في الحديث عن السينما المصرية لابد ان نذكر العديد من الفنانين العرب عامة واللبنانيين خاصة الذين شاركوا في مسيرة السينما المصرية وتأتي في المقدمة الفنانة المنتجة آسيا داغر وهي من مواليد العام 1912، وقد وصلت الى مصر مع شقيقتها ماري داغر وابنتها الصغرى ماري كويني في صيف 1932 من بلدة تنورين اللبنانية واقامت عند ابن عمها سعيد داغر الذي كان يعمل صحفيا بجريدة «الاهرام» وقد كانت آسيا صبية فائقة الجمال حادة الذكاء والحس وعنيدة الطباع. وذات يوم في العام 1937 طرقت باب عزيزة امير وكانت تنتج اول فيلم مصري روائي طويل صامت فوقفت ككومبارس في مشهد راقص وتعرفت على المخرج التركي وداد عرفي الذي اقنعها بان اقصر طريق الى التمثيل هو الانتاج. وبالفعل اعطته 300 جنيه مقابل وعد منه بفيلم تتولى هي بطولته على ان يتولى هو كتابته واخراجه. وفي سن الـ 19 اسست شركة الفيلم العربي للانتاج على غرار شركة الرائدة الاولى عزيزة امير والتي اصبحت فيما بعد «لوتس الفيلم» وانتجت فيلم «غادة الصحراء» وقامت ببطولته مع وداد عرفي وماري كويني وعرض في القاهرة في العام 1929 وكذلك في بيروت في نفس العام لتحقق بذلك دورها الرائد في التمثيل والانتاج ولتكون السباقة لفتح الاسواق العربية امام الفيلم المصري. كانت آسيا منتجة وبطلة لاول فيلم تاريخي مصري فيكتب لها جرجي زيدان القصة وتقوم هي فيه بدور الملكة «شجرة الدر». كما قامت بانتاج وبطولة فيلم «عيون ساحرة» وكانت تقول «المرأة هي الوحي والالهام اما الرجال فمنفذون ممتازون». وفي العام 1940 قررت آسيا تحويل هنري بركات من مساعد مخرج لاحمد جلال الى مخرج وكان وقتها في الثامنة والعشرين من عمره وعائدا لتوه من اوروبا حيث تعلم اصول التقنية. وكان اول فيلم له «الشريرة» ولكنها لم تشترك بالتمثيل واكتفت بالانتاج. ثم اخرج لها بركات ثلاثة افلام كان آخرها «الهانم» في العام 1947، وفي قمة تألقها ومجدها كنجمة قررت الاعتزال نهائيا والتفرغ للانتاج فقط مما اتاح لها متابعة كل فيلم في كل مراحله، كما اطلقت العديد من الوجوه الجديدة سواء في التمثيل او الاخراج ومنهم «يوسف معلوف وحسن الامام وابراهيم عماره، وممدوح شكري وفاتن حمامة وصباح وصلاح نظمي واحمد مظهر وسعاد محمد ومحمد سلطان وصلاح ذو الفقار وغيرهم. وقامت آسيا داغر بانتاج عدة افلام تعد من كلاسيكيات السينما المصرية مثل «رد قلبي» و «امير الانتقام» و «الناصر صلاح الدين» والذي تكبد اعلى تكاليف انتاج في ذلك الوقت، «اليتيمتان» و «لو كنت غني» و «القلب له واحد» و «معلش يا زهر» و «من القلب للقلب» و «ست البيت» و «اشكي لمين» و «حياة او موت» واكثر من خمسين فيلما صامتا وناطقا وابيض واسود والوان، وبعد ذلك دخلت في دوامه الديون ولكنه في محاولة منها للانقاذ قدمت فيلم «مريم المجدلية» و «عمرو بن العاص» ولكنها لم تحقق اي نجاح. وقد اعتزلت في الاربعينيات ورحلت في الثمانينيات عن عمر يناهز الـ 78 عاما. اما الفنانة ماري