عندما ذهب طارق ليلقي القمامة في صندوقها الضخم لمح بعينه رأسا صغيرا اعتقد انه رأس دمية فمد يده يتحسسها لكنه صرخ عندما لمست يداه رأس الدمية فهي لم تكن دمية بل كانت رأس زميلته في المدرسة سماح. ركضت امه نحوه تدركه وهي ترى نظره الفزع التي تملكته وصراخه المتواصل وعندما نظرت نحو صندوق القمامة اطلقت هي الأخرى صرخة اعلى من صرخة ابنها حتى تجمع المارة.. واكتشف الجميع وجود جثة لطفلة صغيرة عمرها لا يتجاوز عشر سنوات. تعرف الجميع على جثة الطفلة، فهي ابنة الحي ودائما ما تلعب مع صديقاتها في شوارع الحي كله، وان كان بيت اسرتها يقع على مسافة ليست بعيدة عن مكان العثور على جثتها. في الشارع الخلفي كانت اسرة سماح تنتحب وهي تبحث عن طفلتها التي فقدتها قبل ثلاثة ايام.. واشترك أهل الحي جميعهم مع والدة الطفلة الغائبة حتى ام سعيد التي تشاجرت معها مؤخرا كانت بجوارها تهدئ من روعها وتحاول ان تطمئنها على ابنتها الغائبة بينما كانت سهير صديقة فاطمة ام سماح أكثر المتأثرات بغياب الطفلة سماح وظلت تكرر عبارة اكثر من مرة.. لقد رأيتها أخر مرة كانت كالقمر.. لو اعلم انها ستختفي لما تركتها ابدا. واخذت تربت على ظهر امها تهدئ من روعها.. عندما وصل طفل صغير الى الموكب ليعلن للجميع انهم وجدوا سماح مقتولة في صندوق قمامة، عندها انطلقت أصوات النسوة في صراخ هيستيري وارتمت فاطمة على الأرض وهي تنتحب حزنا على ابنتها حتى فقدت الوعي بينما انهمكت سهير في محاولة افاقتها. ثورة لم يكن والد سماح قد علم بعد ان ابنته قد ظهرت جثتها بهذا الشكل الدرامي، ولم يكن يخطر على باله ان مصير ابنته الموت بهذه الطريقة لكن هاتفا وصله من احد ابناء الحي جعله يتهاوى في مكانه على مقعده وقال جملة واحدة.. فعلها حسين المناديلي. هذه الجملة الأخيرة بالذات وصلت الى حسين المناديلي تاجر الجملة المعروف عندما اخبره مساعديه ان عطية شحاتة عندما علم بمقتل ابنته قال هذه الجملة. توجه حسين المناديلي على الفور الى حيث تجمع الناس حول المكان الذي عثر على الجثة فيه وكانت الشرطة قد وصلت وعندما لمح عطية المناديلي قادما صرخ بجنون هذا هو من قتل ابنتي. امر ضابط التحقيق الذي كان يعاين موقع الحادث بالقبض على المناديلي الذي بدا مذهولا من الموقف الذي يواجهه وصرخ يا رجل لقد جئت لاواسيك. لم يرد عليه عطية كما طلب الضابط من الجميع الصمت لحين الوصول الى مقر الشرطة ووصول وكيل النيابة. تحقيقات اظهرت المعاينة الأولية لجثة الطفلة المجني عليها ان الطفلة هتك عرضها قبل خنقها وإلقائها في صندوق القمامة، كما اشار الطبيب الشرعي في تقريره الى ان الفتاة مصابة بقطع في اذنيها نتيجة اقتلاع قرط كان بأذنيها وان الفاعل شد القرط بعد مقتل الطفلة حتى ان آثار الجرح لم تخلف دماء رغم قسوة جذب القرط وان الطفلة هتك عرضها باصبع وليس اغتصابا. استدعى وكيل النيابة المتهم الوحيد في القضية حتى الآن وسأله عن اسمه وعمله فقال اسمي حسين المناديلي تاجر جملة بالموسكي أقوم بتوريد الورق الى المطابع والمكتبات الكبرى. ـ وما هي علاقتك بالمجني عليها ووالدها ولماذا اتهمك..؟ ـ هذا الرجل عطية يتعامل معي فلديه مطبعة صغيرة ويشتري مني الورق ومستلزمات الطباعة وقد تراكمت عليه الديون مؤخرا ووصلت الى 20 الف جنيه ورغم علمه بأن هذا هو المبلغ المستحق عليه الا انه رفض الاقرار به واصر على انه لا يتجاوز العشرة. ـ وهل لديك شيكات أو ايصالات أمانة عليه..؟ ـ لا فالتعامل بيننا يعتمد على الثقة الكاملة. ـ ولماذا انكر..؟ ـ لا أدري. ـ هل هددته بأي تهديد..؟ ـ في وقت الغضب لا يعرف الانسان ماذا يقول.. ـ ماذا قلت له..؟ ـ قلت له سأجعلك تندم على أغلى ما في حياتك. ـ كنت تقصد طفلته..؟ ـ كانت مجرد كلمة. ـ اين كنت في الأيام الماضية..؟ ـ انا اسافر دائما للاسكندرية لانهاء شحنات الورق ومستلزمات الطباعة. ـ ولكنه اتهمك بقتل ابنته..؟ ـ يمكنك يا سيدي التأكد من براءتي ولكني لن أقول اكثر من اني لم أقتل هذه الطفلة. أمر وكيل النيابة بحبس المتهم على ذمة القضية. مفاجأة في اليوم التالي انتبه الشارع الحزين على اصوات تتعالى في الحي كانت بطلتها سهير وأحد اصحاب محال البقالة وهو يصرخ فيها.. اين بقية مستحقاتي لديك.. طلبت منه سهير ان يستمهلها بعض الوقت ريثما تستطيع تدبير المبلغ المطلوب له، وقالت له سوف ادفع لك الباقي غدا. صرخ التاجر ولماذا الغد.. الا ينفع اليوم الم اعطيك امس مبلغا.. لك ان تصبر علي قليلا. بدأ الجيران ينتبهون للمشاجرة التي وقعت بين سهير والتاجر الا ان سهير ادركت ان الأمر سيتسع فآثرت الرحيل من أمام التاجر بسرعة بينما استمر التاجر في الكلام وهو يشيعها بنظراته الغاضبة، وقال وكأنه يحدث نفسه.. فتاة غريبة، تستدين ولا تستطيع التسديد بينما اقتربت إحدى زبونات محله منه وسألته. لماذا تصرخ هكذا.. الا تستطيع ان تصبر عليها وبعد الا تعلم انها حزينة لمقتل ابنة صديقتها فاطمة. هذه لا تعرف الحزن.. انها مدينة لي بأكثر من خمسمئة جنيه. ولكنها سددت لك جزءا منها.. نعم سددت 300 جنيه ولكن اين الباقي.. ثم استطرد انا لا اعرف من اين تأتي هذه الفتاة بالنقود. واصلت الشرطة تحرياتها علها تكتشف جديدا في قضية مقتل الطفلة سماح. كانت النقطة الاكثر غرابة في الامر انه اذا كان القاتل هو المناديلي فلماذا هتك عرض الطفلة.. وتساءل رئيس المباحث وهو يحدث زملاءه ان تقرير الطبيب الشرعي يؤكد انها لم تغتصب كما يؤكد ان عرضها هتك بواسطة الاصبع بعد قتلها، كما ان القاتل كان هدفه سرقة قرطها الذهبي رغم انه لا يساوي كما قال لي والديها اكثر من 300 جنيه، فهل من المعقول ان تاجر جملة كالمناديلي يقتل طفلة لمجرد الحصول على قرطها الذي لا يساوي الا هذا المبلغ الضئيل. وأمام ما وصلت اليه المباحث من قناعة تم الافراج عن حسين المناديلي وتم تكثيف التحريات الى ان ظهرت مفاجأة حيث قالت بائعة متجولة اعتادت على المرور في الشارع الذي تسكن فيه الطفلة انها رأتها منذ عدة ايام وهي تسير بصحبة سيدة صغيرة في السن فسألها رئيس المباحث وهل تستطيعي التعرف عليها؟ فقالت نعم اذا عرضت علي.. ترى عزيزي من تتوقع ان يكون الفاعل في هذه الجريمة وما دليلك. محمود عبد الكريم