لنا ابنة درست الألمانية. ويبدو أن لذلك توابع كما أن للزلازل الكثير من التوابع. وعلى سبيل المثال تجدها تستأذنك في دعوة بعض (الاخوة) الألمان على الغداء أو العشاء. ولأن الأسرة بكاملها ـ إلا ابنتنا هذه ـ تجهل الألمانية، ولأن الألمان غالبا لا يعرفون سوى لغتهم، نقضي معا وقتا سيئا. وذات مرة دعت ابنتنا زوجين ألمانيين على العشاء في البيت لأنهما يريدان التعرف على بيت مصري. وسألتها زوجتي عن نوع الطعام الذي تعده، فاقترحت أطعمة شعبية. وسألتني فاقترحت عليها طعامنا اليومي. وخشيت هي ألا يستسيغوا أكلنا، فأضافت الأكل الأوروبي. وهكذا كانت المائدة حافلة الى حد أن الزوجين توقفا في ذهول. واستأذن الرجل في أن ننتظر قليلا حتى يصور المائدة. واعتبرتها زوجتي انتصارا كبيرا، وتعبيرا عن الكرم. أما أنا فلقد اعتبرتها فضيحة، ويقيني أن المجلات الألمانية نشرت الصورة مع تعليق عن مدى شرهنا. ولكن لم يكن هذا شيئا بجانب دعوة اثنين: شاب وفتاة في سن الجامعة، وكانا لطيفين فكنا نعاملهما كأولادنا. وكانا جالسين معنا عندما دق جرس الباب وفتحت الباب، وكان الطارق فراشاً مشهوراً في المسرح القومي، وكانت له علاقة قوية بنا فكان يقضي لنا بعض الأشياء، وأعلنت عن حضور الفراش بصوت جهوري كما كان يحدث في قصور فرنسا في زمن البوربون: ـ هتلر هنا! نعم فلقد كان اسم الفراش هتلر.. وقفز الشابان واقفين وقد بدا عليهما الذعر.. ولن أنسى أبدا احمرار وجه الفتاة، وقد بدت وكأنها لونت وجهها بسائل أحمر. وفي البداية لم أفهم، ولا فهمت زوجتي، ما يحدث. ولكننا بدأنا نفهم عندما أخذت ابنتنا تتحدث لهما بالألمانية وبدا أنها تهون عليهما. وقلنا لهما أن هتلر هذا مجرد اسم لا علاقة له بهتلر زعيم المانيا الذي كان ملء السمع والبصر لنحو عشرين عاما كانت بينها سنوات الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) ولكن لمن تقول هذا الكلام؟! فمنذ أن انتهت الحرب العالمية بهزيمة المانيا واحتلال مدينة برلين، وانتحار هتلر قبيل ذلك مع عشيقته إيفا براون التي تزوجها قبيل انتحارهما، منذ ذلك الحين وحتى الآن وممنوع في ألمانيا تسمية أي طفل باسم هتلر. ولا أدري من الذي يمنع تسمية طفل باسم هتلر؟ هل هي قوات الاحتلال؟ ولكن الاحتلال من المفروض أنه انتهى، والمانيا الآن دولة مستقلة، وتعتبر أقوى قوة اقتصادية في أوروبا، ولولا الدور الثقافي المهم لفرنسا لكانت زعيمة أوروبا. والبعض يراهن عليها ـ أي على المانيا ـ على أن تكون القطب الآخر اذا عادت الأمور الى طبيعتها، وانسحب القطب الأمريكي الأوحد، وكف عن عربدته اللاأخلاقية على سطح الأرض. وربما كان الألمان هم الذين يرفضون تسمية أطفالهم باسم هتلر لما جناه على المانيا وأبنائها. ولكن الأمور تغيرت الآن وبعض الألمان في حنين الى أيام هتلر، ويعتقدون أنه كان حاكما عظيما، وأنه كان سييء الحظ. والأمر يبدو غريبا علينا فنحن شعوب تستخدم كل الأسماء، ولا أظن أن هناك من القوانين ما يمنع ذلك. وأتخيل رجلا قرر أن يسمي ابنه (أبو جهل) أو (أبو لهب) ولا أظن أنه سيجد ذلك مستحيلا كما يجد الألمان في تسمية أولادهم هتلر. وصاحبنا هتلر الذي أثار فزع الشابين الألمانيين لابد أنه