إن مؤلف هذا الكتاب يحاول الإجابة عن هذا التساؤل عبر التأريخ لهذه الحركة منذ بداياتها التي يحدد أهمها في ذلك النداء الذي وجهه الجنرال شارل ديجول يوم 18 يونيو من عام 1940 انطلاقاً من العاصمة البريطانية لندن ودعا فيه الفرنسيين ، الى مقاومة الاحتلال النازي. ثم اختطلت المسيرة «الديجولية» بعدد مهم من اللحظات التاريخية التي لم يكف إطلاق الجنرال شارل ديجول جملته الشهيرة عن اليهود بأنهم «شعب من النخبة، متسلط ويحب السلطة». وذلك بعد حرب يونيو 1967، وكذلك قرار الجنرال التاريخي حول حق الشعب الجزائري الذي كان خاضعاً للاحتلال الفرنسي بتقرير مصيره، وذلك بعد أن كانت ثورة التحرير الجزائرية قد انطلقت في أواخر عام 1954. من الديجولية لم يبق، حسب رأي مؤلف هذا الكتاب، سوى الشيء القليل وسوى بعض «الذكريات» عن اللحظات التاريخية التي عاشتها فرنسا في ظلها. ويعرّف المؤلف الديجولية بأنها «مزيج من النزعة القومية ـ الفرنسية ـ ومن الذهنية الجمهورية». وقد بدت النزعة القومية واضحة بشكل خاص في أفكار الجنرال شارل ديجول نفسه وكان يتم التعبير عنها عبر القول بـ «الأسبقية المطلقة للأمة الفرنسية على مختلف الأمم الأخري». وهذا ما يتمايز الى حد كبير عن «النزعة الإنسانية المسالمة التي نادى بها اليسار الجمهوري». وإذا كان الجنرال ديجول قد أظهر في بدايات صعوده السياسي نزعته القومية الفرنسية، فإنه اقترب تدريجياً من القيم الجمهورية العميقة دون أن يتخلى أبداً عن تلك النزعة. كذلك إذا كان الجنرال قد وضع للجمهورية الخامسة دستوراً يعطي سلطات واسعة لرئيس الجمهورية على حساب البرلمان والأحزاب السياسية، فإنه مع ذلك أكد باستمرار أهمية الديمقراطية وسلطة الشعب. وهذا ما تمّ تلخيصه بجملة واحدة تقول: «العظمة كهدف والدولة القوية كوسيلة». ويرى المؤلف بأن الرئيس جورج بومبيدو، خليفة الجنرال، قد حافظ، على طريقته، على الإرث المتمثل بالتعلق بـ «عظمة فرنسا» والتأكيد على أهمية وجود دولة قوية. لكن بومبيدو ترك الحركة الديجولية «أقل شأناً، وأكثر انقساماً» ليأتي بعد ذلك وصول الرئيس الديجولي الحالي جاك شيراك، بعد رئاستي فاليري جيسكار ديستان، الوسطى، وفرانسوا ميتران، الاشتراكي، كي تشهد الديجولية بدايات «أفولها» مع بروز التوجه نحو البناء الأوروبي وحيث بدت الديجولية كـ «صيغة سياسية استهلكت فضائلها في قدرة الإجابة على المشاكل المطروحة أمام فرنسا في نهاية القرن العشرين». تاريخ الديجولية.. وتاريخ نصف قرن من حياة فرنسا.