بيان الكتب: اليهود في ظل الحضارة الاسلامية كتاب جديد للدكتور عطية القوصي صدر مؤخرا في اطار سلسلة فضل الاسلام على اليهود واليهودية التي يصدرها مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة وتوضح صفحات ، هذا الكتاب فضل الحضارة الاسلامية على الجماعة اليهودية وتأثيرها على الثقافة اليهودية من خلال أدلة دامغة بمايؤكد الموقف الحضاري الاسلامي المبني على أساس من قيمتي الاخوة الانسانية والتسامح العقائدي اذ أن حياة اليهود في الدولة الاسلامية وصلت الى درجة من الازدهار والتقدم دفعت بعض المؤرخين اليهود الى اعتبار حياتهم في ظل الدولة الاسلامية تمثل العصر الذهبي في التاريخ اليهودي ففي ظل التسامح الاسلامي تمتع اليهود بكل الحقوق الدينية والمدنية وحققوا مكانة اجتماعية واقتصادية عظيمة وتولوا المناصب المهمة ومنها منصب الوزارة وبزغ من بينهم العلماء والأطباء والفلاسفة والفقهاء الذين تلقوا تعليمهم على أيدي العلماء المسلمين وارتفعوا بشأن قومهم وأداروا شئون حياتهم في ظل رعاية اسلامية شرعية باعتبارهم أهل ذمة وأهل كتاب. ويعطى هذا الكتاب معالجات متنوعة للحقوق المدنية والدينية لليهود وللوظائف الدينية والسياسية لهم في ظل الدولة الاسلامية وللدور اليهودي في الحياة الاقتصادية في الدولة الاسلامية وأخيرا معالجة لأوضاع اليهود في ظل الحكم الاسلامي بالأندلس. في الفصل الأول يوضح الكتاب كيف كان اليهود يتمتعون بكافة حقوقهم المدنية والدينية كاملة تمشيا مع سياسة التسامح التي كفلها الاسلام لأهل الذمة وأصبحوا بذلك عناصر فعالة في المجتمع تتمتع بحماية الشريعة الاسلامية واستمرار هذه المعاملة الطيبة على الدوام ولم تتغير وتتعرض حقوقهم للنقصان الا في فترات قليلة تعرضوا فيها لبعض القيود في اللباس وفي الركوب في عهد بعض الحكام المتشددين أمثال الرشيد والمتوكل من الخلفاء العباسيين والحاكم بأمر الله من الخلفاء الفاطميين اذ أن الاسلام حث على اصطناع الرفق مع رعايا الدولة الاسلامية ممن لم يعتنقوا الاسلام وأوصى بحسن معاملتهم والتزام العدالة معهم تنفيذا لوصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي قال: من ظلم معاهدا أو كلّفه فوق طاقته فأنا حجيجه». والحكومات الاسلامية في مختلف العصور لم تتدخل في الشعائر الدينية لأهل الذمة بل كان يبلغ من بعض الخلفاء أن يحضروا مواكبهم وأعيادهم وأن يأمروا بصيانة دور عباداتهم فكان في الدولة الاسلامية مايضمن لكل ديانة من ديانات أهل الذمة كيانها الخاص فلا يجوز للمسيحي أن يتهود ولا لليهودي أن يتنصر ولا يكون تغيير الدين الا اذا كان دخولا في الاسلام ولم يكن النصراني يرث المسلم ولا المسلم يرث غير المسلم يهوديا كان أو نصرانيا أما حياة الذمي فإنها عند الأمامين أبي حنيفة وابن حنبل تكافئ حياة المسلم وأن ديته هي دية المسلم نفسها ويقال أن النبي صلى الله عليه وسلم والخليفة عمر بن الخطاب قد اباحا دم المسلم الذي يقتل أهل الذمة غيلة. ولم يكن اليهود منبوذين في الدولة الاسلامية مثلما كان حالهم في أوروبا في العصور الوسطى يسكنون في احياء مغلقة عليهم عرفت باسم الجيتو بل كانوا يسكنون مع المسلمين ان شاءوا وانه لم يكن في المدن الاسلامية احياء مخصصة لغير