(تداعيات في الخيبة) عرض مسرحي أصيل، استقبله جمهور مدينة حلب بكثير من الأعجاب والترحيب، ولاسيما جمهور المثقفين الذين طال انتظارهم لعرض مسرحي جاد وهادف. فمن قلب العروض المسرحية السطحية والساذجة التي تقدم على خشبات المسارح المتواضعة في المدينة نهض عرض متميز للمؤلف والمخرج محمد الدروبي الذي طال غيابه عن الساحة المسرحية ليعود الينا بهذا العرض الجميل الذي استرد به المسرح بعضا من تألقه، كما استرد به الجمهور ثقته بدور المسرح وتأثيره في حياتهم. (تداعيات في الخيبة) مسرحية تريد ان تقول: إن تلاشي مشروع المواطن العربي وانهياره أمام صعوبات الحصول على حياة افضل ينعم فيها بالحرية والاحترام بات امرا واضحاً لكل مواطن عربي. إن حلم الاجيال العربية تهاوى أمام سلب الحريات والدوران في حلقة مفرغة وراء شعارات مضللة واوهام كاذبة، حجبت الاجيال عن حقيقة ما يجري على ارض الواقع. تتحدث المسرحية في ظاهرها (الشيء المعلن الذي لا يحتاج الى استبطان) عن ممثل في العقد الخامس من العمر، كان بطلا متألقا في معظم ادواره المسرحية، ثم يتعرض لخيبة كبيرة نتيجة اتخاذ قرار جائر، فالمسرح الذي عمل به لفترة طويلة مؤديا على خشبته معظم الادوار المحورية في كبريات الأعمال المسرحية العالمية والمحلية بنجاح كبير.. سوف يتم بيعه من قبل مالكه ليقام مكانه بناء تجاري، وذلك نتيجة كساد الثقافة الجادة ونزوع المجتمعات نحو الاستهلاك والسذاجة والسطحية بدل القيم الحضارية الاصيلة. ولدى سماع الممثل القدير لقرار البيع يهرع الى الخشبة لوداعها، وقد تكومت في صدر المسرح قطع الديكور وانواع الالبسة والصناديق استعدادا لاخلاء المسرح من مقتنياته. في لحظة الوداع هذه يدخل الممثل في تداعيات يتذكر من خلالها تلك الادوار التي لعبها عبر ربع قرن من مسيرته الفنية، يقف شامخا فوق الخشبة، يتذكر جمهوره الذي طالما وقف امامه منتشيا بفرحة النجاح. وهو يصفق له بحرارة وإعجاب شديدين وفي غمرة النشوة يستعرض (عبدالصمد/ الممثل) دوره في دونكيشوت وخيبته مع تابعه سانشيوباسا في تحقيق أحلامه في الفروسية. ودوره في الملك لير لشكسبير وخيبته مع ابنتيه العاقتين اللتين انتزعتا الملك منه وتنكرتا له، ثم دوره في شخصية (مكسيم) وخيبته مع صديقه الأمير (شاكروا) الاقطاعي المزيف الذي تنكر لمساعدته في قصة رفيقي في الطريق لمكسيم غوركي. ودوره في عنترة بن شداد الذي يصر على انتزاع حريته وانتمائه إلى قبيلته مضحيا بحبه لعبلة ابنة عمه وأخيرا يستذكر دوره في مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) لسعد الله ونوس مظهراً تصديه للملك الظالم على الرغم مما عاناه مع اتباعه الفقراء الذين خذلوه خوفاً من بطش الملك وظلمه. وهكذا تتكرر الخيبات في ذاكرة الممثل (عبدالصمد) ليكتشف ان هناك خطا واضحا يجمع بين تلك الادوار، ألا وهو خيبة ابطالها فيما تمنوه وارادوا تحقيقه. حيث ان جميع تلك الشخصيات المهمة منيت بخيبة ـ هزيمة في حياتها. وفي لحظة اكتشاف لذلك القاسم المشترك بين تلك الشخصيات التي لعبها، يشعر أنه واحد منها. بل إنه الوجه الآخر لها. فخيبته لا تقل عن خيباتهم، وفشله في دوره على مسرح الحياة ـ على الرغم من تألقه ونجاحه على خشبة المسرح في معظم أدواره ـ لهو الخيبة العظمى في حياته. وعلى صعيد آخر يدخل الممثل في صراع مع الملقن الذي طالما كان يصطدم معه كونه ـ الملقن ـ يمثل النمطية، وهو مسلوب الارادة امام الادارة والمخرج. وهو نموذج الشخص المستلب الذي يريد ان يبقى العالم ساكنا نمطيا لا مجال فيه للتغيير. فيما كان الممثل الذي غالبا ما يخرج عن ادواره ليصنع مصيرا مختلفا للادوار التي يلعبها. هذا الصراع ما هو الا صراع بين الممثل وذاته الكامنة الضعيفة التي لعبت دورا في فشله، حيث انه لن ينجح في تحقيق حلمه فالمشكلة تكمن فيه، وليست في الواقع الموضوعي الذي يعيش فيه ليقوم في نهاية العرض بقتل مفترض متخيل للملقن في محاولة لخلاصه من أزمته، لكنه ما يلبث ان يكتشف انه كان في حالة تداعي وحلم فيعود إلى ارض الواقع مرة اخرى. ان محمد الدروبي المؤلف والمخرج لمسرحية (تداعيات في الخيبة)، هو كاتب مسرحي وعضو في نقابة الفنانين السوريين. كما إنه إعلامي، يعمل في الاذاعة والتلفزيون حائز على اجازة في الحقوق، وهو من مواليد مدينة حلب عام 950 مارس الكتابة منذ السبعينيات، أنجز حوالي 80 عملاً مسرحيا بين تأليف واخراج، منها خمسة عشر عملا مسرحيا للأطفال. ولايزال في جعبته العديد من الأعمال الهادفة التي تحاول الارتقاء بالمسرح في مدينة حلب الى مصاف المسارح الراقية والتي تعمل على إيجاد طريقة حضارية للحوار والتفاعل الثقافي. حلب ـ صباح فاروق كيالي