كانت الأمم الغازية تحرص دائماً أشد الحرص على ان يتزامن احتلالها العسكري لغيرها من الدول مع غزو ثقافي مواز، يعمل على تعزيز وجودها على تراب الآخرين، عبر نقل أشكال موروثها الثقافي إلى الخطوط الخلفية لقواتها العسكرية المهاجمة وعلى هذا النحو عرفت تايوان المسرح والدراما التي نقلهما إليها الاحتلال الياباني للجزيرة بين عامي 1895 و 1945. والمسرح الياباني أشهر وأعرق من ان يعرف في عجالة بين هذه السطور، كما ان التفاعل والتواصل المسرحي بين الممثل والمشاهد يتجاوز مجرد التسلية والفرجة. وهكذا كانت الامبراطورية اليابانية تستخدم هذا الفن بهدف «تعليم» الاهالي والسكان المحليين داخل حدود الامبراطورية وتحديداً عبر تمجيد العسكريتاريا اليابانية. وهذا الشكل الجديد من فن الاستعراض القائم على الحوار والذي يختلف جذريا عن الدراما الصينية الكلاسيكية القائمة على الحركة فقط استحث بعض التايوانيين على تقديم أولى العروض المسرحية الدرامية الحديثة في تايوان وأخذت الجزيرة تشهد عروضاً مسرحية باللغتين اليابانية أو التايوانية منذ أولائل العقد الأول في القرن العشرين. واستمر الدور العقائدي للدراما في تايوان بعد خروج اليابانيين وخضوع الجزيرة لسيطرة الحكم الصيني عام 1945 ففي البداية كانت بعض المواهب المحلية لا تزال قادرة على عرض أعمالها المسرحية الخاصة قبل ان يهرب حكام الصين اليمينيين من بكين إلى تايوان عام 1949 أمام تقدم الثورة الشيوعية، وفي تلك المرحلة الانتقالية كانت الفرق من البر الصيني مرحباً بها أيضاً، أما الفكرة الأكثر شعبية فكانت طبعاً مناهضة الهيمنة اليابانية. لكن حالما سيطر الوطنيون الصينيون على الجزيرة، اختفت الشخصيات اليابانية المتسمة بالنذالة من خشبات المسرح لتحل محلها الشخصيات الصينية الشيوعية، وهكذا أصبح من العسير تطوير دراما تايوانية محلية تماماً نتيجة النزاع بين التايوانيين المحليين والقادمين من البر الصيني نتيجة للخلافات في اللغة والعقيدة والثقافة. هكذا استمر المسرح في الاحتفاظ بدوره «التعليمي» بل ان الجيش التايواني نفسه كان له فرقه المسرحية، وجولاتها في البلاد والتي استخدمها على نحو مكثف لبث الروح المعادية للسيطرة اليابانية والشيوعية بين الجنود والمدنيين على السواء، ومما أخر انطلاقة المسرح التايواني الخلاق القوانين العرفية التي أعلنت طوال عقد الستينيات. هذا الجهد المسرحي من جانب العسكر التايوانيين بدأ يجد الدعم في الستينيات من جانب ما عرف حينها باسم «حركة المسرح الصغير» التي بدأها لي مان كوي، كما أخذت الجامعات والكليات بتقديم اسهامها في نمو الحركة المسرحية إلى جانب المسرح العسكري. وباعتبار ان الاقتصاد التايواني لم يكن حينها نامياً إلى الحد الذي يسمح للمواطن العادي باقتطاع جزء من دخله لانفاقه على التسلية المسرحية، فقد كانت معظم العروض المسرحية تحظى بدعم حكومي مالي حتى تتمكن من فتح باب الدخول للمسارح مجاناً. ومع بدء عودة البعثات الاكاديمية التي درست في الخارج إلى البلاد أخذ المسرح التايواني بالنضج شيئًا فشيئا بفضل تطبيق أساليب التدريب الجديدة وتوظيف الأفكار المعاصرة، وبفضل الدماء الجديدة المتعلمة ظهرت عدة فرق مسرحية جديدة مثل ورشة لان لينج للدراما، وورشة الاستعراض في السبعينيات والثمانينيات، وأكدت هذه الفرق الجديدة على أهمية لغة الجسد إلى جانب تقنيات المسرح الحديثة، وتعدد التفسيرات والاسقاطات للأعمال المسرحية المحلية والغربية. كذلك تغيرت الأفكار، فقد مضت تلك الأعمال التي وضعت لمجرد مناهضة الشيوعية، حيث أخذت خشبات المسرح تشهد أفكار جديدة وآراء مختلفة حول مجمل القضايا. ويقول هوانج ماي، عميد كلية الدراما في جامعة الثقافة الصينية: «لقد تغير الزمن وتحولت العلاقات على جانبي مضيق تايوان وتراجع الحقد الذي كان يعتمل في نفوس الجيل السابق، لم يكن الشيوعيون جزءًا من حياة الأجيال التي ولدت ونشأت في تايوان وتجربتهم الحياتية. والشروع في فرقة مسرحية جديدة ليس أمراً بالغ الصعوبة في تايوان، كما ان استقلالية الفرقة يعطيها الحرية في التعبير والابتكار والتجريب، المشكلة الوحيدة بالطبع هي توفير الدعم المالي لتلبية احتياجاتها وهو بالطبع الأمر غير السهل. ولهذا فإن الكثير من الفرق التايوانية قد بدأت تتبع أسلوب «اضرب واهرب!» فالأعضاء لا يجتمعون معاً إلا عندما تتوفر لهم فرص إقامة عروض مسرحية، وما ان ينتهوا من عروضهم حتى يعودوا لحياتهم اليومية المعتادة فور اسدال الستار. يقول هوانج: «المشكلتان اللتان تواجهان الفرق المسرحية التايوانية هما الافتقار للموارد المالية والافتقار للمشاهدين والفرق المسرحية التي ليس فيها موظفون بشكل دائم ليست مضطرة لتكبد المصاريف الادارية اليومية، بل تعيش على جهود اعضائها وحبهم للمسرح، ثم تختفي حالما يضعف هذا الشغف، أو يتخلى عنها أعضاؤها مجبرين للحصول على عمل لهم.



