بيان الكتب: بول ماركوس، مؤلف هذا الكتاب، هو استاذ لمادة التاريخ في الجامعات الفرنسية. سبق له وقدم عددا من الاعمال من بينها سيرة حياة «بورجيس مونوري» الذي كتب رئيس وزراء فرنسا الاسبق وأحد رموز الديغولية «جاك شابان دالماس» مقدمته. و«الجمهورية التي تمت خيانتها». هذا الكتاب الجديد «الجزائر المستعمرة، العقل، او الدولة» يقدم رغم «صغر حجمه» (147 صفحة) فكرة معمقة عن «الموقع المتميز» الذي احتلته الجزائر في «التاريخ» الفرنسي الحديث.. وذلك لانها ومنذ بداية استعمارها عام 1830 وحتى استقلالها عام 1962 شكلت باستمرار «مصدر شغف» و«أرق» بالنسبة لفرنسا. كما كانت طيلة هذه الفترة احد «الرهانات» الاساسية في السياسة الفرنسية ذاتها، وذلك على ضوء ما يسميه المؤلف بـ«مصلحة الدولة». لكن في مواجهة «مصلحة الدولة» هذه وقفت مجموعة من «المثقفين» الفرنسيين، بل ومن «الافراد» العاديين ضد المشروع الاستعماري «في نهاياته» على الاقل، وذلك على اعتبار ان «مصلحة الدولة» ينبغي ان تجد تبريرها في الاعتماد على «منطق العدالة». إن المؤلف يناقش في هذا الكتاب «وجهتي» نظر عرفتهما الحياة العامة الفرنسية حيال الجزائر، وخاصة خلال سنوات حرب التحرير الجزائرية أو «سنوات الاحداث»، كما كان يقال في القاموس السياسي الرسمي حيث كان لابد من الانتظار مدة سبع وثلاثين سنة بعد استقلال الجزائر كي يتبنى البرلمان الفرنسي نصا تم فيه استبدال تعبير «الاحداث الجزائرية» بـ«حرب الجزائر» وذلك للدلالة على ما شهدته تلك البلاد وخلال السنوات الممتدة من عام 1954، اي بداية انطلاقة الشرارة الأولى في حرب التحرير الجزائرية، وحتى عام 1962 حيث حصلت الجزائر على استقلالها. واذا كان التعرض لموضوع الحرب الجزائرية بمثابة «المحرمات تقريبا» في حينها فإنها اصبحت فيما بعد بمثابة مجال واسع نقب فيه المؤرخون والصحفيون والباحثون في شتى المشارب. ان رجال السياسة الكبار والادباء والمفكرين الفرنسيين الذين عاصروا تلك الفترة وعايشوها وتفاعلوا معها وفعلوا بها قد فارقوا الحياة الا بعض الاستثناءات النادرة. بقيت فقط خطاباتهم ومقالاتهم ودراساتهم. ومن خلال هذا كله يبحث مؤلف هذا الكتاب في الآليات التي تطوروا من خلالها او تلك التي جعلتهم عاجزين عن مواكبة الاحداث.. هكذا يبدو الخط الناظم لتحليلات هذا الكتاب بمثابة تقديم نوع من «المواجهة» بين رجال السياسة والمثقفين الفرنسيين حيال حرب الجزائر. «المواجهة» فقط؟.. ربما هناك بعض «التواطؤ». اضف الى هذا وجود نوع من «التعارض» الحاد احيانا بين رجال السياسة انفسهم الذين كانوا يتحملون مسئولية «الملف الجزائري» في فرنسا التي كان يقال عنها بانها تمتد من «دنكرك» في اقصى الشمال على بحر المانش وحتى «تامنرست» في جنوب الجزائر. إن الطبقة السياسية الفرنسية لم تكن على درجة كبيرة من «التنافس» لكن هذا لم يمنع واقع ان الساسة، وكما يقدم مؤلف هذا الكتاب آراءهم وتحليلاتهم والمصالح التي يدافعون عنها والتي كانت تدفعهم احيانا الى موقع التعارض، كانوا يعملون كلهم «من اجل مجد الامبراطورية الفرنسية».. وضمن هذا الاطار يستعرض «بول ماركوس» آراء سياسيين من اقبال بييرمندس فرانس وجي موليه واوجار فور وفرانسوا متيران وميشيل دوبريه.. وغيرهم؟ وكذلك آراء مثقفين كبار زخرت بهم فرنسا خلال تلك الفترة وليس اقلهم شأنا جان بول سارتر وريمون آرون وفرانسوا مورياك والبير كامو وكلود ليفي ستروس وغيرهم. ما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب هو ان موضوع «الجزائر» كان في صلب اهتمام الساسة والمثقفين. وبمقابل «فعل السياسة» برز «تفكير المثقف». كان التمايز كبيرا بين سارتر وآرون اللذين اطلقت عليهما تسمية «الاخوة الاعداء» وكذلك بين سارتر وكامو؟ بعد ان نشر هذا الاخير كتابه المعروف «الانسان المتمرد».. ولكن سارتر وآرون وكامو كان لهم مواقف فيها الكثير من النقاط المشتركة حيال الحرب الجزائرية. كان رجال السياسة يتحركون تحت راية «مصلحة الدولة» وكان المثقفون يرفعون شعار «منطقة العدالة». احتلت فرنسا الجزائر عام 1830. وقيل يومها بان المارشال الفرنسي «بوجو» قد انتصر على السكان المحليين» الذين تم وصفهم ايضا من قبل البعض بـ«المتوحشين». في تلك الفترة لم يكن الغاء العبودية قد اصبح امرا واقعا «رسميا». وكانت مناهضتها حصرا على بعض المفكرين المتنورين من امثال «مونتسكيو». واذا كانت «الجمعية التأسيسية» بعد الثورة الفرنسية الكبرى ـ 1789 ـ مباشرة قد الغتها رسميا فإن نابليون بونابرت قد اعاد العمل بها لتلغى رسميا من جديد عام 1848. مع ذلك واذا كانت «النصوص» قد اكدت المباديء فإن «الذهنيات» تباطأت كثيرا في التأقلم مع تلك المباديء. وفي عام 1946 تم اقرار دستور الجمهورية الفرنسية الرابعة الذي نصت مقدمته على ان «تعمل فرنسا من اجل الوصول بالشعوب المسئولة عنها الى حرية ادارة نفسها بنفسها وان تقوم بتسيير شئونها ديمقراطيا بعيدا عن اية منظومة استعمارية قائمة على التعسف، وتضمن للجميع حق التساوي في الوصول الى الوظائف العامة وممارسة الحقوق والحريات الفردية او الجماعية المنصوص عليها. ان مؤلف هذا الكتاب وعلى قاعدة «التمايز» بين المباديء النظرية المطلوب ترجمتها الى واقع وبين مستلزمات المحافظة على الارث «الاستعماري» الذي اصبح بمثابة «تراث وطني في الوجدان الفرنسي المتشبث بالمفهوم الامبراطوري»، يحلل مواقف الساسة الفرنسيين حيال الحرب الجزائرية. إن مثل «التمايز» المشار له يبينه بوضوح واقع وجود «وزارة المستعمرات» في ظل النظام الجمهوري وحيث لم يتردد البير سارو وزير المستعمرات في ان يصرح عام 1931 بمناسبة «المعرض الاستعماري الدولي» في مدينة باريس قوله: «ينبغي ان يكون هذا المعرض بمثابة تمجيد حيوي لتوسع فرنسا الخارجي في ظل الجمهورية الثالثة وللجهد الاستعماري للأمم المتحضرة المتمسكة بنفس المبدأ الداعي للتقدم والانسانية». لكن نشوب الحرب العالمية الثانية وانطلاق حركات التحرر الوطني في مختلف المناطق المستعمرة واستقلال الهند عام 1947 ثم الصين عام 1949 شكل منعطفا جديدا وحاسما في المسار التحرري لمختلف الشعوب الخاضعة لاحتلال اجنبي. ان رجال السياسة ورجال الفكر الذين يتعرض المؤلف لتحليل مواقفهم حيال حرب التحرير الجزائرية خاصة، والجزائر المستعمرة عامة ينتمون الى جيل شهد العقدان الاولان من القرن العشرين ولادة اغلبية اصحاب القرار السياسي والمفكرين المعنيين مثل بيير مندس فرانس (من مواليد 1907) وادجار فور (1908) وميشيل دوبريه (1912) واندريه مالرو (1901) وريمون آردن وجان بول سارتر (1905) والبيركامو (1913).. الخ. وضمن نفس السياق يقوم المؤلف ايضا بـ«تأطير» المواجهة بين رجال السياسة والمفكرين حول مسألة الجزائر على الاصعدة التاريخية والجغرافية. فتاريخيا كانت فرنسا قد شهدت في شهر مايو من عام 1954 هزيمة كبيرة في معركة «ديان بيان فو» في الفيتنام مما كان له انعكاساته لدى الجزائريين الذين ارادوا اعادة الدرس الفيتنامي. وجغرافيا كانت حركة التحرر الوطني نشطة في المغرب وتونس مما كان «يهدد بالعدوى». ويكرس المؤلف احد فصول هذا الكتاب للمقارنة بين عمل شخصيتين تمثلتا في الجزائري فرحات عباس والفرنسي المولود في الجزائر والذي اقام فيها اغلب سنوات حياته هو «البير كامو». يقول «بول ماركوس» في وصفها: كانا كلاهما