لم يخلف البحر ولم يضن بأسراره الدفينة التي احتواها بحنان يفوق الوصف عدة الاف من السنين، وعندما حان الموعد رد الكنوز الى اهلها سعيدا بالوقت الطيب الذي نامت خلاله قريرة العين في احضانه حيث سجلا سويا اجمل قصة حب. تلك هي قصة المدينة الغارقة في مياه المتوسط وتحديدا في ابو قير بالقرب من دلتا النيل. فبعد خمسة وخمسين يوما من العمل الشاق على بعد 6.5 كيلومترات من ساحل ابو قير جاء واحد من الاكتشافات الاثرية المهمة ليشكل حلقة جديدة من حلقات انتشال الآثار الغارقة قبالة سواحل الاسكندرية. شارك في الشكف 22 غواصا من بينهم 10 من المصريين و 12 فرنسيا حيث نجحوا في استخراج اثار مدينة غارقة وصفت بأنها اهم الاكتشافات على الاطلاق بعد مقبرة توت غنخ امون ومراكب الشمس. وعلى الفور تم نقل جميع الاكتشافات والتي كلف انتشالها مليوني جنيه الى احواض المسرح الروماني بالاسكندرية لتعالج وترمم وتنظف من اصلاح تشبعت بها على مدار 2300 سنة تقريبا «تمهيدا» لسفرها الى الخارج في معارض دولية للآثار حول العالم. يقول فاروق حسني وزير الثقافة ان البعثة كشفت عن اثار مهمة في موقعين متميزين اولهما على بعد كيلومترين في البحر والذي يمثل مدينة «مينوس» الضاحية الشرقية لمدينة كانوب والآخر على ستة كيلومترات من الساحل الذي يمثل مدينة «هيراكليوم» كما عثر على الاف العملات الاثرية البرونزية والتي يرجع اغلبها للعصر البطلمي، وعملتين ذهبيتين وثلاثة تماثيل عملاقة ولوحتين تحملان نقوشا هيروغليفية وبعض قطع الحلى الذهبية والعديد من ادوات الحياة اليومية وكذلك بعض التمائم لتعطي هذه الاكتشافات بعدا آخر للحياة في مصر وخاصة الاسكندرية المدينة العريقة والغنية بكنوزها الاثرية والتي تؤهلها لان تكون محور العالم اننا بصدد اقامة معرض يطوف العالم لبعض الآثار وتخصيص حصيلته لدعم مكتبة الاسكندرية. الاسكندرية مدينة انشأها الاسكندر الاكبر لتصبح عاصمة الملوك البطالمة من بعده مثلث منطقة ابي قير «الركن الشرقي للمدينة وتكونت من ثلاث ضواح هي كانوب وهيراكليون ومينوتس. كانوب كانت الى الداخل وهيراكليون تتقدمها على الساحل الميناء الوحيدة على يسارها «مينوتس» وعند هيراكليون كان فرع من فروع النيل المندثرة «الفرع الكانوبي» الذي يصب في البحر والحركة التجارية بموازاته تصب بقوة في هيراكليون وكان بها معبد هرقل الاله الاغريقي واليه تنسب. هذه هي المدينة التي جرى الكشف الاخير في مياهها، فبعد كل هذه العصور المتعاقبة على ابي قير تآكل الشاطيء لمسافة 6.5 كيلو مترات في حربه مع الماء المالح والنتجية ان غرقت ضاحية وميناء هيراكليون بالكامل ومينوتس، ولم يبق غير بقايا من كانوب القديمة مصب فرع النيل المندثر وهي التي تعرف الآن بأبي قير والتي كانت مدخلا جنوبيا لمصر لدرجة ان الذي كان يدخلها عن غير هذه المدينة يعد متسللا ويتم القبض عليه. ويقول الدكتور جاب الله علي جاب الله الامين للمجلس الاعلى للآثار ان قصة نجاح البعثة الاثرية المشتركة تمثل احدى الحلقات المهمة لانقاذ اثار مصر والاهتمام بها واذا كان الحق يجب ان يرد لاصحابه فان الامانة تقتضي ان نذكر بالخير رائدا من رواد العاملين في انتشال الآثار الغارقة وهو الامير عمر طوسون حيث كان له الفضل الاول في بداية عملية البحث عن الآثار الغارقة فهو الذي اطلق اشارة بدايتها عام 1934 عندما كلف مجموعة من الغطاسين بالبحث والتنقيب. وفعلا تم اكتشاف واحد من اجمل الآثار على الاطلاق وهو تمثال الاسكندر