بيان الكتب: يروي هذا الكتاب القصة الحقيقية لـ «احمد بنيديف» الذي عاش حياة التشرد والجوع والخوف لمدة عامين من الزمن بعد خروجه مباشرة من احد السجون الفرنسية وطرده من فرنسا ليجد نفسه ذات صباح بعد ايام فقط على خروجه من ذلك السجن في احد المرافيء الجزائرية. ويروي هذه القصة صاحبها ولكن يقوم بصياغتها نصا «عزوز بقاق» الكاتب والباحث في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. «احمد من بورجونيا» او «احمد البورغوني» يمثل احد نماذج المهاجرين الذين قدموا من بلدان المغرب العربي للعمل والعيش في فرنسا بحثا عن مستقبل افضل على المستوى الاقتصادي بالدرجة الاولى. وقد ساق القدر اسرته الى الاقامة في مدينة «ديجون» الفرنسية في منطقة «بورجونيا» ومن هنا جاء عنوان هذا الكتاب. وقد كان احمد ابنا لتلك الاسرة التي كانت تضم ستة اطفال: ثلاثة ذكور وثلاث اناث، وكانوا قد ولدوا جميعهم في مدينة «ديجون» الفرنسية ويقول احمد في روايته لقصة حياته منذ الجمل الاولى بأنه كان «صاحب الحظ العاثر الوحيد» بين ابناء الاسرة الذين عاشوا كلهم حياة «طبيعية» ناجحة الى هذا القدر او ذاك. يقول: لم تكن المدرسة تصلح لي. ولم اكن اصلح لها ايضا. وكان اساتذتي يكتبون دائما على دفتر المراسلات مع الاسرة تعبير «يستطيع ان يكون افضل» مما كان يعرضني للضرب المبرح من قبل ابي الذي كان يعتقد بان النجاح في المدرسة يتعلق فقط بارادة البشر، لكنني لم استطع ابدا ان اكون افضل. كان الهدف الوحيد الذي حدده احمد لحياته هو ان يحصل على وضع افضل من ذلك الذي عرفه والده عندما وصل الى فرنسا عام 1953 وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عاما، وضع افضل، كيف؟ بالحصول على قدر كبير من المال لان هذا هو المفتاح الذي يستطيع ان يفتح كل الابواب وكان ايضا كما يقدم نفسه ولدا متمردا يميل الى المشاجرة و يعطي في الخارج الضربات التي كان يتلقاها في الداخل من امه، هكذا دخل السجن لاول مرة ولثلاثة ايام عندما كان عمره ثلاثة عشر عاما. وجد نفسه بعدها في احد مراكز تربية الاحداث من المراهقين، انه يصف هذا المركز بالقول: لقد كان مدرسة للعنف، حيث كان صاحب العضلات الاكثر قوة هو القادر على اكتساب احترام الآخرين. لقد تعرف احمد في سن الثامنة عشرة على «جوليا» التي بدا انها توليه ثقتها فأراد هو نفسه ان يمنحها الطمأنينة والسعادة لكن نقص الامكانيات المادية والسعي الحثيث من اجل الحصول على مبلغ كاف من المال دون تحقيق ذلك دفعه ذات يوم الى ارتكاب حماقة اخرى و «خمسة اشهر في السجن» اذ كان قد اصبح بالغا وفي السجن عرف بانه سوف يصبح ابا لطفلة يقول: «اذا كان المجتمع لم ينجح في تهدئتي فانني كنت اعرف بأن ابنتي سوف تنجح في ذلك دون جهود اذ كان يكفي مجرد وجودها لتحقيق مثل ذلك الهدف. انني ساصبح ابا، اي انسانا ذا قيمة. ومرت الايام هادئة هانئة و«احمد» يمارس مهنة صيانة الادوات المنزلية التي كان قد تعلمها عندما كان في مركز «تربية الاحداث» وذات يوم وهو في طريق العودة من عمله وجد امام بيته شرطيان ينتظرانه حيث اقتاداه الى «القسم» لتوجه له تهمة «الاعتداء» على احدى السيدات يقول: انني لم اعتد يوما على امرأة، ولم اكن ابدا مثل هذا الرجل ولن اكونه في اي يوم من الايام ولكن لم يستمع احد له رغم انه حاول بكل الوسائل ان يدفع المعنيين بالامر الى سماع اقواله، الى درجة انه ابتلع 40 ابرة خياطة حيث تم نقله الى المستشفى وهناك هرب ليتم القبض عليه .. وفي النهاية الحكم بسجنه لمدة ثمانية عشر عاما. وفي السجن تلقى رسالة من اهله يخبرونه فيها بانهم قد «تبرأوا» منه بعد ان لطخ سمعة الاسرة ورسالة اخرى تحمل له خبر وفاة زوجته بعد ابتلاعها كميات كبيرة من الادوية وبأن طفلته قد اصبحت في رعاية جديها لامها. بعد خمسة وستين شهرا