بيان الكتب: يعود النص الاصلي الذي كتبه منظر الحرب الصيني الاول «صن تسو» الى خمسة وعشرين قرناً من الزمن، لكن الجديد في هذا الكتاب يكمن في واقع انه يحتوي على حوالي 90 صفحة في تقديمه والتعليق على الافكار التي تضمنها. هذا بالاضافة الى البحث المستفيض في سيرة حياة «صن تسو». ان التاريخ لا يقدم سوى بعض «النتف» الصغيرة على سيرة حياة «صن تسو»، وربما انها تحتوي على الكثير من الاشياء التي تنتمي الى الاساطير اكثر من انتمائها للواقع. لكن يتفق جميع المؤرخين على ان الدراسات التي قدمها في كتابه فن الحرب تشكل اقدم النصوص حول هذا الموضوع ولكن لاتزال حتى الان بمثابة احد المراجع الاساسية عن الحرب الى جانب مرجع اخر يعود الى بدايات القرن التاسع عشر لمنظر الحرب كلاوزفتش صاحب كتاب «حول الحرب»، ويقول: «ب. هـ. ليدل هارت» في التمهيد الذي كتبه في مطلع هذه الطبعة من الكتاب أن «كلاوزفتش هو الوحيد من بين جميع المنظّرين العسكريين السابقين الذي يمكن مقارنته مع صن تسو ثم يضيف: «ان صن تسو يمتلك رؤية اكثر وضوحاً وفهما اعمق». ومن المتفق عليه ايضاً هو ان افكار صن تسو لاتزال تحتل مكانة مركزية في الفكر العسكري بمنطقة الشرق الاقصى. لذلك ينبغي قراءة «فن الحرب» كما جاء في افكار المنظر الحربي الصيني القديم باعتباره كتاباً يحتوي على الكثير من الحكمة، لكنه يشكل ايضاً احد افضل المفاتيح من اجل فهم الاستراتيجتين الروسية والصينية المعاصرتين. ولا يتردد في القول بأن عدداً من الخسائر التي اصابت الحضارة اثناء الحربين العالميتين اللتين شهدهما القرن العشرين كان يمكن تجنبها لو انه اضيف للافكار، التي تضمنها كتاب (حول الحرب) لكلاوزفتش والتي صاغت نموذج الفكر العسكري في اوروبا خلال الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، المعارف التي احتوتها دراسة صن تسو في كتابه (فن الحرب). ذلك ان الواقعية والاعتدال في فكر صن تسو يتعارضان مع ميول كلاوزفتش نحو المطلق وحيث ان انصار هذا الاخير هم الذين تبنّوا نظرية الحرب الشاملة ومارسوها بشكل متطرف.. لقد طبقوا الفكرة القائلة بأن «ادخال مفهوم الاعتدال ومبدأه في فلسفة الحرب هو نوع من العبث، اذ ان الحرب هي فعل عنف يتم دفعه الى حدوده القصوى، وبهذا المعنى كان يمكن لـ «وضوح فكر صن تسو ان يصحح ظلامية فكر كلاوزفتش». وهكذا ايضاً بدا انصار كلاوزفتش بانهم متطرفون في الغرب وبعيدون عن صوت التعقل والحكمة الذي دعا اليه الحكيم الصيني، ولم ينتبه احد الى التحذير الواضح الذي كان قد اطلقه في فن الحرب، وجاء فيه: «لم تكن اية حرب طويلة الامد مفيدة لأي بلد. ان الحاجة لقراءة الافكار التي اطلقها الحكيم الصيني صن تسو في فن الحرب، ربما انها قد اصبحت اكثر الحاحاً في المرحلة الراهنة من تقدم الانسانية والتي تشهد تعاظم دور اسلحة الدمار الشامل في ميزان القوى الدولية ولكن ايضاً تعاظم التهديد الذي تحمله في طياتها، لاسيما وان الصين قد بدت بمثابة قوة عسكرية كبرى على المسرح الدولي منذ فترة حكم ماوتسي تونج، ثم ان الجنرالات الصينية يتبنون اليوم مبدأ اكد عليه صن تسو كثيراً في فن الحرب الا وهو ان الفن الاكثر رقياً في مجال الحرب