بيان الكتب: لم تحتج مرجريتا ايفانوفنا رودامينو، صاحبة فكرة تأسيس مكتبة الأدب الأجنبي في روسيا، لكثير من الجهد والوقت حتى تمكنت من إقناع الجهات الرسمية بأهمية وجود مكتبة للأدب الأجنبي في روسيا ففي عام 1921 وبعد الاستماع لمداخلة مرجريتا رودامينو، اتخذت اللجنة الحكومية للشئون الثقافية قرارا إيجابيا وأعطت الضوء الأخضر لمباشرة العمل بإنشاء المكتبة بل وخصصت لهذا الغرض ميزانية أولية لا بأس بها علما أن البلاد كانت تشهد آنذاك أوقاتا صعبة وحرجة فالحرب الأهلية بين الجيش الأحمر بقيادة البلاشفة وبين قوات الجيش الأبيض المعارضة من جهة، والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الجمة التي كانت تواجه السلطة السوفييتية الفتية من جهة أخرى، ما كانت لتسمح ـ نظريا على أقل تقدير ـ بالالتفات لمثل هذه المشاريع....ومع هذا، أصدرت الحكومة السوفييتية في شهر أكتوبر من عام 1921 مرسوما بإقامة مكتبة الأدب الأجنبي ولم يكد يمضي عدة اشهر، حتى بدأت المكتبة عمليا باستقبال أوائل الزائرين وكان ذلك في أبريل عام 1922. وفي عام 1924 كُلفت المكتبة بمهمة تأمين كل ما تطلبه المؤسسات والمعاهد من المطبوعات الأجنبية وتوفير الظروف الملائمة ليتمكن رجال العلم والفكر من الاطلاع على أحدث ما يصدر في العالم من مطبوعات ومؤلفات وأملى ذلك ضرورة وضع خطة عمل طويلة الأمد تهدف إلى توفير الجزء الأعظم من الإنتاجيات الأدبية الأجنبية. واستطاعت المكتبة مع حلول عام 1926 أن تقيم عدة حلقات علمية لدراسة اللغات الأجنبية والأدب الأجنبي، لتتحول هذه الحلقات مع الوقت إلى فصل دراسي رسمي، ما لبث أن تحول عام 1930 إلى معهد موسكو للغات الأجنبية. ويعرف حاليا بجامعة موسكو للسانيات. خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت المكتبة إلى ما يشبه مختبرا للغات الأجنبية يعمل لخدمة الجبهات والقوات العسكرية والقيادات السياسية ومكاتب الدعاية الحربية. بهذا الصدد، كتبت مديرة المكتبة رودامينو في مذكراتها: لقد ألقت الحرب الوطنية العظمى بظلالها على كل شيء من حولنا كل شيء كان موجها لخدمة الجبهة، كنا نقوم بترجمة المستندات والكتب الألمانية وبترجمة الوثائق الشخصية للجنود والضباط الألمان والمناشير الدعائية التي كان يوزعونها على جبهات القتال، ونُعد نشرات بالألمانية لتوزع على الجبهة ونقوم بتعليم جنودنا وضباطنا اللغة الألمانية الخ والكثير الكثير بحماس منقطع النظير. وما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، حتى قامت الحكومة السوفييتية بتقليد مكتبة الأدب الأجنبي وطواقم العاملين فيها، الأوسمة الرسمية تقديرا لدورهم وما بذلوه من جهد وتضحية بإخلاص وتفان واتخذت الحكومة السوفييتية قرارا بإعادة هيكلة المكتبة لتصبح مكتبة شاملة للغات الأجنبية لا تقتصر على الآداب، بل وتشمل أيضا العلوم التطبيقية والاقتصادية والتاريخية الخ. وبات من مهمات المكتبة أيضا، تقديم المساعدات المنهجية والتقنية اللازمة للمكتبات السوفييتية الراغبة بإنشاء أقسام للآداب والمؤلفات الأجنبية وقد توفرت المكتبة على دعم رسمي ومالي مفتوح، واستطاعت خلال سنوات قليلة تحقيق قفزة نوعية هامة جدا في مجال عملها. وبعد أن أحيلت مديرة المكتبة رودامينو إلى التقاعد عام 1973، خلفتها لودميلا كوسيجينا ـ ابنة رئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفييتي السابق ـ فاستطاعت خلال فترة عملها التي استمرت 15 سنة، مضاعفة ميزانية المكتبة والدعم الحكومي ثلاث مرات، مما أدى إلى زيادة هائلة في عدد الكتب والمجلات والمؤلفات الواردة إلى مخازن المكتبة. ولعل المثل العربي القائل ومن الحب ما قتل ينطبق هنا على ما جرى للمكتبة...