الاكبر ليزداد الاهتمام وتتفتح العيون عليها ومع منتصف التسعينيات اعدنا الكرة الثانية فكان اولى ثمارنا اكتشافنا لمدينة مينوتس ومركز العمل هذا العام في مدينة هيراكليوم التي كانت حلما من احلامنا. والمدينة كما يقول الدكتور جاب الله اتخذت اسمها من اسم المعبد الرئيسي لها والذي كرس للإله هرقل وقد تم الكشف حتى الآن عن مساحة لا تقل عن 80.000 متر مربع حيث اظهر الرسم الطوبوغرافي الدقيق بقايا ابنية شاسعة واحواض موانيء، وعثر في قاع هذه الموانيء على عشر سفن قديمة غارقة. ومن المحتمل ان تكون هذه المدينة غرقت اثر هزات ارضية وهذا يجرنا الى العمل الجاد لعمل مسح لكافة شواطئنا المصرية واكتشاف الاثار الغارقة وهذا ما وضعه فاروق حسني وزير الثقافة نصب العيون وفعلا تم تكوين لجان عالمية للبدء في هذه المهمة لان شواطئنا تمتد من ليبيا الى فلسطين بطول 2000 كيلومتر بالاضافة الى شواطيء البحر الاحمر. كذلك يجب ان يكون اتجاهنا مخططا بدقة وان نضع خريطة اثرية لكل موقع اثري في البحر حتى لا يكون العمل عشوائيا. كذلك لا بد ان يكون هناك متحف للآثار التي تنتشل من البحر. وبصفة عامة فإن هذه الامور لابد ان تكون مرتبطة بسياسة دولة وليس توجهات افراد. واذا اضفنا الى تراثنا الاثري بالامس مدينة كاملة غارقة فان اهم ما فيها لوحة جرانيتية سوداء معروفة بلوحة نفراتيس وهي نسخة كاملة من لوحة نفراتيس المحفوظة بالمتحف المصري والمكتشفة في عام 1899 واللوحة المكتشفة يبلغ ارتفاعها 195 سم وتشير الى قرار الفرعون «نقتانيو الاول» من 378 ـ 392 قبل الميلاد بأن تؤول نسبة الضرائب المفروضة على انشطة تجارة الاغريق المارة بالميناء لخزانة معبد الالهة ترنيت وان توضع تلك اللوحة في مدخل الميناء. وقد كانت «هيراكليون» تبعا لما كتبه هيرودوت الميناء الاجباري لدخول مصر لكل السفن الاجنبية الآتية من بحر الاغريق وهو البحر المتوسط الآن. ويقول الاثري احمد عبد الفتاح مدير المتحف اليوناني الروماني بالاكسندرية بان اللوحة لها دلالتان مهمتان، الاولى دلالة تاريخية حيث انها تنتمي الى عصر مصري فرعوني البطلمي وهو نقطا نب الاول من ملوك الاسرة الثلاثين آخر الاسر الفرعونية مما الذي يعني ان «هيراكليوباترا» وابو قير كانتا موجودتين قبل انشاء الاسكندرية وان تاريخها بدأ مع عصر الدولة الحديثة كما قالت «هيرودوت» وقد كانت فرضية «هيرودوت» غير مستندة لأدلة حتى تم هذا الكشف. اما الدلالة الثانية فهي سياسة في عصر الاسرة الثلاثين عندما كانت مصر الفرعونية قد بلغت اقصى المدى من الضعف والتآكل السياسي والوقوع تحت ارادة دول معادية لها. وبرغم من ذلك فلقد حافظت على النظم المالية والدينية بصرامة حتى قبل ان يتهاوى العرش الفرعوني بثلاثة عقود. وبالرغم من ضيق المساحة المختصة للكتابة على اللوحة الا ان كاتبها استطاع تدوين جميع الكلمات بالخط الهيروغليفي بشكل دقيق جدا وتكرارها في لوحة اثرية اخرى اكبر مساحة الى جانب اسلوبها الادبي المتميز مما يعني حرص المصريين على المحافظة على فنهم في احلك الظروف التاريخية. ولم تتوقف الامور عند هذا الحد او الاكتشافات عند هذا الحد بل هناك ثلاثة تماثيل تم اكتشافها في حالة جيدة بل انها تنافس الفاتيكان في احتفاظها برونقها رغم مرورها بظروف كفيلة بتدمير اي من التماثيل مهما بلغت قوتها فقد «نامت» 2300 سنة في مياه شديدة الملوحة وخرجت منها سليمة معافاة، وابرزها تمثال الآلهة في هيئة «الانثى». خاص لـ «البيان» ـ من «أ ـ ب»