تم الافراج عن «احمد» بسبب حسن سلوكه في السجن، لكن كانت فترة اكثر قساوة تنتظرني لم اكن اعرف اي انسان ولم يكن لدي اي سند، وكان لا بد من تأمين لقمة العيش تحت وطأة التهديد المستمر بالطرد من فرنسا لانني لا احمل جنسيتها كنت بحاجة اكثر من اي وقت لايجاد جذور ونقاط ارتكاز لحياتي وكادت الحياة ان تأخذ مجراها الطبيعي من جديد بعد ان تعرف احمد على سيدة قبلته كما هو «دون طرح الكثير من الاسئلة يقول بدأت اتنفس بشكل افضل قليلا، بل واخذت ارسم بعض المشاريع لحياتي وفجأة هذه هي الشرطة تأتي من جديد لاعتقاله للاشتباه به كفاعل لعملية اعتداء بالضرب في الحي رغم تأكيد احد الشهود بأن الجاني يشبهه ولكنه ليس هو لكن صدر الحكم عليه بالسجن لمدة ثمانية اشهر تم رفعها من قبل النيابة العامة بعد استئنافها الحكم، الى خمسة عشر شهرا اذ كان من الملح تلقين درس جيد لمجرم خطير مثلي يقول احمد البورجوني، ثم يضيف لقد حاولت ان اشرح حقيقتي واعتصمت في زنزانتي وهددت بحرقها اذا رفض قاضي التحقيق الاستماع لي وقطعت احد شراييني لقد اخرجوني من تلك الزنزانة ونجوت فيها لقد عرفت بأن الطرد ينتظرني عند خروجي من السجن لكنه لم يكن يرعبني كالسابق. كانت تلك هي طريقي ولن استطيع الحياد عنها، كنت اجهل الى اين ستقودني، لكنني كنت اعرف بأنه لابد من المرور عبرها من اجل ايجاد الاتجاه الصحيح وكي استأنف بشكل صحيح طريق حياتي. بدأت الرحلة «الجديدة» من مرفأ مرسيليا الفرنسي الى مرفأ عنابة «الجزائري ومنها الى الجزائر العاصمة ثم الى مدينتي وهران وبني صاف في غرب البلاد قبل مغادرتها نهائيا الى تونس ثم الى اسطنبول بتركيا بقصد اجتياز بلغاريا ثم هنجاريا والنمسا وسلفونيا وايطاليا، المرحلة ما قبل الاخيرة، للوصول الى فرنسا التي اجتاز احمد حدودها عبر فتحة صغيرة كان الذين قد مروا قبله قد احدثوها في شريط الاسلاك الحدودي. وهكذا وصل الى مدينة ليون يقول: «عندما وصلت الى مدينة ليون كانت الساعة تدق الواحدة صباحا كانت المدينة تنام هادئة على ضفتي النهرين ـ السون والرون ـ اللذين يجتازانها كان لدي عنوان «آلان» الذي يسكن شمال المدينة على بعد عشرين دقيقة بالحافلة، لكن لم تكن هناك في تلك الساعة اية حافلات تنقل الراغبين في الانتقال من مكان الى آخر، كان علي ان اقطع المسافة سيرا على الاقدام، وهذا مافعلته مستعينا ببوصلة غريزتي وببعض الدلالات في الطرق حيث وصلت الى هدفي طرقت على الباب لكن لم يفتح لي احد لم يكن ينتظرني احد هنا .. كما لم يكن ينتظرني احد في اي مكان آخر .. الآن وبعد ان اجتزت الحدود كانت معركة جديدة تنتظرني، انها معركة اعادة بناء حياة من جديد وانطلاقا من الصفر». عند الانتهاء من قراءة هذه «القصة» تقفز الى الذهن حكايات وروايات اخرى عن «مغامرات انسانية» مثل تلك التي تحتويها رواية الكاتب الامريكي «هيرمان سيلفيل» التي تحمل عنوان «الحوت الابيض ـ موبي دايك» او رواية «العجوز والبحر» لارنست همنجواي، هذا مع الفارق ان قصة مغامرة احمد من بورجونيا تدور بين حدود الدول وفي ازقة المدن وليس في مياه المحيطات البعيدة. في الصفحتين الملحقتين في نهاية قصة «احمد من بورجونيا» نقرأ «حال احمد جيد الآن .. وقد امكن الحصول له على سماح بالاقامة فوق الارض الفرنسية من السلطات الادارية كما في القنصلية العامة الجزائرية في ليون بطاقة هوية جزائرية، . .انه يمتلك الآن اوراق اقامة رسمية عليها صورته وبطاقة هوية جزائرية ورخصة قيادة جديدة، بل وانه يمتلك سيارة، ومنذ فترة وجيزة حصل على اذن بالعمل وقد وجد عملا واستأجر شقة .. واحتفل مع اهله في مدينة ديجون بعيد ميلاد ابنته الثامن عشر خلال عام 2000. قصة رجل مشى كثيرا في دروب الحياة ومنعطفاتها قبل ان يكتشف «ذاته» في النهاية، وهي ايضا قصة معاناة جيل من الشباب المهاجرين.