المسلمين بحيث لا يتعدونها. الوظائف الدينية والسياسية يتناول الفصل الثاني وظائف اليهود الدينية والسياسية في ظل الحكم الاسلامي حيث يحكى كتاب اليهود أن الخليفة عمر بن الخطاب أقر تعيين الحاخام الأكبر البستاني رئيس جالية اليهود بالعراق رئيسا دينيا لكل الطائفة اليهودية في العالم الاسلامي بعد أن فتح المسلمون العراق واستخلصوه من الفرس كذلك ذكروا أن الخليفة عمر منح هذا الحاخام لقبا جديدا مميزا له وهو لقب (رأس الجالوت) عل أن يتولى شئون اليهود في الشرق والغرب كما كان حالهم عليه قبل الاسلام هذا وقد ظهرت وظيفة دينية أخرى كبرى عند اليهود وتحت راية الحكم الاسلامي ولم تكن هذه الوظيفة تقل في خطورتها عن وظيفة رأس الجالوت إن لم تكن تأتي في المرتبة الأولى من الأهمية عند شعب اليهود وهذه الوظيفة عرفت باسم الجاؤونية وعرف صاحبها باسم الجاؤون والماعون وهي كلمة عبرية وجمعها جاوئيم وتعني حرفيا الأفخم أو المعظم وكان هذا اللقب يعطى لكبار علماء الشريعة اليهودية وقد وجدت هذه الوظيفة في الأكاديميتين اليهوديتين الكبيرتين في بلدتي سورا وبمبادئنا وكان اليهود يعتبرون هاتين الأكاديميتين صاحبة السلطة الدينية العليا فيما يختص بأمورهم الدينية وبقانونهم المدني وتخول هذه الوظيفة لصاحبها الاجابة على اسئلة اليهود الشرعية والقانونية التي ترد من مختلف البلاد ويرسل الجاؤون نوابا عنه الى البلاد يسمون نواباً وكانت مهمتهم تفسير أحكام الجاؤون وفض المنازعات بين اليهود وجميع تبرعات شعب اليهود للجاؤونية. ومع قيام الدولة الفاطمية في مصر انفصل يهود المشرق عن يهود المغرب وقامت رئاسة جديدة ليهود العرب في مصر وفلسطين وعرف رئيس اليهود الجديد باسم أمير الأمراء أو باسم الناجد أو أمير الدياسبورا واستقل هذا الرئيس عن رأس الجالوت في العراق وقام بتعيين أحبار اليهود في مصر والشام وجمع صاحب هذه الوظيفة بين اختصاصات رأس الجالوت السياسية واختصاصات الجاؤون الدينية. كما انتشرت في بلاد العالم الاسلامي وحدات يهودية صغيرة نشطة وخاصة في مدن مصر الصغيرة وكانت هذه الوحدات بمثابة جمعيات محلية أو مجالس بلدية وعرف رئيس الجمعية في كل بلد باسم المقدم وعرف بقية الاعضاء باسم الجماعة ولذلك كان يعرف أحيانا باسم مقدم الجماعة وكان الحاكم المسلم يوافق على تعيين صاحب هذه الوظيفة وكان عمل المقدم هو عملا دينيا اجتماعيا فيقوم بإمامة الفلاحين اليهود في الصلاة ورعاية اليهود الاجانب الوافدين الى بلدته وتسهيل أمور طائفته أمام السلطات الحكومية المركزية واداء الخدمات الاجتماعية اليهودية مثل أعانة الفقراء واليتامى والأرامل والمرضى والعجزة والاهتمام بالمراسم الدينية ومراسم دفن الموتى. ومن الوظائف الدينية التي وجدت بين اليهود في ظل الدولة الاسلامية وظيفة الحزان وهو بمثابة الخطيب يصعد المنبر ويعظهم وكذلك وظيفة الديان أو القاضي وهناك وظيفة الناسك وهي وظيفة اخلاقية يكون صاحبها شريفا لنسبته الى بيت داود وهناك أنصار وظيفة رأس الملة اليهود وهو لابد أن يكون عالما ولذلك يعد رئيسا للقضاة اليهود والديان الأكبر أما الحبر فهو رئيس بيت الدين وهو غير القاضي والحبر حين يموت قاضي منطقة من المناطق ويحدث خلاف فيها حول من يخلفه يقوم بحسم الأمر