بيان الكتب: قدمت الانتفاضة فرصة أخرى جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية كي تصحح مجرى عملية التحرر الوطني، التي تعرضت لانسداد سياسي دفعها إلى الانتقال التدريجي، من المراوحة في الواقع الدفاعي السلبي إلى التقهقر في مسار تراجعي لم تتوقف وقائعه بعد.. ويقول الدكتور عبدالإله بلقزيز في كتابه زمن الانتفاضة الصادر هذا العام من منشورات الزمن سلسلة شرفات، أننا لسنا نقصد بذلك أن هذه الانتفاضة، وعلى أهميتها الاستثنائية، توفر للحركة الوطنية الفلسطينية حلا سياسيا لأزمتها، بل هدفنا، في هذا، لإنها توفر فرصة مثالية، أمام تلك الحركة،، لإنجاز مراجعة سياسية وفكرية شاملة لملف العمل الوطني ولمجمل العوامل والأسباب التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني إلى الاخفاق الذريع. وخيار أوسلو وأكبر عناوينه وتجلياته اليوم. ليس صحيحا أن الخلل الذي دب في المشروع الوطنى الفلسطيني كان ثمرة مرة من ثمار أوسلو على ما يوحي بذلك كثيرا من نقد المعارضة الفلسطينية، بل إن اوسلو هي ثمرة الخلل الذي وجد قبلها، والذي كان خللا عاما أصاب مجمل جهاز العمل الوطني وليس مركزه القيادي حصرا، وستظل مقاربة المعارضة الفلسطينية قاصرة عن ادارك مواطن هذا الخلل طالما استمرت مرتكزة إلى فرضية مسئولية أوسلو، أو مسئولية السياسات الرسمية للقيادة الفلسطينية، في إنتاج ذلك الخلل! وإذا كان ذلك لن يعفها، سياسيا وفكريا، من واجب مراجعة رصيدها من العمل الوطني، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فهو لن يفيدها بالأحرى أخلاقيا، في إبراء ذمتها من مسئولية المساهمة في تهيئة شروط ذلك الإخفاق، وفي التمكين لأحكام أزمة العمل الوطن، ومفاعليها، كما انتهجته من سياسات، وما أتته من مسلكيات جذفت نتائجها ضد تيار عملية التحرر الوطني الفلسطيني. ذلك كله، من أجل وضع مجمل معماري حركة التحرر الوطني الفلسطينية أمام عملية نقد تكشف مواطن الخلل فيه، ويتسع لفحص السياسات والخيارات البرنامجية التي عبرت عنها فصائل الحركة الوطنية وثورة الشعب الفلسطيني. ويكفي الباحث للإشارة إلى عنوانين يضمن أولهما الفجوة الرهيبة المتزايدة اتساعا بين النخب السياسة الفلسطينية، من المشارب والاتجاهات والمدارس كافة، وبين المجتمع الفلسطيني الحي وثانيهما انزلاق الفكر السياسي الفلسطيني إلى الدفاع عن فكرة الاستقلال الوطني بدل فكرة التحرر الوطني، أو الدفاع عن الدولة بدل الدفاع عن الوطن! فمهما قيل اليوم عن الدور الريادي لحركة فتح في قيادة الانتفاضة، فإن ذلك لايكفي لإخفاء حقيقة سياسية واجتماعية كبرى كشف عنها المجتمع الفلسطيني، بانتفاضته وهي أن ثمة فجوة متعاظمة الاتساع بين النخب الفلسطينية منظمة التحرير، والحركة الإسلامية، والسلطة وبين المجتمع الفلسطيني فجوة نجد تجلياتها على غير صعيد: في تعب السلطة والقيادات السياسية مقابل حماسة المجتمع النشطة في مقاومة الاحتلال، وفي الرفض اللفظي لفصائل المعارضة مقابل نزع الممارسة النضالية الميدانية لذلك المجتمع، ثم في ترهل البنى التنظيمية السياسية الفصائلية وتكلسها مقابل الحيوية، المتجددة المنبعثة في النسيج الاجتماعي النضالي المدني. في كل الأحوال، أتت الانتفاضة لتنقذ الحركة الوطنية من ورطتها مرتين: في 87، أنقذت منظمة التحرير من مأزق العمل المسلح المنطلق من التخوم! وفي عام 2000، أنقذت السلطة من أوهام السلام وأنقذت المعارضة من أوهام الصهرانية والنقاء الأجوف. وإذا كان من آثار هذا الإنقاذ أن استعادت الحركة الوطنية الفلسطينية عافيتها، في نهاية الثمانينيات باستعادة وحدة منظمة التحرير كما حصل في المجلس التاسع عشر المنعقد في الجزائر أواسط نوفمبر 1988، واستعادت بعض العافية في الفترة الحالية، فإن ذلك لا يعني قطعا، أن الحركة الوطنية الفلسطينية خرجت من أزمتها، أو أنها باتت أقرب إلى التعبير عن دينامية المجتمع الفلسطيني، فهي لم تبرح تعاني من تلك الأزمة حتى اليوم، فهي مازالت بعيدة عن استيعاب حقائق وديناميات المجتمع الفلسطيني الجديدة، وتحتاج إلى المراجعة والتقويم الذاتي لهياكلها وبرامجها وتاكتيكاتها. ومن أهم العوامل التي صنعت حال الخلل في المشروع الوطني الفلسطيني، خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة، الانتقال الذي حصل فيه من استراتيجية التحرير إلى استراتيجية الاستقلال، وذلك في سياق ميلاد فكرة الدولة المستقلة في الفكر السياسي