بيان الكتب: روبير كولي، محرر هذا الكتاب، هو مؤسس مجلة «التاريخ العسكري» الفصلية (ربع السنوية) وذات الشهرة الكبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث نالت عدة جوائز في ميدان اهتمامها. ساهم بالعديد من الكتب الجماعية والمجلات. يعيش حالياً في مدينة نيويورك. يتضمن هذا الكتاب عددا من الدراسات التي يقدمها متخصصون في التاريخ العسكري العالمي. وتقوم الفكرة الأساسية فيه على تصور عدد من هؤلاء المتخصصين والمؤرخين المهتمين بالتاريخ العسكري للعالم، قديمه وحديثه، بأن المعارك العسكرية الكبرى التي غيّرت مسيرة العالم كان لها ـ افتراضاً ـ نتائج معكوسة. أي بمعنى لو أن المنتصر كان مهزوماً والمهزوم منتصراً. وطرحوا بعض التصورات و«السيناريوهات» على الكيفية التي كانت ستجري فيها مجريات الأمور بالنسبة للدول التي كانت قد شاركت، ولكن بالنسبة لتلك التي لم تشارك أيضاً، في تلك المعارك الحاسمة. ولعل هذا ما كان قد قصده الضابط النازي «كلاوز باربي» عندما قال في مقابلة أجراها معه صحفي كان قد رافقه في الطائرة التي نقلته من أمريكا اللاتينية حيث كان يختبيء الى فرنسا كي تتم محاكمته. يومها قال باربي لذلك الصحفي ما مفاده: «لو ان مسيرة التاريخ أخذت منحى آخر و كنت أنا في صف المنتصرين بالحرب العالمية الثانية وليس في صف المهزومين لما كنت أنت ـ أي الصحفي ـ في موقعك ولا أنا في موقعي الآن». «ماذا لو؟» سؤال يناقش المساهمون في هذا الكتاب «الإجابات» التي كان يمكن أن تكون ممكنة عليه بالاعتماد على دراسة بعض «المحطات» التاريخية التي كانت بمثابة منعطفات حاسمة في مسيرة التاريخ الإنساني. وقد كان المؤرخ البريطاني المعروف ارنولد توينبي قد طرح فكرة تخيّل فيها ان يكون الاسكندر الأكبر قد عاش فترة اطول وأكمل الدور الكبير الذي كان قد حلم به لكن القدر لم يمهله لاستكماله. وتخيل المؤرخ توينبي ان الاسكندر لم يمت في سن مبكرة وان العمر قد امتد به ليقوم ـ حسب تصور توينبي دائماً ـ بغزو الصين كخطوة في سبيل تحقيق حلمه بعالم واحد يخضع لسلطة رجل واحد هو الاسكندر الأكبر نفسه «بالطبع». لكن مؤرخاً آخر تخيل أمراً مختلفاً تماماً وقدّم «سيناريو» لقي الاسكندر الأكبر بحسبه حتفه في احدى المعارك الكثيرة التي خاضها عام 334، وهو الأمر الذي كان على وشك الوقوع بالفعل خلال معركة كبيرة كان قد خاضها ضد الفرس وكان يمكن لنتائجها ان تغيّر مجريات التاريخ منذ تلك الفترة إذ وبسقوط الاسكندر «قتيلاً» تصور الكاتب قيام معركة ضارية بين المقدونيين ـ أنصار الاسكندر الأكبر «المقدوني» ـ والفرس كانت الغلبة فيها مع ذلك للمقدونيين رغم الخسائر البشرية الضخمة التي لحقت بهم. لقد «انتصر» المقدونيون لكن قوات الفرس انسحبت دون خسائر جسيمة وبدأت استعداداتها للتحضير لنقل المعركة الى داخل اليونان نفسها والتي كانت قد استغلت «مصرع» الاسكندر للقيام بثورة دامية ضد مقدونيا. وتتابع حلقات «السيناريو» حيث يخلف الاسكندر عدداً من الملوك الضعاف بينما تشهد