ولد أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما كان الشارع المصري معجبا أشد الاعجاب بهتلر، حتى أن البعض قالوا أنه أعلن اسلامه، وأنه الآن هو الحاج محمد هتلر. وكان المصريون يحبون هتلر لأنه كان عدو الانجليز الذين يحتلون البلاد تحت نظرية عدو عدوي هو صديقي. ولا ندري ماذا كان سيحدث لو أتيح لهذه النظرية فرصة التجربة. لكننا نعرف أن قطاعا مهما من الحركة الوطنية كان يسعى للتحالف مع المانيا. وكان أهم الأسماء في هذا المجال الفريق عزيز المصري الذي ربما كان أهم العسكريين العرب في القرن العشرين، والذي حاول أن يطير الى المانيا مرتين أثناء الحرب، وفشلت المحاولتان. وكان من (حزبه) في ذلك الحين الطيار حسين ذو الفقار صبري وهو أخو علي صبري أحد رجال عبدالناصر والذي كان نائبا لرئيس الجمهورية، وأيضا كان من رجال عزيز المصري الضابط أنور السادات، وإن قيل ـ والله أعلم ـ أن العلاقة لم تستمر طيبة. ولم تكن مصر فقط التي وجد فيها اتجاه للتحالف مع المانيا فلقد كان هناك الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين وزعيم الحركة الوطنية الذي راهن على مساندة المانيا في انتزاع فلسطين من الاحتلال البريطاني، وكان من الواضح أن بريطانيا لن تسلمها إلا لليهود. أيضا حركة رشيد علي الكيلاني في العراق، ولقد شارك فيها عزيز المصري باشا الذي كان رغم رتبته العسكرية العالية مغامرا من الطراز الأول. وفي تلك الفترة ـ وربما بعدها ـ كانت هناك حالة من فوضى الأسماء. وكان هناك صحفي يساري كبير هو فتحي الرملي وزوجته صحفية يسارية مهمة هي سعاد زهير وقد قتلت منذ أعوام قليلة في حادث سير. أسموا أولادهم: لينين وستالين ومولوتوف. وأعتقد أنهم أنجبوا بنتا ولا أدري ماذا أسموها. ومن الواضح أنهم كانوا معجبين بالثورة الشيوعية والاتحاد السوفييتي. ولينين الرملي الذي يحمل اسم أكبر مناضل ماركسي في التاريخ واضح أنه ضد الماركسية واللينينية والشيوعية والاشتراكية، كما يبدو في كتاباته. وستالين الرملي على ما أعتقد رسام كارتون. ولا أدري ماذا فعل باسمه وخروتشوف وورثته يهاجمون ستالين هذا الهجوم الضاري. أما مولوتوف فلا أعرف عنه شيئا.. أقصد مولوتوف الرملي! وكالعادة يسألني أحدهم: وما مناسبة هذا كله؟ والاجابة بسيطة فلقد قرأت أن أحدهم كسب منزلا بمليون درهم اسمه بلفور. وبلفور هو وزير خارجية بريطانيا الذي أعطى وعد بلاده باقامة اسرائيل. وحوّل الحلم الغائم المستحيل الى واقع. في وقت واحد التقى الصهاينة مع الاستعمار الغربي. فلقد كان الصهاينة يحلمون بوطن يعيشون فيه. وكانت فلسطين بين مطامعهم، لكنهم فكروا في أوغندا والأرجنتين وسيناء. وفي نفس الوقت الذي كان الصهاينة يعيشون حلم الدولة، كان الغرب ـ وبالذات بريطانياـ تفكر في أن الوحدة العربية لو تحققت لقامت دولة تهدد الدول الكبرى كما حدث أيام محمد علي. وأن فشل الثورة العربية الكبرى (1916) لا يعني انتهاء الحلم. والحل هو دولة تقسم العالم العربي، ويحسن أن تكون هذه الدولة دينية. والأفضل أن تكون يهودية. وهكذا التقى الحلم اليهودي بالخطة الاستعمارية. وما زال اللقاء مستمرا وفي كل يوم نخسر شبرا.. وفي كل يوم يكسب بلفور!