فقد أدى مزراب الذهب إلى عجز المكتبة عمليا عن استيعاب وهضم ما يصلها سنويا من مؤلفات وإصدارات... مما دفع بإدارة المكتبة لاتخاذ قرار بالتراجع خطوة إلى الوراء والاقتصار على الآداب الأجنبية حصرا. وهنا يصح مثل عربي أخر وهو رب ضارة نافعة فقد تحولت المكتبة إلى أهم مركز ثقافي يعنى بشئون الفنون والآداب واللغات الأجنبية في روسيا. وتعتبر المكتبة حاليا من أكبر المراكز العالمية للدراسات والأبحاث الثقافية. ويبلغ عدد الكتب والمؤلفات في مخازنها 4.5 ملايين كتاب بـ 140 لغة. ويصل إلى المكتبة سنويا ما لا يقل عن 90 ألف إصدار منها 40 ألف إصدار جديد وللمكتبة علاقات تعاون وتبادل للكتب والمؤلفات مع اكثر من 1300 منظمة دولية في 90 دولة، ومع أكثر من 350 مكتبة في روسيا ورابطة الدول المستقلة. ويستفيد من خدمات المكتبة زهاء 150 ألف قارئ، بينهم 16 ألفا و 500 شخص يحملون بطاقة اشتراك سنوية، فضلا عن المشتركين من المنظمات الاجتماعية والعلمية... ففي موسكو وحدها 500 منظمة تستفيد من خدمات المكتبة، وما يقرب من 1500 منظمة أخرى في المدن الروسية بينما يصل عدد العاملين في المكتبة إلى 500 موظف وموظفة. وفعلا، لعبت المكتبة، وما زالت، دورا تنويريا مميزا في الحياة الثقافية الروسية. فبالإضافة إلى إيصال المعلومات لشرائح المجتمع المختلفة، وفرت المكتبة للمؤسسات الرسمية والجامعات والطلبة والأكاديميين ظروفا مثلى للتعرف على أخر الإنتاجيات الأدبية الأجنبية. ومع بدايات عام 1989 باشرت المكتبة بنسج شبكة علاقات تعاونية مع المؤسسات الدولية والمكتبات العالمية المختلفة على أسس جديدة تتماشى والتغيرات التي عصفت بالدولة السوفييتية إبان البيريسترويكا الجرباتشوفية. وأول ما قامت به المكتبة هو فتح أبواب الأقسام السرية والسماح لمن يرغب من المواطنين والعلماء بالاطلاع على وثائقها القيمة التي كانت حكرا على فئة قليلة مميزة ولديها تأشيرة خاصة من أجهزة الأمن والمخابرات العامة. تحوي المكتبة على 20 قاعة مطالعة رئيسية، وعشرات القاعات الفرعية ونظرا لزيادة عدد الزائرين واتساع رقعة نشاطات المكتبة وعلاقاتها الخارجية في السنوات الأخيرة، تم افتتاح عدة قاعات خاصة إضافية، مثل قاعة الأدب الأمريكي، وقاعة مركز التبادل العلمي، وقاعة مكتبة السفارة اليابانية، وقاعة القناة الإخبارية المشهورة بي. بي. سي، وقاعة المجلس البريطاني الخ ويجرى حاليا العمل على افتتاح مركز خاص بالأدب الشرقي قمنا بزيارته فالتقينا مع نائبة مديرة المكتبة ومسئولة مركز الأدب الشرقي كيسلوفسكايا جالينا الكسندروفنا التي رحبت بنا اشد ترحيب وحدثتنا عن القسم، فقالت: إن فكرة تأسيس قاعة خاصة بالأدب الشرقي، فكرة قديمة نسبية، وبسبب التغيرات التي عصفت بالبلاد في السنوات العشر الأخيرة تم تأجيل هذا المشروع مرات