الفلسطيني، الأمر الذي رتب على هذا المشروع نتائج سياسية نالت كثيرا من طبيعته كمشروع تاريخي، ومن مضمونه السياسي كمشروع وطنى ثوري، بل أدخلته في دورة من التناقضات، وفي منحدر تراجعي لم يخرج منهما حتى الآن. كان التاريخ الرسمي لذلك الانتقال هو اعلان المجلس الوطني ومنظمة التحرير عن البرنامج الوطني المرحلي في صيف العام 1974 وقد سبق الاعلان تمهيد سياسي عبرت عنه مواقف قسم من قيادات حركة فتح الراحلان أبو إياد وخالد الحسن خاصة وقيادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين اتجهت في معظمها إلى الدفاع عن صيغة قيام سلطة وطنية في المناطق المحتلة عام 1967 كمرحلة أولى نحو تحرير كامل التراب الفلسطيني، وهو ما تبناه البرنامج الوطني المرحلي رسميا وأجمعت عليه معظم الفصائل ماعدا تيار الرفض الذي قادته في هذه الأثناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لم يكن لبرنامج الوطن المرحلي أول نص سياسي فلسطيني رسمي يطرح مطلب الدولة، سبقه إلى ذلك ميثاق منظمة التحرير قبل ست سنوات غير أن الفارق الكبير بين مفهومي الدولتين في النصين: ففيما يتحدث الميثاق عن دولة ديمقراطية على كامل تراب فلسطين ، يتعايش فيها العرب واليهود، يتحدث البرنامج المرحلي عن سلطة على أي شبر محرر من مناطق 1967، أي عما أصبح يعرف في مايو، باسم: دولة فلسطينية مستقلة في أراضي العام 1967. لو تركنا أمر الخلاف بين مفهوم الدولتين في الميثاق والبرنامج المرحلي، ووقفنا على نتائج التقابل بين استراتيجية الميثاق والمرحلي لتكشف لنا أننا إزاء أطروحتين مختلفتين متقاطعتين الأطروحة الأولى هي: التحرير، والأطروحة الثانية هي الاستقلال. التحرير في الأولى، تحرير الأرض والشعب، أي إعادة الأرض لشعبها وإعادة الشعب إلى أرضه. أما الاستقلال في الثانية فاستقلال قسم من أراضي فلسطينية عن دولة تحتل القسم الآخر الأكبر منها، وإقامة دولة لايكون القسم الثاني من شعب فلسطين في جملة مواطنيها! والناجم عن هذا التقابل بين الاطروحتين أن الانتقال من فكرة التحرير إلى فكرة الاستقلال، اعتراف صريح بالدولة اليهودية حتى وإن وضع نفسه تحت عنوان الحل المرحلي. ومن هنا كان الشعب العربي الفلسطيني مدافعا بصلابة وبشراسة عن الوطن. كل الوطن ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يقاتل فيها الفلسطينيون عدوهم الصهيوني بالحجر، فعلوا ذلك في مناسبات مختلفة من تاريخ كفاحهم المعاصر، كانت آخرها مناسبة اندلاع الإنتفاضة الأولى في ديسمبر 1987 الممتدة إلى صيف 1993، ولكن مع اختلاف بين في النتائج: ففيما أمكنهم، في الانتفاضة الأولى، تحييد الآلة الحربية الصهيونية في المعركة، وتحويل الجيش إلى شرطة تلاحق الشباب والأطفال في شوارع الأرض المحتلة، لم يفلحوا في تحييدها في الانتفاضة الحالية، وذلك لأن جنون القتل الصهيوني انفلت من العقال، ولعل الأدعى إلى الإثارة والاستغراب أن الحجر الفلسطيني لم يزعج بني إسرائيل فحسب ، بل أزعج حماتهم الأمريكيين أيضا، بعدما تبين أن الانتفاضة الوطنية الفلسطينية المتواصلة على غير انقطاع تمتلك قدرة مذهلة على تزويد نفسها بالأسباب الذاتية للاستمرار والتجدد ولتخطي حوائل سياسة الكبح التي جربت ضدها بالحرب العسكرية المفتوحة على سائر جهات الضفة وغزة وبالحصار الاقتصادي الذي دمر البنى المعيشية الفلسطينية. ويكشف ذلك أن الانتفاضة ظاهرة اجتماعية مميزة في السياق التاريخي والمجتمعي الفلسطيني، وأن الفعل السياسي، الفلسطيني والعربي، يحتاج إلى بذل جهد نظري أكبر لوعى طبيعتها، وبالتالي سيكون من قبيل الاطمئنان السهل للبداهات أن يطبق عليها مقولاته التقليدية في تحليل الحركة الاجتماعية والحركة الوطنية. فهي مسألة سياسية في المقام الأول، إذا يخشى أن يفضي العجز عن تحليل طبيعة هذه الظاهرة الاجتماعية السياسية إلى تركيب رؤى برنامجية عليها غير مناسبة وطبيعتها، الأمر الذي قد يدخل عليها عوامل تقييد أو كبح أو إطلاق للفاعلية غير محسوب، فيؤثر على ديناميتها الذاتية. بالإضافة إلى ما سبق فمن باب تحصيل الحاصل أن نقول إن الإنتفاضة الوطنية الفلسطينية أنهت العمل بخيار التسوية على قاعدة أوسلو ولكن الاستثمار السياسي للانتفاضة مازال مراوحا النهج نفسه وغير قادر، من جراء الظروف الضاغطة عليه وكفاءة استثمارة لفاعلية الانتفاضة على الأرض أن يبعد عن هذا النهج وأن يؤسس لنهج آخر مغاير للتنازلات المتتالية. أمين اسكندر