مثل شعار ملك صريع، يربض الدليل على السلالة الملكية في اكسيوم منحوتاً في حجر مهشم. ففي هذه البلدة الفقيرة والمعزولة في المرتفعات الشمالية لاثيوبيا، تم تشييد واحد من ابرز المعالم المعمارية وأعظمها في افريقيا القديمة، وهو عبارة عن عمود حجري ارتفاعه 100 قدم ووزنه 500 طن ويعد اكبر مسلة في العالم مصنوعة من حجر واحد. قبل حوالي 1700 عام، تم قطع الحجر من مقلع اسواني للحجارة ونقل مسافة ثلاثة أميال على الأقل، باستخدام قوة الفيلة او الرجال ونحت بعد ذلك لكي يبدو مثل بناية من 13 طابقاً. ومن المرجح انه سقط أثناء محاولة رفعه، مما أدى الى تدمير القبر الذي كان من المفترض ان يكون نصباً تذكارياً له. وظل هذا النصب في المكان الذي سقط فيه محاطاً بأكثر من مئة نصب آخر. بعضها لايزال قائماً، والبعض الاخر متداع ومحطم. وهذه كلها مجرد شواهد تذكرنا بمجد اكسيوم القديم وماضيها العريق كواحدة من اعظم الممالك في العالم. اما اليوم، فان اكسيوم عبارة عن بلدة زراعية محاطة برقعة من المزارع تقع على مقربة من جبال شبه مستوية السطح ويفصلها عن البحر الاحمر اريتريا، التي نالت استقلالها عن اثيوبيا في عام 1993. لكنها كانت ذات يوم القلب النابض في مملكة قوية، حكمت اجزاء من اثيوبيا الحالية واريتريا واليمن لفترة من الوقت، وازدهرت معتمدة على التجارة عبر المضائق. ويزعم سكان اكسيوم ان ملكة سبأ حكمت المنطقة في القرن العاشر قبل الميلاد، لكن الدلائل تشير الى ان اكسيوم بدأت بالازدهار الحقيقي في القرن الثالث للميلاد. وفي ذلك الوقت، كانت تعد في مصاف امبراطوريات عظيمة، مثل فارس والصين وروما. وفي القرن الرابع للميلاد، حكم اكسيوم ملك يدعى ايزانا استطاع ان يحوّل مملكته الى احدى اعظم الامبراطوريات في العالم. وفي فترة حكمه، ساد الرخاء ارجاء المملكة، التي شكلت جيشاً استطاع ان يهزم مملكة مجاورة. ولكن مع ظهور الاسلام في القرن السابع للميلاد، بدأت مملكة اكسيوم بالانهيار. وفي النهاية، فقدت قبضتها على البحر الاحمر وكذلك صلتها بباقي العالم نتيجة لذلك. وكتب المؤرخ المعروف ادوارد جيبون في كتابه «نشأة الامبراطورية الرومانية وسقوطها» يقول ان الاثيوبيين الذين كانوا محاطين بالأعداء من كل جانب ناموا قرابة الف عام غير عابئين بالعالم الذي نسيهم. غير ان علماء الاثار لم ينسوا اكسيوم. فهم يعكفون على دراسة هذه المملكة العريقة منذ قرن تقريباً. كاثرين بارد ورودولفو فاتوفيتش كانا اول عالمي اثار يعودان الى البلاد بعد 17 عاماً من الحرب الاهلية التي أطاحت بالنظام الشيوعي في اثيوبيا. ومنذ عام 1993، قضيا معظم فصول الصيف في بيتا جيورجيس، الموقع الاقدم لاكسيوم. ان الموقع الذي يبعد اربع عشرة درجة عن خط الاستواء ويقع على ارتفاع 8.700 قدم ولايزال موطناً لحفنة من المزارعين، ليس من السهل الوصول اليه. لكن العالمان الاثريان لا يتذمران. وتقول بارد: «انني سعيدة ان يكون من الصعب الوصول اليها. وهذا هو سبب كوننا اول من يعمل هنا وسبب عدم وجود احد ينازعنا عليها». ان الوصول الى المنطقة لم يكن الصعوبة الوحيدة التي كان على بارد وفاتوفيتش مواجهتها. ففي اول يوم وصلا فيه الى الموقع، حذرهما شرطي يرتدي حزاما من القنابل اليدوية بأن لا يبتعدا كثيراً عن الممر المحدد، وهو الطريق الوحيد الخالي في الصعود الى جبل مليء بالألغام الارضية. وبعد خمسة اعوام، اي في عام 1998، خيمت الحرب مجدداً على اكسيوم عندما اشتبكت اثيوبيا مع اريتريا على بعد 30 ميلا فقط عن اكسيوم. واصبح صوت المدافع والقاذفات جزءاً من الحياة اليومية لعالمي الاثار. ويتذكر فاتوفيتش قائلاً: «كان بامكاننا سماع القتال، وكنا مدركين على نحو فظيع ان الناس يموتون في مكان ليس ببعيد عنا». وعلى الرغم من المخاطر، الا ان بيتا جيورجيس كانت موقعاً تصعب مقاومته. وتقول باردس «هؤلاء الناس يعيشون حياة لم تتغير الا قليلا خلال الوف السنين». ومن واقع حياة المزارعين الذين يعيشون في المنطقة، يمكن القول ان مظاهر كثيرة لم تتغير وظلت مستمرة حتى يومنا هذا. ومن هذه المظاهر حراثة الارض الزراعية بواسطة المحاريث الخشبية التي تجرها الثيران وطريقة اعداد الخبز التقليدي على نيران من روث البقر. ضرار عمير