ويختار هو القاضي لهذه المنطقة الحالية. أما عن الوظائف السياسية لليهود في الدول الاسلامية فقد استطاع بعض رجال الدين بسبب إجادتهم التصرف في الشئون الادارية وخاصة المالية منها أن يصلوا الى بعض الوظائف السياسية الهامة في الدولة الاسلامية وذلك بعد اعتناقهم الاسلام توصلوا الى منصب ولاة الاقاليم ووصلوا أيضا الى كرسي الوزارة وبخاصة في عهد الفاطميين هذا بالرغم من أن اليهود في العصور الوسطى عموما يتجنبون العمل في الوظائف الحكومية سياسية كانت أم ادارية ويفضلون العمل وبخاصة في التجارة عملا بوصايا التوراة. لم يغلق التشريع الاسلامي امام أهل الذمة أي باب من أبواب العمل والكسب بل أعطاهم الاسلام فرصة المساهمة في جميع نواحي الحياة شأنهم في ذلك شأن المسلمين ولذلك رسخت أقدامهم في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة فكانوا تجارا وصيارفة وجهابذة وأصحاب ضياع وأطباء وقد لعب التجار اليهود دورا هاما في تجارة الشرق الاسلامي في العصور الوسطى وانهم كانوا يقومون بالترحال من غرب اوروبا والهند الى بلاد الدولة الاسلامية كما أن عمل اليهود في الصيرفة وفي الجهبذة كان له دور هام لا يمكن اغفاله في الحياة الاقتصادية في الدولة الاسلامية ولقد عرف المسلمون الصيارفة منذ قيام الدولة الاسلامية وانتشر هؤلاء الصيارفة في مدنها التجارية الهامة وقد وجد الصيارفة في الكوفة في اوائل القرن الرابع الهجري واشتغلوا بتحويل الدراهم الفضية الى دنانير ذهب وبحل مشكلة تنوع جودة النقود في العملة الواحدة واختلاف أوزانها بصرف هذه الأنواع بعضها ببعض حسب حاجات أصحابها وكانت الصيرفة من عمل أهل الذمة وذكر أن سبب احتكار أهل الذمة الصيرفة والصياغة هو عدم رغبة المسلمين في أن يكون أولادهم خدما لأهل الذمة العاملين بهذه المهن وكانت للصيارفة مكانة ممتازة في الدولة الاسلامية بسبب هذا الدور المالي المهم الذي قاموا به ويسروا بسببه على الناس تعاملاتهم كما أصبحت لهم ثروات هائلة من وراء عملهم هذا فضلا عن مكاسبهم من التجارة ولقد استمرت وظيفة الصيرفي قائمة والدولة الاسلامية طوال العصور الوسطى ولم ينته العمل بها طوال هذه المدة وقد تفرعت عن الصرافة وظيفة الجهبذة حيث ظهر الجهابذة في الدولة العباسية في القرنين الثالث والرابع الهجري والجهابذة كانوا في الأصل تجارا مثل الصيارفة وقد عملوا أول الأمر بالصيرفة ثم ارتقى بهم الأمر وزاد رقي حالهم فأصبحوا اصحاب بيوت مالية كبيرة بنوك مصرفية تعمل لحساب الخلفاء والوزراء فكان الوزراء يودعون عندهم أموالهم وكانوا بدورهم يشرفون على الحسابات الخاصة لهؤلاء الوزراء كذلك كانوا يقدمون للخلفاء الأموال التي يحتاجونها لاقالة دولة الخلافة من عثراتها المالية ويقومون بدور الوسطاء بين الخلفاء وبين كبار التجار الذين كان الخلفاء يقترضون منهم ولما جاء العباسيون وسعوا عمل الجهابذة في المقاطعات فكان الجهابذة يعاونون الولاة في جباية الضرائب وتحصيل الأموال. وجاءت المرحلة الهامة في تاريخ الجهابذة وهي تحولهم من كتاب خارج الى أصحاب بيوت مالية تقوم بالايداع والتسليف نظير الفائدة ووصل الجهابذة الى هذا الحال بسبب ثقة كبار رجال الدولة فيهم وائتمانهم على أموالهم وكانت خير خدمة يؤديها