عديدة والأسباب هنا متعددة، بعضها يتعلق بالإمكانيات المادية وقلة عدد المختصين باللغات الشرقية المستعدين للعمل براتب شهري زهيد لا يكفي لسد رمق الحياة وبعضها يتعلق بأسباب سياسية وأيديولوجية تميزت بها الفترة الماضية والتوجهات العامة للدول. ومع هذا، وبفضل جهود بضعة أشخاص يعملون في مختلف أقسام المكتبة باشرنا بإقامة مركز الأدب الشرقي بمساعدة من الكريملن بعد وصول بوتين للسلطة وعودة الاهتمام مجددا بالعلاقات مع الشرق إيمانا بالأهمية الاستراتيجية للعلاقة مع الدول الشرقية بما فيها الدول العربية حتما وفعلا باشرنا بتجهيز القاعة ونرغب بإعادة نسج العلاقات مجددا مع المؤسسات الثقافية والجامعات ودور النشر والترجمة في العالم الشرقي، ويسعدنا جدا لو لاقت مبادرتنا هذه، أصداء إيجابية لدى أصدقائنا العرب. وأشارت المسئولة الروسية إلى أن المكتبة تتعاون حاليا مع سفارتي المملكة السعودية و مصر، وعبرت عن أملها بأن تتوسع مساحة التعاون لتشمل جميع سفارات البلدان العربية في موسكو أسوة بسفارات الدول الغربية التي تقوم بالتنسيق والتعاون معنا بشكل دائم، عبر إقامة المعارض ونسج العلاقات مع دور النشر والتوزيع في الغرب. ورافقتنا في جولتنا في المكتبة ومركز الأدب الشرقي موظفة القسم المستشرقة اتشيلا بولاتيفا، وهي مسلمة من جمهورية اوزبكستان الواقعة في آسيا الوسطى وعرفنا من خلالها أن عدد المؤلفات العربية في المكتبة يزيد على 20 ألف كتاب معظمها في الأدب العربي والعلوم الاجتماعية. وأكدت مرافقتنا أن الإقبال على اللغة والأدب العربيين في زيادة مستمرة حيث يتوافد يوميا عشرات الطلبة والباحثين الشباب طلبا للكتب والإصدارات العربية الحديثة وغالبا ما يعودون «بخفي حنين» بسبب انقطاع وصول الإصدارات الحديثة المطلوبة منذ سنوات عديدة وأشارت أيضا إلى ضرورة إقامة معارض مشتركة بين المركز ودور النشر والتوزيع العربية لملء الفراغ الحاصل ومساعدة طاقم العمل في إتمام مشروع مركز الأدب الشرقي أسوة بمراكز الأدب الياباني والأمريكي والبريطاني...الخ . أقسام المكتبة تقوم الموظفات والعاملات بتقديم الخدمات المجانية للقراء والزائرين وبتزويدهم بما يحتاجونه من الكتب والمؤلفات بصفة إعارة داخلية فقط، إذ أن المكتبة لا تعير كتبا إلى البيوت. علما أنها تتوفر على الأجهزة والمعدات الضرورية لاستنساخ المراجع والمقالات لمن يحتاجها في بيته فضلا عن أن لها موقعا على شبكة الإنترنت يجعل الحصول على أي من محتويات المكتبة أمرا في متناول اليد. ومع هذا تحتوي المكتبة على فهرس إلكتروني مرتبط بفهارس المكتبات العالمية الأخرى ومجموعة كبيرة من القواميس الإلكترونية والعادية ونشرات بالروسية واللغات الأجنبية معدة لتسهيل الترجمة والبحث أمام الزائرين، بالإضافة إلى عدد كبير من الأشرطة والاسطوانات والكاسيتات ميكروفيلم وآلات النسخ الصوتية والصورية المتطورة ، هذا ويتوفر القسم أيضا على فهارس عادية للمؤلفين، والعناوين، والموضوعات...