في صومعته الثقافية جلست انتظر اللقاء، وحتى لا أمل الانتظار رحت اتأمل ما حولي، على الحائط الى يميني لوحة صاخبة الالوان، عصرت ذهني محاولا التركيز ما استطعت لافهم ما ترمز اليه دون جدوى، مسحت نظارتي اكثر من مرة لعلي ادرك من محتوياتها ما يهدف اليه الرسام فلم اوفق، كل ما اذكره انني رأيت في اللوحة .. ضفدعة . وجمجمة .. وقطارا .. وفنجان قهوة .. وعينا بلا رموش . ودجاجة مشوية . .ومدفعا عيار 125 ملم .. وصابونة .. و .. و ... قبل ان اكمل حصر ما احتوته اللوحة سمعت صوته الزئبقي يقول من خلفي ـ بعد ان دخل الغرفة دون ان اشعر لانشغالي بحصر محتويات اللوحة: ـ اعجبتك .. أليس كذلك؟ صافحته وقلت مشيرا الى اللوحة وفي صوتي نبرة غباء لم استطع اخفاءها: ـ في الواقع انها رائعة جدا .. ومعبرة جدا .. عن ماذا .. لست ادري. قال وهو يدعوني للجلوس وقد ارتاح فيما يبدو لما لاحظه من غبائي. ـ الحمد لله .. كنت اخشى ان تكذب وتقول انك فهمتها .. ـ كيف .. ؟ ـ هذه اللوحة قد فازت بالجائزة الاولى في معرض الفن التقوقعي، وتحدى بها رسامها كل النقاد والحاضرين ان يفهموا منها شيئا .. مؤكدا انه سيعتزل الفن ويحترف بيع الشاورما اذا استطاع ناقد منهم ان يستخرج منها اي مضمون!. ـ رائع .. ! عموما لندع هذا ولننتقل الى حديث الثقافة حتى لا نبتعد عن موضوع اللقاء. ـ لم نبتعد .. ولن نبتعد كما تظن .. فاللوحة التي أمامك هي التعبير الدقيق عن صيحة العصر فنيا وثقافيا .. ـ يا سلام .. ! قال وهو يشد نفسا عميقا من سيجارة اشعلها بالمقلوب .. انطلاقا من مبدأ الثورة على المألوف البالي .. ! ـ في الماضي كانوا يهتمون بالشكل ويهملون المضمون .. وفي الحاضر انعكس الوضع فأصبحوا يهتمون بالمضمون قبل الشكل، اما صيحتنا نحن .. صيحة العصر .. صيحة المستقبل، فهي بكل وضوح لا للشكل .. لا للمضمون .. انه عصر اللاءات .. عصر الرفض .. نحن نرفض الشكل لأنه اطار فارغ .. ونرفض المضمون لانه يحد من انطلاقتنا اللامحدودة واللا مفهومة .. نحن مع التحرر .. وضد الانغلاق.! قلت مندمجا وقد بهرني منطقه التحرري وشدني الحماس: ـ اذن فهي انطلاقة زئبقية . .ترفض الانبطاح الارتمائي .. وتسعى لافاق رحبة من الانبثاق العبثوي المستفيض .. ! ـ تماما ... تماما .. لقد عبرت بعفوية فذة عن افكارنا الانبهارية المتزئبقة. ـ اشكرك ... ، واعود لا سألك .. ماهي نظرتك للشعر الحديث؟ اطفأ سيجارته بعصبية في فنجان قهوتي . وصاح في وجهي بغضب. ـ لماذا تهاجمونا وتسخرون من شعرنا الحديث؟ ماذا تقصدون من هذه الحملة الامبريالية المشبوهة؟ ـ لا شيء .. لا شيء .. ، فقط نريد ان نفهم ما تكتبون .. ـ تفهمون .. تفهمون ..، ما هذه النغمة الغريبة التي بدأت تطل بخبث على ألسنة بعض النقاد؟ وهل نحن فهمنا ما كتبناه حتى تطالبون انتم بفهمه؟ ـ ولماذا يا سيدي لا تكتبون شيئا نفهمه . ولا مانع من ان تفهموه انتم ايضا؟ حاول ان يبدو هادئا وهو يسعى لشرح نظريته: ـ نحن يا عزيزي نكتب للاجيال القادمة ... جيلكم الحالي كله ليس الا مجموعة من الجهلة المتخلفين عقليا، وكلكم للاسف الشديد دون مستوى الادراك التعبوي لاشعارنا الحديثة، كتاباتنا كالمعلبات .. تحمل تاريخ الانتاج .. وهو العصر الحالي .. اما تاريخ الصلاحية للاستعمال الثقافي فيبدأ في منتصف القرن الواحد والعشرين، واي محاولة لفهم ما نكتبه قبل ذلك التاريخ محكوم عليها بالفشل! ـ لا شك انهم سعداء ومحظوظون ... ابناء جيل منتصف القرن الجديد، فهم الوحيدون الذين ستتاح لهم فرصة فك رموز كنوزكم الثقافية الثمينة، التي حرمنا نحن ـ لظروف غبائية خارجة عن ارادتنا ـ من متعة هضم بروتينها الثقافي في الدسم .. ! هدأت اعصابه .. وبدا انه ارتاح لشحنة النفاق التي غمرت كلماتي، وشد نفسا عميقا من سيجارته المطفأة، ثم قال: ـ أنت لا تدرك مدى المعاناة التي نمر بها عندما نشرع في كتابة قصيدة جديدة، لقد اعدت كتابة احدى قصائدي اكثر من عشر مرات، لاني كنت في كل مرة اكتشف فيها مقطعا مفهوما او موزونا، وعندما فاض بي الكيل واحسست بالفشل، طرأت ببالي فكرة عبقرية جديدة، قررت ان اكتب قصيدة كاملة بلا كلمات ولا حروف، فقط بالنقط وعلامات الاستفهام والتعجب، ولم اكتب سوى العنوان والامضاء ..، مازلت اذكر هذه القصيدة جيدا، فقد اشاد بها نقاد مدرستنا الثقافية الفنية، وعبروا عن اعجابهم الشديد بمقالات مطولة خالية من الحروف والكلمات .. انسجاما واندماجا مع اسلوبي العبقري الجديد ..! ـ عظيم .. عظيم ، سؤال اخير ..، ماهو آخر اعمالك الشعرية الابداعية؟ ـ انها قصيدة ستطالعها في الصفحة بعد الاخيرة ـ كما اشترطت ـ من الملحق الثقافي القادم .. وستكون مفاجأة لكل من لا يقرأها .. !! قلت وأنا ألملم اوراقي واتقهقر محييا ومودعا، بعدما لاحظته على محدثي . من جحوظ في العينين .. وتقلص في الاذنين .. وارتعاشة في الانف، مع ضحكات هستيرية مصحوبة بلطم على الخدين، الامر الذي اكد لي ان البقاء معه اكثر من ذلك امر محفوف بالخطر، اضافة الى حرصي على سرعة الوصول بموضوع هذا اللقاء الى الصحيفة التي اعمل بها حتى لا يحرم القراء من الاطلاع على الحوار الذي تم، وحتى لا أصاب بعاهة مستديمة قد تمنعني من العمل الصحفي او اي عمل آخر مستقبلا!! ـ باسمي .. وباسم كل المثقفين العرب .. والافارقة .. والاماركة .. والبرامكة، وكل الناطقين بالضاد .. او الصاد .. او الطاء .. او الظاء .. او الكاف، اشكرك على هذا الحديث الزئبقي .. الانبهاري ... الممتع!!