الجهبذ الى هؤلاء الرجال حفظ أموالهم التي يودعونها عندهم نظير الفائدة بسبب عدم الثقة لتهديد أموالهم بالمصادرة بين الحين والآخر وكانت قد استجدت في الدولة العباسية وشاعت مصادرة أموال الوزراء وكتابهم وخاصة في عهد خلافة المقتدر وكان الجهبذ يستفيد فائدة مضاعفة من الأموال المودعة لديه فهو أولا يأخذ من صاحبها فائدة نظير الايداع وكان يستغل الأموال المودعة عنده في التجارة كما أن الجهابذة كانوا يقومون بتسليف الوزراء وكبار رجال الدولة واتسع أمر سلفياتهم حتى شملت الدولة نفسها وكان قمة ماوصل إليه الجهابذة هو اشرافهم على المصرف المالي الرسمي للدولة العباسية ذلك المصرف الذي أنشأته الدولة عند مطلع القرن الرابع الهجري وكانت مهمة هذاالمصرف الرئيسية هي تسليف الدولة مقابل الفائدة في وقت ضعفت فيه الدولة ولم يستطع عمالها في الأقاليم تحصيل ايراداتها فقررت أن تستلف من الجهبذين اليهود مقابل تركهما يحصلان واردات اقليم من الأقاليم كضمان لأموالهما. يتناول الفصل الاخير من الكتاب حياة اليهود في ظل الحكم الاسلامي بالأندلس مشيرا الى أن اليهود عاشوا فيها قبل أن يفتحها المسلمون ويخلصونها من حكم القوط الغربيين كطبقة مغلوبة على أمرها ومقهورة في كيانها مضطهدة في دينها وجاء الاسلام الى هذه البلاد فرفع راية العدل والمساواة فيها وخلص الطبقات المضطهدة معاونة مما حاق بها من اضطهاد وكان اليهود أول هذه الطبقات التي استفادت من هذا الحكم العادل المتسامح لذلك عندما جاء طارق بن زياد بقواته لفتح هذه البلاد وجد من عاونه من اليهود لدرجة أنهم هم الذين دلوه الى طليطلة عاصمة القوط بعد ان هرب منها أهلها ولم يبق سواهم وقد كافأهم المسلمون على ذلك فاتخذوا منهم حرسا لما يفتحونه من البلاد الى جانب الحرس الاسلامي وكان القرنان التاليان للفتح الاسلامي للأندلس نواة ازدهار اليهود في ظل الاسلام فلقد عاش اليهود جنبا الى جنب مع مسلمي الأندلس وتمتعوا هناك بنسيم حرية الاسلام وعدالته وكان لليهود قوانينهم وقضاتهم وكانت الادارة الاسلامية لا تتدخل في شئونهم بل كان للجماعة اليهودية الحق في تطبيق ماتصدره محاكمها من عقوبات وفي الحالات التي كان الخلاف يقع فيها بين مسلمين ويهود كان الامر يرفع لقاضي المسلمين مثلما كان الأمر عليه في بلاد المشرق الاسلامي وكانت العلاقة بين المسلمين واليهود متصلة مطلقة من كل قيد مماجعل اليهود يسرعون بالاندماج في جماعة كثيرة مع الزمن وتقلدوا بالتقاليد والعادات العربية وأحرزوا الجاه والثروة والنفوذ وازدهرت أعمال اليهود التجارية والصناعية في الأندلس في ظل الحكم الاسلامي وأدى ازدهار دور اليهود السياسي والاقتصادي الى ظهور شخصيات يهودية كبيرة استطاعت أن تصل الى مراكز الحكم الهامة حتى أن بعضها وصل الى كرسي الوزارة ولقد قام علماء اليهود بالأندلس بترجمة بعض الكتب العربية في مختلف ألوان المعرفة الى اللاتينية والعبرية وبسبب هذه الترجمة اتيح لأوروبا الانتفاع بثمار الحضارة الاسلامية في الأندلس وهكذا استطاع اليهود في ظل راية الحضارة الاسلامية أن يتطلعوا بأفكارهم وأن ينهضوا بتعاليم شريعتهم وأصول لغتهم وأدبهم العبري بعد أن كادت أن تموت كلها تحت ظلام الحكم الأوروبي في العصور الوسطى. فيصل حماد