تعود ظاهرة انتاج الأفلام التلفزيونية في الولايات المتحدة الى فترة الستينيات من القرن الماضي، وقد حقق بعض هذه الافلام مستوى فنيا رفيعا يضاهي الافلام السينمائية، وعرض الكثير منها في دور السينما خارج الولايات المتحدة وحقق نجاحا كبيرا. ومن اشهر الافلام التلفزيونية القديمة فيلم «اغنية بريان» 1971 للمخرج باز كويك، وهو فيلم يقدم قصة انسانة رقيقة تستند الى احداث حقيقية تتعلق باصابة لاعب كرة القدم الامريكية بريان بيكولو بمرض السرطان، وقد عزز هذا الفيلم المكانة الفنية لبطله الممثل جيمس كان. ومن هذه الافلام ايضا فيلم «صراع» 1971 الذي عرض في دور السينما عام 1983بعد النجاح الفني الذي سجله، وهو فيلم يستند الى عنصري الاثارة والتشويق جلب الشهرة للمخرج ستيفن سبيلبيرج صاحب روائع افلام الخيال العلمي اللاحقة مثل «لقاءات قريبة من النوع الثالث و«اي.تي مخلوق من الفضاء الخارجي» وسلسلة افلام المغامر «انديانا جونز». وقد انخفض عدد الافلام التلفزيونية الامريكية خلال السنوات الاخيرة، الا ان ذلك الانخفاض اقترن بتحسن مستواها الفني، كفيلم «جودي جارلاند» الذي يعرض الحياة المأساوية للممثلة والمغنية جودي جارلاند، وفيلم «مقاطعة» الذي يتناول حياة زعيم حركة الحقوق المدنية الامريكي الاسود مارتن لوثر كنج، وقد عرض هذان الفيلمان التلفزيونيان في الولايات المتحدة خلال الاشهر القليلة الماضية. أما احدث الافلام التلفزيونية الامريكية فهو فيلم «جيمس دين» الذي يتعلق بحياة الممثل جيمس دين الذي قتل في حادث سيارة عام 1955 وهو في سن الرابعة والعشرين، اي قبل 46 عاما، وخلف وراءه تراثا سينمائيا حوله الى اسطورة سينمائية ان لم نقل ايقونة سينمائية لها ملايين الاتباع رغم مضي قرابة نصف قرن على وفاته. وفي الحقيقة ان ظاهرة جيمس دين كانت الاشهر من نوعها في هوليوود منذ رحيل الممثل والعاشق الشهير رودولف فالنتينو عام 1926 وهو في سن الحادية والثلاثين. كما انه يضاهي اسطورة الممثلة الراحلة مارلين مونرو. ويستعرض فيلم «جيمس دين» الحياة المضطربة لهذا الممثل العبقري، فهو فنان موهوب عاش حياة طفولة معذبة اتسمت بفقدان حنان الابوين والافتقار الى الاحساس بالامان. وتتركز قصة الفيلم على السنوات الاخيرة من حياته فنراه ـ على سبيل المثال ـ يقدم مثلا على ما تعلمه في «استديو الممثلين» الشهير في نيويورك الذي تخرج منه عدد من كبار ممثلي هوليوود مما يعرف «بالتمثيل المنهجي» الذي اشتهر به ممثلون مثل مارلون براندو وبول نيومان. فهو يعتمد اثناء تصوير مشاهد فيلم «شرق عدن» عام 1955 ان يجرح شعور الممثل المخضرم ريموند ماسي الذي يقوم بدور والده الغاضب في الفيلم، بعد تصوير احد مشاهد ذلك الفيلم. وعندما يسأله المخرج الشهير ايليا كازان، مخرج فيلم «شرق عدن» عن سبب اهانته للممثل ريموند ماسي يجيبه قائلا: انني اريد منه ان يكرهني على الشاشة، معبرا بذلك عن اسلوب التمثيل المنهجي الذي يعبر فيه الممثل عن المشاعر الحقيقية للدور الذي يؤديه. ويودي دور جيمس دين في الفيلم الذي يحمل اسمه الممثل جيمس فرانكو البالغ من العمر 23 عاما والذي يشبه الممثل جيمس دين الى درجة مذهلة. ويقول الممثل جيمس فرانكو انه بذل جهدا كبيرا لتقمص شخصية جيمس دين واتقان طريقته المميزة في الكلام والحركات والسلوك، حتى انه عزل نفسه عن اصدقائه واسرته لعدة اشهر للتدرب على ذلك الدور. وكان الممثل جيمس فرانكو يدرك مدى الضغط الهائل الذي كان يتعرض له لكي يجيد أداء ذلك الدور اجادة تامة لان ملايين المعجبين بجيمس دين لازالوا يذكرونه جيدا رغم مضي 46 سنة على رحيله. ويزخر النص السينمائي لفيلم «جيمس دين» للكاتب السينمائي هورويتز بالتحليل النفسي لشخصية جيمس دين الانطوائية فتراه ـ على سبيل المثال ـ يبتعد عن المخرج جورج ستيفنس، مخرج فيلم «العملاق» اخر افلامه لان ذلك المخرج ـ كما يقول جيمس دين ـ يذكره بوالده الذي افتقر لمشاعر الحب والحنان نحو ابنه وعارض دخوله مهنة التمثيل. ويقوم المخرج مارك رايدل، مخرج فيلم «جيمس دين»، في الفيلم بدور جاك وارنر مدير استديو الاخوة وارنر الذي كان معروفا بتسلطه واستبداده وتعطشه للسلطة وكراهيته للممثل جيمس دين الذي عرف بغطرسته، وهي سمة اشترك فيها كلاهما واعتبر جاك وارنر الشهرة المفاجئة التي اكتسبها جيمس دين بعد قيامه ببطولة فيلم «شرق عدن» و«متمرد بدون سبب» في عام 1955 خطرا يهدد سطوة ونفوذ مدراء الاستديوهات الكبرى في هوليوود من أمثاله. فكيف يمكن لمدراء الاستديوهات هؤلاء التحكم في «الصورة العامة» للممثلين موهوبين معروفين بسوء تصرفاتهم وباطوارهم الغريبة كجيمس دين وكمثليه الاولين الممثلين مارلون براندو ومنتجومري كليفت امام جمهورهم الواسع، حرصا من هؤلاء المدراء على تفادي الاحراج الذي يسببه مثل هؤلاء الممثلين، مما يعود بالضرر على ايرادات الافلام التي يقومون ببطولتها، ويظهر فيلم «جيمس دين» ـ مثلا ـ كيف ان جاك وارنر فقد صوابه حين اعترف جيمس دين في مقابلة صحفية بان لديه ميولا نحو الجنسين. وينجح المخرج مارك رايدل في فيلم «جيمس دين» في تقديم صورة واقعية وحية لشخصية هذا الممثل الذي عاش حياة مضطربة وبلغ قمة الشهرة بين عشية وضحاها وترك وراءه سمعة اسطورية لا زالت مستمرة بعد قرابة نصف قرن على رحيله. ويتميز فيلم «جيمس دين» بقوة اداء ممثليه الرئيسيين، وفي مقدمتهم جيمس فرانكو في دور جيمس دين وادوارد هيرمان في دور الممثل ريموند ماسي ومايكل موريارتي في دور والد جيمس دين وانريكو كولانتوني في دور المخرج ايليا كازان والمخرج مارك رايدل في دور مدير الاستديو جاك وارنر. واشنطن ـ محمود الزواوي