جربت الذوق، كان جفافا لا يترك فمي. بقي لي قلم الرائحة وحده كي اكتب به هذه المرة قصيدة جديدة. ترتبط الرائحة في الأدبيات والنصوص الشرقية بالذاكرة وقرابتها إلى الشوق والحنين من الدرجة الأولى فمنديل الحبيب المنسي أو المسروق غنيمة كبرى عند العاشقين وريح قميص يوسف اعاد أباه يعقوب بصيرا فالرائحة قد تستحيل روحا أو نفخة خلق واحياء حتى انه يمكن تسمية حاسة الشم بحاسة الشوق. سفر الروائح سيرة شعرية طويلة يشنها الحنين في غارات عاطفية ومواجد على الذاكرة فنجد انثيالات وتدفقات سردية ملونة، مطعمة بالأغاني والملاحم الكردية، ويتراوح الأسلوب بين المنولوج والديالوج والنجوى والاستبطان والخبر وبين نبر الهمس والاستغاثة. تتماهى في القصيدة الذات بالوطن وتتبادلان الأدوار وزمن السرد تقليدي يبدأ من الطفولة الأولى في متاخمة للجنس الروائي أو السيرة ذاتية شعرية وتتوزع جانبيا وتنتهي بمصير الشاعر مغتربا في امستردام وهو يجلد ذاته على الهرب تاركا الوطن تحت السكين وفي قصيدة من هذا النوع يتبدى احتمال خطر إهدار الشعرية ونذر الإطاحة بالروح على حساب التأريخ والسرد على حساب الشعر والذي تتجنبه القصيدة بالإكثار من التلوين التصويري والانتقال بين الأمكنة والأزمان. القصيدة مستودع للذكريات تتراصف وتتجاور أفقيا وتتصاعد ببطء ويحشد في سفره رائحة بكاء الأم واللحاف الرطب البالي، الخوف الشتوي والحكايات التي رواها الثلج ثم الحب الأول والاصدقاء والاعداء والوقائع الوطنية، الحكايات الشعبية الكثيرة فتتحول القصيدة معرضا للتاريخ ومتحفا للمواقع والأمكنة والمذابح الكثيرة والقبور التي تنمو فوقها الأزاهير الحمراء تعيد سفر الروائح إلى البال مقولة وظيفة الفن كرافعة من روافع الحياة ويبرز المضمون السياسي بقوة التأكيد على الأمل و التفاؤل. يتم تحويل جميع الحواس سيميائيا إلى حاسة الشم، ومن ثم تجسيدها (أعود برائحتك إلى البيت أضعها في غرفتي لحين جنوح الظلام افتح حقيبة الرائحة في الليل، أمد يدي بهدوء إلى عبقك بهدوء كي لا تذوي) ويخرج بيكه س في مختبره الشعري (الروائح من الريح) فنعثر على أطلس روائح الفراق والحب واللوعة والغربة والنزوح والهجران ورائحة الدم التي هي (رائحة تاريخي). وهو لا يستعيد هذه دراميا لتفعل في القصيدة وتتصاعد بها وإنما للتطريز والتوشية فترقش سجادة الذاكرة الكردية بالابتهالات والتراتيل ويمكن تذكر سلفه الشاعر حامد بدخان بقصائده الأممية والتغني بالخصوصية القومية (أني اكتب بروح القرن الحادي والعشرين ولكنني لا انوي تجريد قصائدي من (كوله بال) وال (كه به نك) و (الفرنجي) و (الشال) و (الفه قيافه) كأنه يشد مع حمزاتوف القائل بالخروج إلى وساعة الأممية بالذوبان الإنساني في ضيق المحلية تنتمي قصيدة بيكه س فكريا إلى حقبة آفلة للآخرين، وليست له فهو يتغنى بالانتفاضة والثورة ورائحة الانتقام والبارود الذي لا يزال يحترق به في عصر يزعم انه عصر السلام. فتكتظ القصيدة بالأسماء الثورية (كاسترو، غاندي..) وأسماء الطغاة (اتاتورك بوكاسا..) كمحاولة لفك عزلتها واثبات موجوديتها وإنسانيتها في التقديم الذي استهل به الشاعر نزيه أبو عفش المجموعة يقول: لا يتوقف شعر شيركوه بيكه س عند كونه سفرا للروائح فحسب بل هو سفر ذاكرة خلاقة مشحونة بالشقاء يتجول شيركوه في أنفاقها تجوال كاهن بين أنقاض كاتدرائية كونية سبق أن كانت معبدا مكرسا لتجميد الحياة لذا لا يتوقف شيركوه عند كونه شاعر ذكرى بل هو قبل كل شيء شاعر حياة.. انه يعيد إنتاج الأمل). سفر الروائح (جرح نامه) غنائية كردية نازفة ترسم بانوراما التراجيديا الكردية بحزنها وفرحها نشيد الكفاح الإنساني السكران بـ (البحث عن العنوان الكامل للحرية) بشكل سيزيفي في صحراء تيه. أحمد عمر