الخ. وتتألف المكتبة من عدة مراكز: مركز الإنتاجيات الفنية: تحول إلى مركز خاص عام 1990، ويحوي على ما يقرب من 100.000 كتاب، و 150.000 أثر أخر. أما قاعة المطالعة فهي مجهزة بجميع المستلزمات العصرية وتتسع لاكثر من 100 زائر، والقاعة نفسها تعتبر بمثابة معرض دائم للكتب والإصدارات الجديدة. فهي مجهزة بالرفوف الزجاجية الجميلة المثقلة بالكتب الحديثة والموسوعات الكبيرة، بينها موسوعات شهيرة مثل: الحضارات البائدة وتاريخ الفنون العالمية ومدن ومتاحف العالم الخ. ويقيم القسم سنويا العديد من معارض الكتب بمشاركة دور نشر أجنبية. مركز المؤلفات الدينية : ويحوي 14 ألف كتاب وأثر في علم الفقه والفلسفة والتاريخ والفنون الدينية, بينها كتب ومؤلفات إسلامية هامة. وقالت مرافقتنا إن مدير المدرسة الدينية وعضو الهيئة الروحية لمسلمي الأقاليم المركزية والأوروبية في روسيا الشيخ خفيار حجي فايز راحمانوف زار المكتبة عام 1995، وأهدى مركز المؤلفات الدينية مجموعة قيمة وغنية من الكتب الإسلامية. وذكرت مرافقتنا أيضا، انه قد تم تنظيم عدة لقاءات مع الشيخ نعمة الله الشهير، الذي قام أيضا بإهداء المكتبة مجموعات ثمينة من الدراسات والكتب في الدين الإسلامي ويحتوي المركز على كتب وإصدارات في البوذية واليهودية والديانة المسيحية تم الحصول عليها بمبادرة من المكتبة أو كهدايا وهبات من مكتبات عالمية بضمنها المكتبة الهولندية التي تبرعت بجزء هام من مجموعتها الدينية. ويواظب مركز المؤلفات الدينية على تنظيم الحلقات الدراسية والمؤتمرات العلمية بمشاركة باحثين ورجال دين معروفين عالميا، ويصدر نشرة شهرية بعنوان «الإصدارات الدينية الجديدة في روسيا» ويقوم العاملون في المركز بإعداد دراسات خاصة حسب طلب الجهات المعنية في كافة أنحاء العالم. مركز الكتب النادرة: تأسس عام 1974، ويحوي 40.452 أثرا موزعة على ستة أقسام حسب المراحل التاريخية: مجموعة القرن الخامس عشر22 اثرا. مجموعة القرن السادس عشر 15000 أثر. مجموعة القرن السابع عشر7500 أثر. مجموعة القرن الثامن عشر 20000 أثر. مجموعة القرن التاسع عشر 2500 أثر, ومجموعة القرن العشرين 3500 أثر. مجموعة الإصدارات الدورية النادرة 5430 أثرا. قسم الأطفال : تأسس عام 1990، وهو مخصص لاستقبال الأطفال من سن الخامسة... ويحتوي على 50 ألف مجلد من افضل المجلدات العالمية المخصصة للأطفال، و 5000 كتاب واثر من الإصدارات الأجنبية الحديثة. ويهدف القائمون على هذا القسم إلى تشجيع الأطفال على المطالعة عبر تخصيص قاعة مطالعة بالقرب من «قاعات الكبار» ليشعر الطفل بأهميته وبأهمية الكتاب والثقافة. فعندما يجلس الطفل بالقرب من أبويه خلف طاولة مطالعة واحدة ومن حوله عشرات «الكبار» الذين يقومون بالعمل ذاته، تنمو لديه بالتأكيد الرغبة بالمطالعة وسيبدأ عندها باحترام الكتاب وإعطائه الأهمية اللازمة. وأشارت المتحدثة إلى أن إدارة المكتبة وبالتعاون مع العاملات في مركز الأطفال تقوم دوريا بتنظيم معارض كتب خاصة بالأطفال، وبمشاركة دور نشر أجنبية. وعبرت عن أملها بالتعاون مع المكتبات العربية والجهات المعنية في المؤسسات الثقافية من اجل تنظيم لقاءات مشابهة تعود بالمنفعة على الطرفين العربي والروسي، خاصة وان هذه الفعاليات تترك أثرا إيجابيا وتساهم بتقريب «الأجيال الشابة» في روسيا من الحضارة العربية العريقة، مما يعني السير خطوة أخرى إلى الأمام، على طريق تقارب وتفاهم الحضارات وهي المهمة الرئيسية والأولى لأي مكتبة من مكتبات العالم. موسكو ـ د. مجيد القضماني