كويني فقد ولدت في نفس البلدة تنورين في العام 1916، وبعد وفاة والدها جاءت الى القاهرة مع والدتها وشقيقتها ليلحقن بالخالة آسيا والتي سبقتهن في المجيء للقاهرة. وبدأت ماري كويني العمل في السينما وهي في سن صغيرة وكان لخالتها «اسيا» الفضل في تقديمها للشاشة وكان فيلم «غادة الصحراء» اول افلامها وبعد نجاحها اسندت اليها خالتها البطولة الثانية في كل فيلم تنتجه. وفي تلك الفترة تعرفت آسيا داغر بالمخرج احمد جلال وذلك اثناء تصوير فيلم «غادة الصحراء» واعجبت بثقافته وسعة اطلاعه فاشركته معها في الكثير من افلامها. وكانت البداية عام 1932 عندما كتب واخرج لها فيلم «عندما تحب المرأة» وكان لتوجيهاته اعظم الاثر فيما بلغته ماري كويني من نجاح اما اول بطولة قامت بها فكانت في فيلم «فتاة متمردة» ونجحت فيه لدرجة انها حملت لقب «ممثلة مصر الاولى»، وفي العام 1940 تزوجت ماري كويني من احمد جلال بعد قصة حب وكونت معه شركتهما الخاصة لينطلقا بعدها الى النجاح الذي استمر حتى بعد وفاة احمد جلال في العام 1947 لتترك ماري التمثيل بعد قيامها ببطولة العديد من الافلام منها «رباب» 1942، و «ام السعد» 1946و «عودة الغائب» و «كانت ملاكا» 1947 و «السجينة رقم 17» 1949، و «الزوجة السابعة و «الهام» 1950، و «نساء بلا رجال» 1953، ثم اعتزلت التمثيل وكرست جهودها لرعاية ابنها نادر وايضا رعاية استوديو جلال الذي كان جديدا بالاضافة الى ديون بلغت 24 الف جنيه، لكنها استطاعت ان تسدد ديونها وتدير عجلة الانتاج بالاستوديو، وبعد تأميم استوديو جلال اعطت لابنها نادر جلال الفرصة للعمل كمخرج بعد ان تخرج من معهد السينما قسم الاخراج في فيلم « غدا يعود الحب» وكان اول فيلم له وفاز بجائزة المركز الكاثوليكي كأحسن فيلم لموسم العام 1971 ـ 1972 بعد ذلك اخرج افلام «ولدي» و «رجال لا يخافون الموت» و «ابو ربيع» وغيرها وهذا ما جعلها تؤسس مع ابنها شركة لانتاج افلام سينمائية باسم شركة «افلام جلال». بشارة واكيم: ولد في العام 1891 بحي الجمالية بالقاهرة وتلقى تعليمه بمدارس الفرير بالخرنفش ثم مدرسة الحقوق. ولعبت الصدفة دورها في حياة صاحب اشهر جملة لبنانية قيلت في منتصف اغنية ـ امتى هتعرف ا متى ـ لاسمهان والتي غنتها في فيلم «غرام وانتقام» وهي جملة «الكلام الك ياجارة» فقد وقفت الحرب العالمية حائلا دون سفره الى فرنسا ليحصل على اجازة علمية باللغة الفرنسية التي تعمق في دراستها كما تعمق في دراسة اللغة العربية. وقد كان مسيحيا الا انه كان يحفظ آيات من القرآن الكريم ويطالع كتب التفسير وكان يردد دائما ان من يريد ان يثقف نفسه في اللغة العربية يجب ان يحفظ القرآن الكريم، كما كان يحمل ليسانس في الحقوق الفرنسية. وكان بشارة واكيم يستعد للدخول في مضمار المحاماة امام المحاكم المختلطة عندما علم بنية فنان المسرح جورج ابيض بتأليف فرقة تمثيلية بتوجيه من وزير المعارف سعد زغلول باشا فتوجه اليه. لكن جورج ابيض اشفق على