يحلو للايطاليين، دوما القول ان مسرح الكولوزيوم هو الابن الشرعي الحقيقي لروما، فبعد كل هذه القرون التي مضت على رفع بناية لا يزال الكولوزيوم قادرا بين الحين والآخر على الاطلالة برأسه، وتقديم المفاجآت للمعنيين بامره فقبل بضعة اسابيع وضع القائمون عليه يدهم على رسم جداري في احد ممرات طابقه الثاني، يصور مصارعا مسلحا بقوس وسهم. ومع ان الرسم يبدو من الواضح انه قد انجزه شخص هاو وغير محترف، الا انه رسم مفصل ويقول الخبراء ان هذا الرسم، على الاغلب قد خط بين احد هواة جولات المصارعة، فيما كان يمر وسط ممرات الكولوزيوم قبل حوالي 1600 عام او اكثر. واذا كان هذا الاكتشاف يبدو بسيطا بالنسبة للكثيرين فهو بمثابة كنز جديد لروزيلا ريا، كبيرة علماء الآثار، الذين يعملون منذ ثماني سنوات في مشروع بتكلفة 18 مليون دولار لترميم اقدم واعظم صروح روما هذا. وحيثما ينتهي هذا المشروع عام 2003 سيصبح بامكان الزوار استكشاف معالم هذا الصرح، الذي حجب عن عيون العامة او مسح لهم بمشاهدته ضمن حدود ضيقة، حتى في ايام الاباطرة الرومان. وتقول ريا بحماسة كبيرة: احيانا تكشف لنا اختبارات الضوء على الجدران رسوما قديمة وفي ايام اخرى نجد اننا امام اكتشافات ونتائج مذهلة حسب الظروف، وفي ايام غيرها نضع يدنا على حلول لمسائل ظلت اسرارا طوال قرون ممتدة. الشيء الاكثر وضوحا فيما يتعلقب بالكولوزيوم، حتى الآن، هو انه كان يتداعى فالسور او الجدار الخارجي باكمله، او ما تبقى منه بالاحرى، كان على وشك السقوط حسبما يقول كبير معماريي مشروع الترميم، جيانجيا كومو مارتينيز وكان على المرممين اصلاح شرخ يمتد على طول ارتفاع الجدار من الجهة الشمالية كذلك كانت الاساسات تحتاج الى تدعيم بمزيد من الاقواس التكميلية. بعد ذلك بدأ الاختصاصيون باعادة تركيب اجزاء قطع الرخام الضخمة ملليمترا اثر الاخر وما ان انتهى هذا الطور من مشروع الترميم، حتى اخذ العاملون الآن بحفر ما خلفته قرون من الرمال حول الجدران الخارجية لكشف الزخارف الذهبية الاصلية لهذا الصرح التاريخي الفريد. وقد احدثت تغييرات كبيرة في الداخل فحتى انطلاقة مشروع الترميم لم يكن بمقدور الزوار رؤية سوى 15 في المئة فقط من الكولوزيوم اما الآن فبامكانهم التجول في 35 في المئة من انحائه، وبعد سنتين فقط ستزداد هذه النسبة لتصبح 85 في المئة منه بما في ذلك الاجزاء الواقعة تحت الارض، حيث كانت الضواري المفترسة تحبس والمصارعون يستعدون لمواجهتها في المعارك الشرسة التي طالما شهدها هذا الصرح التاريخي. كما سيفتتح ايضا الطابق الاعلى، بحيث يستطيع السياح الحصول على رؤية بانورامية للمدينة لاول مرة منذ حوالي 1500 عام. وفي غضون ذلك تواصل ريا وفريقها التنقيب عن مزيد من المفاجآت، وعلى سبيل المثال اكتشفت في بداية العام الحالي ممرت سريت مزخرفت بالفسيفساء والنقوش بني خصيصا لتمكين الامبراطور الروماني كومودوس من الخروج من دون التعرض لجمهور الرعاع الغاضبين. وتضمن مشروع الترميم اضافة بعض التحسينات على المكان واكبر هذه الاضافات هي خشبة مسرح ضخمة من الخشب في الناحية الشرقية للحلبة وممرات خشبية تحيط بالميدان اما الارضية المغطاة بالرمال على نحو ما كانت عليه ارضية الحلبة الاصلية فستحمي المكان من عوامل الطقس، اضافة الى كونها مساحة لتقديم العروض. وفي العام الماضي تمت الاستفادة من المكان لتقديم اول عرض مسرحي في الكولوزيوم منذ القرن السادس الميلادي وهي مسرحية «اوديب» أمام 700 مشاهد، وتصف ريا العرض بالقول ان المدرجات كانت في حالة فوضى عارمة، اما مستوى التقنية الصوتية فكان عظيما وتضيف: الكولوزيوم لم يصل لتقديم الفنون وانما شيد لتقديم عروض قتال بين البشر والبشر او بين البشر والضواري. اما وزير الثقافة الايطالي فيعتقد ان الكولوزيوم قد يكون مكانا جيدا لمناسبات مثل عروض روما للأزياء ذات الدعوات الخاصة والتي تقام شهري يناير ومايو من كل عام. وفي هذا العام افتتح متحف داخل الكولوزيوم في الطابق الثاني غير بعيد عن رسم المصارع المسلح بالقوس والسهم، ولم يتحدث مدراء الكولوزيوم حتى الآن، عما سيحل بمكان معرض «الدماء والحلبة» المختص بفنون المصارعة والمصارعين والتحف المتبقية من جولات القتال تلك، حينما يتم اغلاقه في يناير المقبل. وربما يكون الجواب فيما سيكشف علماء الآثار عنه حتى انتهاء مشروع الترميم خصوصا وانهم ينقبون الآن في اعمق طبقاته. يذكر ان الكولوزيوم كان قد بني على بقايا قصر الامبراطور نيرون المسمى بـ «القصر الذهبي» الذي امر الامبراطور فيزبا سيازا بتدميره عام 69 ميلادية ليبدأ ببناء الكولوزيوم في العام التالي، وعلى الرغم من ان معظم موجودات «القصر الذهبي» لابد وانها قد نهبت او دمرت منذ ذلك التاريخ، فان الكولوزيوم قد حمى ما تحته مباشرة من الارض حوالي 2000 عام حتى الآن وتعتقد ريا انه يستحق عناء التنقيب.