يتمثل في اخضاع الاعداء دون معارك. ويؤكد مؤلف فن الحرب من جهة اخرى على اهمية المفاجأة، مفاجأة الخصم والتأكيد على المبادئ الاساسية في الاستراتيجية والخطط المرحلية «التكتيك»، وكان صن تسو قد اعتبر الحرب بمثابة مسألة ذات اهمية حيوية بالنسبة للدولة. ومن هنا لابد من دراستها وتحليلها. هذا ويمكن اعتبار فن الحرب بمثابة الدراسة المعروفة الاولى الرامية الى ايجاد اساس عقلاني لتخطيط العمليات العسكرية وقيادتها. وكان يعتقد بأن الاستراتيجي البارع يستطيع اخضاع جيش العدو دون معركة عسكرية والاستيلاء على المدن دون حصارها وقلب حكومة دون تلويث السيوف بالدماء، كما يبدو بأنه كان يعرف بجلاء ان حسم اية معركة كان يتطلب اكثر بكثير من تصادم الجيوش. اذ ان العدو وحده لا يعطي وحده الغلبة، على حد قوله، لأنه كان يعتبر بأن العامل المعنوي والفكري وظروف الحرب اكثر اهمية من العنصر المادي. لذلك كان يطلب بالحاح من الملوك والقادة العسكريين عدم الركون الى القوة العسكرية وحدها. بالتالي لم تكن الحرب مرادفة في ذهنه للمجازر والدمار بل كان المطلوب دائماً هو تحديد هدف استراتيجي يتمثل في العمل على احداث اقل درجة تمكنه من التدمير لما يراد الاستيلاء عليه. اكد «صن تسو» في كتاباته الحربية على ان التخطيط الدقيق القائم على معلومات صحيحة حول العدو ربما قد يساهم في الوصول الى حل عسكري سريع. كما اظهر ادراكه للآثار الاقتصادية السلبية المترتبة على الحرب وفي مقدمتها الزيادة الكبيرة لاسعار السلع والمنتوجات لاسيما اذا طال امد الحرب. وناقش ايضاً في كتاباته الاثر الحاسم لعمليات تموين الجيش اثناء الحرب وكذلك اهمية دراسة الاحوال الجوية. وقبل هذا وذاك ضرورة اتقان فن المناورة، الاكثر صعوبة حسب رأي صن تسو الذي يقول بهذا الشأن: ينبغي التقدم عبر ولوج طرق ملتوية وصرف نظر العدو عبر ايهامه. بخطط غير تلك الفعلية مما يمكن ان يشكل طعماً بالنسبة له. يمكن الانطلاق بعد العدو ولكن الوصول قبله. ان من يستطيع التصرف بهذه الطريقة يعني انه قد ادرك استراتيجية ما هو مباشر وما هو غير مباشر». ان تطبيق مثل هذه الاستراتيجية في خداع العدو والتي قال بها صن تسو قبل حوالي 2500 سنة هو الذي قام به الاسكندر الاكبر عندما اجتاز نهر «الروبيكون» عندما اوهم الخصم بأنه سيقوم بالهجوم في جبهة محددة بينما كان يعد خطة المعركة الحقيقية في موقع اخر.. وهذا ايضاً ما عرفته الحرب العالمية الثانية عندما اوهم الحلفاء والامريكيون الجيش النازي الذي كان يحتل فرنسا بأن عمليات الانزال البحري والهجوم انطلاقاً من بريطانيا يتم الاعداد لها في منطقة دنكرك، بينما جرى الانزال حقيقة في منطقة النورماندي. ان كتاب «فن الحرب» شكل احد المراجع الاساسية بالنسبة للفكر العسكري الصيني عبر التاريخ منذ خمسة وعشرين قرناً، ولكن ايضاً على الفكر العسكري الياباني وقد كان ماوتسي تونج قد اعتبره بمثابة مصدر اساسي في نظرياته الاستراتيجية. وقد انتقلت افكار صن تسو بواسطة المغول والتتار الى روسيا واصبحت جزءاً هاماً من التراث الشرقي العسكري، وقد اصبح هذا المنظر الحربي الصيني في العصر الحديث احد آباء الفكر الاستراتيجي الحربي بشكل عام.