هذا الشاب المتعلم المثقف ونصحه بان يلتفت الى بناء مستقبله كمحام. وبالفعل استمع بشارة واكيم الى نصيحة جورج ابيض ولكن دون ان يقطع صلته بالحياة الفنية فقد عقد صداقات مختلفة مع هواة الفن من الشباب المثقف فتعرف على سليمان نجيب وعبد الرحمن رشدي وعبد الوارث عسر وغيرهم. وعندما اعلن صديقه عبد الرحمن رشدي انه طلق المحاماة ليتفرغ للتمثيل حاول بشارة واكيم ان يهجر المحاماة ليسلك طريق زميله وصديقه لكن رشدي طلب منه ان يبقى محاميا وينضم للفرقة كممثل هاو فقام بادوار صغيرة لكنها كشفت عن موهبته وشاهده جورج ابيض على خشبة المسرح واعجب بتمثيله. وبعد ان فشلت فرقة رشدي انضم الى فرقة ابيض واظهر تفوقا ممتازا جعل الجمهور يردد اسمه ويهتف له، اما اول ادواره السينمائية فقد كان في العام 1934 في فيلم «ابن الشعب»، وفي العام التالي ادى دور «جحا» في فيلم «الغندورة» امام منيرة المهدية وشارك علي الكسار في فيلم «بواب العمارة»، وفي العام 1936 مثل امام بديعة مصابني في فيلم «ملكة المسارح» وان كان المشاهد المصري والعربي يذكر له ادواره في افلام «ليلى بنت الريف» و «ليلى بنت مدارس» و «لو كنت غني» و «غرام وانتقام» و «لعبة الست» و «قلبي دليلي» و «طلاق سعاد هانم» وغيرهم فقد مثل في اكثر من 100 فيلم كما اخرج فيلما واحدا في حياته في العام 1947 في لبنان بعنوان «الاصطياف في لبنان» وفي هذا العام كان بشارة يقدم مع فرقة الريحاني مسرحية «الدنيا لما تضحك» وانحبس صوته فجأة بعد ان عاودته اعراض الشلل وارتفاع ضغط الدم وكان يغادر المستشفى لمدة ساعة ليذهب الى المسرح ثم يعود الى المستشفى الى ان استرد عافيته واستطاع ان يقف على خشبة المسرح مرة اخرى الى ان توفي في العام 1949. اما الفنان الياس مؤدب واسمه الحقيقي ـ ايلي مهدب ساسون والذي ولد في العام 1920 فقد كانت اول اطلالة له ضمن استعراض غنائي في فيلم «قلبي دليلي» في العام 1947 لانه بدأ حياته منولوجست لكنه ادرك انه لن يستطيع منافسة المشهورين منهم مثل اسماعيل يس وشكوكو وسيد سليمان وذهب يبحث لنفسه عن لون جديد وكانت اغاني الفرانكو اراب والسبب ان كلماتها مزيج من العربية والفرنسية وهذا اللون رفضه كل اصحاب الملاهي ما عدا صاحب ملهى الاوبرج الذي كان مقتصرا على نخبة من الرواد القادرين وعلى رأسهم الملك فاروق وقتها. ونجح الياس مؤدب في هذا اللون الجديد الذي اختاره لنفسه الى ان التقطه المخرج عيسى كرامة ليقدمه في عدة افلام كويدية، وكان يقدم دائما شخصية الرجل اللبناني او الشامي والتي كانت عادة تقدم في العديد من الافلام السينمائية التي مثلها وتبلغ 21 فيلما منها افلام «حبيب العمر» و «عنبر» و «منديل الحلو» و «ليلة العيد» و «البطل» و «بيت النتاش» و «النمر» وتوفي في سن صغيرة في العام 1952. خاص لـ «البيان» ـ خدمة ا. ب هذا التقرير مقتبس من كتاب «بانوراما السينما اللبنانية» لماجده صبرا، من مطبوعات مهرجان الاسكندرية السينمائي الدولي السادس عشر