بلاد فارس فترة من الازدهار والرخاء. ويمضي الكاتب في تصوراته ليقول ان مصرع الاسكندر ـ المفترض ـ في تلك المعركة كان سيجعل عالم اليوم مختلفاً تماماً من عدة نواحٍ سياسية ودينية وثقافية حيث ان القيم اليونانية التي يعتبرها الأوروبيون اليوم في الجذر الأساسي لثقافتهم وحضارتهم الراهنة كانت ستفقد تفوقها لصالح نوع من الاندماج بين منظومات المثل الرومانية والفارسية. كما ان الديانات نفسها كانت ستنشأ وتتطور في مناخ مختلف عما هو سائد اليوم. ويتناول مساهم آخر في هذا الكتاب المصير «المحتمل» الذي يمكن لأوروبا أن تؤول إليه في القرن الثالث عشر لو ان المغوليين كانوا قد واصلوا انتصاراتهم بعد اجتياحهم لشرق أوروبا ووصولهم الى العاصمة النمساوية وإلى البحر الأدرياتيكي واقترابهم من تأسيس أكبر امبرطورية عرفها التاريخ خلال مسيرته الطويلة. ويماثل الكاتب بين القوات المغولية المنتظمة عسكرياً بدرجة عالية قياساً بالقوات الأوروبية آنذاك وبين قوات الخمير الحمر في كمبوديا قبل عدة عقود فقط مع فارق أن هؤلاء قد اقتصر نشاطهم على بلد واحد في حين ان المغول قد اجتاحوا قارة بأسرها. ويشير الكاتب في هذا السياق الى ان «جنكيز خان» لم يكن يتردد في «ذبح» جميع سكان اية مدينة أو قرية يمكن أن تقاوم تقدم قواته. وفي خضم تتالي الانتصارات مات «حفيد جنكيز خان» والحاكم المغولي آنذاك مما تطلب من المغول العودة الى بلادهم الأصلية لانتخاب خليفة له، كما تقتضي التقاليد. لقد عادوا ولم تطأ أقدامهم بعد ذلك التراب الأوروبي لأنهم اتجهوا صوب الصين وغرب بلاد فارس والمنطقة العربية. وكانت بداية اندحارهم في معركة «عين جالوت» الشهيرة التي انتصر فيها جيش المماليك الذي أتى من مصر. ثم توالت الهزائم من قبل اليابان وفيتنام وانحسر تماماً الاجتياح المغولي. هكذا يرى الكاتب انه لولا الموت المفاجيء لحاكم المغول فلربما ان الأوضاع في أوروبا كانت قد شهدت مسارا آخر في ظل استمرار النفوذ المغولي. وشكلت مسيرة نابليون بونابرت موضوع الاهتمام في هذا الكتاب وذلك باعتبار انه كان من أكثر الشخصيات التي ساهمت في توجيه مسيرة التاريخ الأوروبي، وبالتالي العالمي، خلال القرن الخامس عشر. ويؤكد الستر هورن الذي كرّس مساهمته لدراسة الاحتمالات الاخرى للمشروع «النابليوني» ان نابليون لم يتردد في التضحية بجيل كامل من الأوروبيين لتحقيق أمجاده الشخصية، وان العالم لم ير نظيراً له إلا بعد وصول أدولف هتلر الى رأس السلطة في ألمانيا، ويتساءل المؤرخ البريطاني عمّا إذا كان بوسع نابليون ان يقوم بغزو بريطانيا عام 1805؟ وعما إذا كان على صواب عندما باع أراضي منطقة «لويزيانا» للولايات المتحدة الأمريكية، الدولة الناشئة في ذلك الحين. وعلى الرغم من الانتصار الشهير الذي حققه نابليون في معركة «أوسترلتز» فإنه كان على وشك الهزيمة في وسط أوروبا. وهنا يتساءل المؤلف عمّا كان يمكن أن يكون عليه الوضع في أوروبا وما كانت ستؤول إليه صورتها في تلك الحالة. ثم أيضاً كيف كان يمكن أن يكون شكل أوروبا لو ان نابليون لم يفكر في غزو روسيا واتجه نحو تركيا والشرق بغية تهديد مصالح الامبراطورية البريطانية في الهند. وهل كان الحال في أوروبا سيظل على حاله لو أن نابليون كان قد انتصر في معركة واترلو؟ ويؤكد الكاتب ان معركة «اوسترلتز» كانت هي المعركة الحاسمة بين انتصارات نابليون إذ لو انها كانت قد انتهت الى هزيمته فلربما ان اوروبا نفسها كانت قد فرضت السلام لمدة قرن كامل بدلاً من السلام البريطاني الذي فرضته ظروف الانتصار الذي حققه «ولنجتون» في معركة «واترلو». إذ وبعد الانتصارات التي حققها نابليون خلال سنوات 1805 ـ 1807 ضد أعدائه الأوروبيين في النمسا وروسيا وبروسيا، كان من الصعب على هؤلاء ألا يفكروا فيما بعد بالانتقام منه. وهذا ما حدث بالفعل بعد ذلك ومنع نابليون ايضاً من تحقيق حلمه بأن يجعل من باريس اجمل مدن العالم. هذا الحلم الذي تحطم على صخرة طموحاته العكسرية. وبكل الأحوال لاشك ان افتراض انتصار جيش نابليون في معركة واترلو انما كان يعني انتصار قوات منهكة بسبب المعارك الطويلة والمتكررة التي كان قد خاضتها، وحتى لو ان ذلك كان سيؤمن سيطرة فرنسا على أوروبا بينما كانت بريطانيا ستجد نفسها في حالة عزلة شبه كاملة. وتشكل الحرب العالمية الثانية والمشروع التوسعي الهتلري موضوع مساهمة «جون كيجان» في هذا الكتاب، حيث يستعرض ظروف قيام تلك الحرب ويرى في هتلر أفضل مثال للكيفية التي قد يستطيع انسان فيها على مجرى التاريخ أن يصفه بأنه قد ملك قدراً كبيراً من الذكاء والعبقرية وتحلى بدرجة من التصميم قاربت حد الجنون. ولا يتردد «كيجان» في التأكيد انه لو كان هتلر قد فقد حياته اثناء الحرب العالمية الأولى فإن شخصاً آخر كان سيخرج من ألمانيا للأخذ بثأرها من الهزيمة التي لحقت به وتم تكريسها في معاهدة «فرساي» الشهيرة لعام 1919 وللخروج ببلاده من حالة الكساد الاقتصادي والزج بأوروبا في أتون حرب عالمية ثانية، كما فعل أدولف هتلر تماماً. مع ذلك يرى الكاتب في «الفوهرر» الألماني وأمثاله حالات مَرَضية. لقد كان هتلر على وشك النجاح في فرض ارادته على العالم بأسره. فهو قد اتبع الطريق نفسه الذي سلكه قبله نابليون بونابرت وكان قد سبقهما في ولوجه الاسكندر الأكبر. لذلك يتساءل كيجان عن مصير العالم لو ان هتلر كان قد أجل غزوه لروسيا مدة عام واحد و ركز جهوده الحربية على الوصول الى بترول الشرق الأوسط عن طريق التغلغل إليه عبر البحر الأبيض المتوسط ثم سوريا ولبنان. وهل كان في تلك الحالة «المفترضة» سيلقى الهزيمة نفسها التي لقيها على بوابات موسكو في ذلك الشتاء ذي البرد القارس؟ وهل كان سيحصل في حالة استئثاره ببترول الشرق الأوسط على نقطة ارتكاز استراتيجية تسمح له بإحراز انتصار ساحق؟ ويتمثل «السيناريو» الذي يتم تقديمه بالقول انه كان بمقدوره التغلب على المشاكل «اللوجستية» الخاصة بنقل قواته من اليونان الى سوريا لضرب شمال العراق باعتباره مركزاً ضخماً لإنتاج النفط ثم يتجه شمالاً الى ايران ذات الاحتياطيات البترولية الضخمة ومما يتيح له بالوقت نفسه الاقتراب من مراكز انتاج البترول السوفييتي في منطقة بحر قزوين في حين ان توغله بجنوب ايران يسمح له باحتلال مواقع بترول الشركة الانجلو ـ إيرانية في عبدان. ويتيح له وصوله الى شرق ايران الوصول الى غرب الهند التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني ليصل بعدها الى البنجاب والعاصمة دلهي. ان سيطرته على سوريا ولبنان كانت ستعطيه الفرصة للتحكم في شبكة طرق استراتيجية ينال من خلالها من عدويه البريطاني والروسي بالوقت نفسه. ويؤكد الكاتب في هذا السياق ان هتلر لم يكن ينوي غزو روسيا وانه كان يتوقع امكانية التفاوض مع بريطانيا واعتقاده بأنها كانت ستوافق على شروطه لعقد سلام معها لا سيما وانه كان على قناعة تامة بأن الحكومة البريطانية كانت تسلّم بتفوقه العسكري. ولذلك بدأ حملة دبلوماسية مع روسيا بقصد دعم موقعه في شرق أوروبا غير ان الشروط التي وضعها ستالين والتي كان من بينها القبول بضم فنلندة الى بلاده لم تجد قبولاً لدى هتلر الذي بدأ بالفعل استعداداته لغزو روسيا. ومن خلال دراسة لظروف الجبهة الشرقية والبحر المتوسط بعد احتلال اليونان يبيّن الكاتب ان الطريق كان مفتوحاً أمام هتلر للوصول الى منابع البترول الغنية التي كان يحتاج لها، لا سيما وان القوات الفرنسية والبريطانية التي كان ترابط في الشرق الأوسط كانت محدودة العدد والتجهيزات. وهكذا كان بإمكان القوات الألمانية ـ الايطالية الحليفة الوصول الى مبتغاها وتحقيق انتصارات ساحقة خاصة وانها كانت تتمتع ببعض التحالفات المحلية في المنطقة مثلما يبدو من مثال رشيد عالي الكيلاني بالعراق الذي أطاح بالحكومة في بلاده والتي كانت موالية للبريطانيين. لكن هذا كله لم يحدث. فماذا كان يمكن أن يكون عليه «سيناريو» الأحداث لو مضت القوات النازية حتى النهاية في تحقيق هدف الوصول الى آبار النفط في الشرق الأوسط؟ تقول الإجابة «الافتراضية» ان ذلك كان يمكن أن يؤدي الى تفادي انتهاك حياد تركيا عبر استخدام الجزر الواقعة تحت سيطرة الايطاليين والتي تحاذي الساحل التركي. كما كان يمكن استخدام جزيرة رودوس المحتلة من قبل قوات موسوليني كقاعدة جوية لدعم الاسطول البحري الألماني في غزو سوريا ولبنان وفتح الطريق الى العراق وإيران ومنطقة الخليج والاستحواذ على الثروات البترولية التي كان هتلر يحتاجها لتشغيل ترسانته العسكرية وتأمين توسيع مجال نشاطها بكل الاتجاهات. ويختتم «كيجان» دراسته بالقول ان كراهية هتلر للبلشفية ربما هي التي دفعته لخوض الحرب ضد الاتحاد السوفييتي الذي كان يخشاه وبالتالي كان يهدف الى القضاء عليه تماماً. وقد كان حسن حظ أوروبا ان الزعيم النازي قد اختار الحل الذي أدى الى هزيمته ووضع حداً نهائياً للحرب العالمية الثانية. و«ماذا لو؟» في عدة قضايا أخرى كان للنهايات المحتملة ـ غير تلك التي تحققت في الواقع ـ ان تغيّر مجرى التاريخ. و«ماذا لو أن حالة العرب كانت غير ما كانت عليه منذ نكبة فلسطين عام 1948 وحتى الآن؟».