بيان الكتب: ترجع أصالة هذا النص العولمة والممانعة دراسات في المسألة الثقافية إلى أنه يقارب ظاهرة العولمة وتحدياتها من زاوية النظر الثقافية، مقارنة لا تقبل العولمة بإطلاق، ولا ترفضها بإطلاق، وهو تعامل نقدي له علاقة بالتكوين الفلسفي للباحث. وقد وفق عبدالإله بلقزيز في أن يقدم لنا تشخيصا دقيقا دون أن يكون لا جامعا ولا مانعا، لإسقاطات العولمة على النسيج الثقافي العربي، بعدما أكد لنا أن للعولمة جذورا تاريخية عميقة تعود إلى أكثر من خمسة قرون، منذ اكتشاف أمريكا وغزوها، وكونية عصر الأنوار الأوروبي. طيلة هذه القرون عرفت الإنسانية تطورات هائلة يمكن التركيز فيها على مرحلتين تمهيديتين ومرحلة راهنة . المرحلة التمهيدية الأولى هي نظام التدويل الاقتصادي والسياسي المتأسس على العلاقات بين الدول اقتصاديا ودبلوماسيا التي كانت تسمح بانتقال الأشخاص والمنتوجات، ويتحكم فيها منطق المصالح والمنافع وتتراوح بين علاقات التعايش السلمي وعلاقات المواجهات العسكرية وتمثل (العولمة) امتدادا للتدويل ولكنها مرحلة أخرى ونوعية أخرى. حيث لعبت فيها تدفقات الأموال الخارجية دورا أساسيا يفوق تأثير عنصر التجارة الخارجية، مما أدى إلى إزدياد وتيرة إنسياب الاستثمارات عبر الحدود. أما المرحلة التمهيدية الثانية فهي انتقال الاستثمارات المالية عبر الحدود السياسية من دولة إلى أخرى عن طريق غير مباشر إلى انتقالها بكل الطرق المباشرة دون رقيب بفضل الثورة المعلوماتية، وتوجت هذه المرحلة بظهور الشركات متعددة الجنسيات . أما المرحلة الراهنة والتي انطلقت من الثمانينيات فقد تمثلت في عدة أحداث حاسمة، منها على الخصوص إنجاز شبكة الاتصال الكونية بفضل تقدم التكنولوجيا السمعية ـ البصرية، واتساع رقعة الخدمات، وانتقال الإنتاج من مركز واحد إلى فروع بمختلف أرجاء المعمورة بما في ذلك الجنوب بحثا عن الأيدي العاملة الرخيصة. وقد إنتهى القرن العشرون بإنهيار جدار برلين ونهاية الحرب الباردة وانهيار الأنظمة الشيوعية بانهيار الإتحاد السوفييتي، وبذلك انتقل العالم من الثنائية القطبية (رأسمالية / شيوعية) إلى قطبية أحادية (نيوليبرالية) يتحكم فيها اقتصاد الغرب تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة الاستثمارات المباشرة الخارقة للحدود على يد الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات التي هي العامل الأول في العولمة. كما أن العولمة كما تتردى اليوم هي سيرورة في اتجاه أن تصير نسقا شموليا تنخرط فيه كل الدول وتخضع لمنطقه ذي الأبعاد المتعددة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية وستكون صورة العالم الجديد دائرة في مركز الغرب الأمريكي والأوروبي وبعض الدول الآسيوية وفي محيط المركز بقية دول العالم . ومن أهم مؤشرات المرحلة الانتقالية الراهنة تأسيس منظمة التجارة العالمية وبداية اختفاء الحدود الجمركية، والغاء كل التدابير الحمائية. إنها وضعية من الرعب الاقتصادي حسب قول عدد من الباحثين حيث يستنفذ فيه الغني على حساب الفقير. ومن هنا فإن سيرورة العولمة تأخذ مفاهيم متعددة، فها هو سمير أمين يقترح علينا التعريف التالي: الاختراق المتبادل في الاقتصادات الرأسمالية المتطورة بدرجة أولى . ثم توسيع المبادلات بين الشمال والجنوب على اعتباره يمثل سوقا مهما. ويقدم محمد الأطرش تعريفا مركزا يقول فيه بأن العولمة هي اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة، وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتقانة ضمن إطار من رأسمالية الأسواق الحرة. ومن جهته يرى عزمي بشارة أن العولمة هي طغيان قوانين التبادل العالمي المفروضة من قبل المراكز الصناعية الكبرى على قوانين وحاجات الاقتصاد المحلي. ومن هنا فإن أهمية هذا الكتيب من تناوله للمسألة الثقافية، وأوضاع الثقافة العربية المعاصرة والتوتر الداخلي المسئول عن الإنكفاء على الذات. عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة: يتلازم معنى العولمة عند الباحث في مضمار الانتاج المادي الرمزي مع معنى الانتقال من المجال الوطني أو القومي إلى المجال الكوني . غير أنه ينطوي على تعيين زماني أيضا: حقبة ما بعد الدولة القومية.. الدولة التي أنجبها العصر الحديث إطارا كيانيا لصناعة أهم وقائع التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. هل ما هو حادث هو انتقال من بني القبيلة والشعب والأمة التي صنعت دول العصرية الوسيط والحديث وثقافاتها وحضاراتها ـ إلى بنية إنسانية جديدة أشمل ؟ ـ ذلك على الأقل ماتوحي به عبارة العولمة . ويستوقفنا ظاهرة مثيرة وفريدة حتى الآن وهي: فيض النظام الاقتصادي التكنولوجي والثقافي عن حدود النظام السياسي: نظام الدولة الوطنية أو القومية والمدهش أن دول المصدر أي الفائض إنتاجها تحمي النظام السياسي القومي الموروث إلا أن الاختراق والفيض يذهب لكي يدوس دول العالم الجنوبي فما السبب في ذلك ؟ والجواب الذي يغامر بسوقه الباحث: أن دول الجنوب ـ ومنها دول العالمين العربي والإسلامي هي من جنس الدول التي لا ينطبق عليها وصف الدولة الوطنية أو الدولة القومية) لأنها نشأت وتطورت منذ الاستقلال السياسي في سياق إنشداد كامل إلى علاقات التبعية التي تفقدها صفة الدول الوطنية . ينجم عن هذه الأطروحة استنتاجان رئيسيان: أن عصر الدولة القومية القوية لم يأفل بعد بخلاف الاعتقاد الدارج، وأن العولمة من ثمار تمدد الدول القومية القوية إياها . وأن العولمة هي الدرجة العليا في علاقات الهيمنة / التبعية الامبريالية، وهي لحظة التتويج لانتهاء النظام الرأسمالي العالمي كونيا، الذي خرج من رحم الدولة الوطنية. لهذين الاستنتاجين أهمية وظيفية في الموضوع الذي يتناوله الباحث: العولمة الثقافية، وبالذات فيما يتصل بالعلاقة تحت ضربات معول العولمة، بحيث باتت الثقافة تنهل أسباب وجودها وشخصيتها من مصادر فوق وطنية أو خارج وطنية، وهل باتت خاضعة للآليات الجديدة الحاكمة للعولمة، أم إنها مازالت تحتفظ باستقلاليتها النسبية إزاء الكونية المتزايدة للاقتصادي، وتنهل من مصادر داخلية هي التي تضع في الأساس شخصيتها وتحدد أنماطا تكفيها مع العوامل الكونية الجديدة، وبكلمة أخرى هل نحن بإزاء ثقافة كونية أو كونيه ثقافية، أم بإزاء ثقافة قومية منتصرة في المناسبة الحضارية ؟ ولما كانت الأسرة والمدرسة هما عماد بناء سيادة للحقل الثقافي الوطني لفترة طويلة في إمتداد توطيد دولة الاستقلال وسيادتها على رعاياها وعلى مجالها الترابي . إلا أن العياء دب في أداء هاتين المؤسستين، ونال من وظائفهما التربوية والتكوينية، ومن قدرتهما على الاستمرار في ممارسة أدوارها التقليدية الفعالة في إنتاج وإعادة منظومات القيم الاجتماعية، ورصيد الوعي المدني، اللذين يؤسسان البنى التحتية للثقافة الوطنية وللسيادة الثقافية. نخرج من هذا على أن انهيار السيادة الثقافية، في امتداد تعرض النسيج الثقافي الوطني لتمزيق تضافرت على صنعه الضغوط الثقافية والقيمية الكثيفة من الخارج، والاخفاقات الذاتية المتعاقبة التي منيت بها ـ من الداخل ـ مؤسسات إنتاج الرموز والقيم، بسبب تكلس بناها وعجزها عن التكيف الإيجابي مع التحولات الثقافية الكونية . وبكلمة لقد انهار النظام الثقافي الوطني التقليدي دون أن يكون في وسع المجتمع العربي أن ينتج بديلا منه من داخل البنى الذاتية القائمة وإذا كانت ثقافة العولمة تجرى وتتوسع، في مناخ من التراجع الحاد للثقافة المكتوبة على صعيد الإنتاج والتداول. إنها ثقافة ما بعد المكتوب. ثقافة الصورة. فهي المفتاح السحري للنظام الثقافي الجديد والذي يجرى تسويقه على أوسع نطاق جماهيري والصورة هي القادرة على محيط الحاضر اللغوي، كما تستطيع العولمة الاقتصادية اليوم تحطيم الحاجز الوطني الجمركي . وهكذا أصبح النظام الثقافي المسيطر في حقبة العولمة الثقافية هو النظام السمعى البصري . وهو النظام المتمثل - اليوم - عشرات الإمبراطوريات الإعلامية الضارية، التي ترسل ملايين الصور يوميا، فيستقبلها ملايين البشر من المتلقين في سائر أنحاء المعمورة ومن هنا كان هذا النظام ذا النفوذ المهم والمحوري في تشكيل منظومة القيم وهكذا تبدو الثقافة الناتجة عن هذا النظام خارج حدود تعريفها وماهيتها الطبيعيتين لن يعود في وسعنا حدها بالقول إنها تعبر عن تمثيل الناس لمحيطهم، وتعبير عن نظام اجتماعهم المدني، بل سيصبح مطروحا علينا أن نفكر في معنى أن تنشأ في وعي الناس ثقافة أو قيم ثقافية لا تقوم بينها وبين النظام الاجتماعي الذي ينتمون إليه. ليس صحيحا أن العولمة الثقافية هي الانتقال من حقبة ـ ومن ظاهرة ـ الثقافات الوطنية والقومية إلى ثقافات عليا جديدة هي الثقافة العالمية أو الثقافة الكونية. بل إنها بالتعريف هي فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات إنها رديف الاختراق الذي يجري بالعنف المسلح بالتكنولوجيا ـ فيهدر سيادة الثقافة في سائر المجتمعات التي تبلغها عملية العولمة. آخذين في الاعتبار الفرق بين التثاقف والعنف الثقافي من جانب واحد فالأول يعني التفاعل والإصغاء المتبادل بين الثقافات إلى بعضها، كما يعني الاعتراف المتبادل بينها، ومنه الاعتراف بحق الاختلاف وهو من أقدس حقوق الإنسان فيما لا ينطوي الثاني سوى على الأفكار والإقصاء لثقافة الغير، وعلى الاستعلاء والمركزية الذاتية ما العمل ؟ اعادة هيكلة قطاع توزيع الثقافة، وتحديد بنياته، وتطوير وتحديث برامجه لتكون مؤسساته قادرة على المنافسة. وهكذا التعليم والاعلام. أمين اسكندر