ملتصقين بالارض وبشمس الجزائر المحرقة. اصبح فرحات عباس صيدلانيا والبير كامو كاتبا. وادركا كلاهما بان واقع الجزائريين فيه الكثير من الظلم وبانه لابد من طرح المسائل المتعلقة بالمستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لاولئك الذين تم تغييبهم عن الحياة العامة لبلادهم طيلة عقود عديدة. وقد تحركا، كلاهما ايضا ضمن «الاطار الفرنسي»، الامر الذي عبر عنه البير كامو بالقول بـ«ضرورة جعل التشريعات الجارية اكثر مرونة دون تغيير اطارها الاداري». لم تكن اطروحات «كامو» تتضمن اي شيء ثوري وانما بعض الافكار الاصلاحية القريبة من تلك التي كان يقول بها فرحات عباس، كما يرى مؤلف هذا الكتاب. كان ذلك في اواخر عقد الثلاثينيات من القرن العشرين. وقبل ان تندلع الحرب العالمية الثانية التي غيرت الموازين وحلت الجمهورية الرابعة. وضمن هذا الاطار استقبل رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك «فانسان اوريول» النائب فرحات عباس الذي طالب بـ«تحرير جماهير الفلاحين» الجزائريين وبـ«الاصلاح» فيسمع اجابة جاء في نهايتها: «واذا انتفضتم انت ومن سيخلفونك ضد فرنسا فإنكم ستمتلكون القواعد العسكرية والقوة والثروات التي اوجدتها ـ اي فرنسا ـ لتستخدمونها ضدها ولمصلحة من؟». وفي يوم 19 اكتوبر 1954 قال فرانسوا ميتران، الذي كان آنذاك وزيرا للداخلية في حكومة بيير مندس فرانس، اثناء زيارة للجزائر بان اتساع الجمهورية الفرنسية من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب هو الاكبر في العالم ـ بعد المسافة الفاصلة بين لينينغراد (سابقا وبطرسبورج حاليا) وفلاديفوستوك، واكبر من المسافة بين واشنطن وسان فرانسيسكو. ثم اضاف: اين تقع الجزائر في هذا المجموع الهائل؟ انها في الوسط تماما وحيث تجتمع قواتنا. كان الرد في ليلة 31 اكتوبر من نفس السنة حيث قام الثوار الجزائريون بثلاثين عملية دامية والذين اطلقت عليهم آنذاك صفة «حفنة من المتمردين». كان ميتران يقصد المسافة الواصلة بين فرنسا ومستعمراتها في افريقيا السوداء ومرورا بشمال افريقيا ـ الجزائر. في مواجهة ذلك الوضع صرح ميتران امام الجمعية الوطنية الفرنسية بتاريخ 12 نوفمبر 1954 بانه سيواجه الوضع بالقوة «لان الجزائر هي فرنسا والمحافظات الجزائرية هي محافظات في الجمهورية الفرنسية». بنفس الوقت تعالت اصوات عدد من كبار المثقفين والمفكرين تقول خطابا آخر يرى مؤلف هذا الكتاب بريمون آرون احد اعلامه والذي اكد في مقدمة كتابه «المأساة الجزائرية» دون اي غموض بان «المفاوضات ستؤدي الى استقلال الجزائر، لكن الانتخابات الحرة ستؤدي اليه ايضا». وايضا: لا يمكن البقاء بالقوة باسم الافكار الليبرالية ـ تجدر الاشارة الى ان آرون هو احد أهم منظري الليبرالية خلال القرن العشرين؟ ثم في موقع آخر: «ان اليسار لم يقل الحقيقة اكثر مما قالها اليمين. ولم يقل بان الاستقلال الذاتي الداخلي يتضمن نيل الاستقلال بعد امد قصير وبان الاستقلال يعني رحيل الكثير من الفرنسيين المقيمين في شمال افريقيا». ان ريمون آرون لم يكن في قائمة الـ (121) مثقفا فرنسيا الذين وقعوا وثيقة تطالب باستقلال الجزائر، لكنه وقع نصاً كتبه الفيلسوف «موريس مارلو يونثي» من اجل استقلال الجزائر ولكن دون اي شكل من اشكال التعاون مع جبهة التحرير الجزائرية. هكذا اختلف موقف «آرون» عن سارتر و«التزامه» وعن البير كامو الذي «كان يرفض فكرة وجود امة جزائرية حيث كتب عام 1958 ما يلي: «هؤلاء المسلمون ـ يقصد الجزائرين ـ لم يكونوا امة في الماضي، لكن الاكثر شباباً منهم يريدون ايجاد واحدة. هل هذا مطلب عاطفي؟ بالتأكيد مثل جميع المطالب الثورية».