بيان الكتب:في كتابه الجديد ثياب الإمبراطور «الشعر ومرايا الحداثة الخادعة» يدخل مؤلفه فوزي كريم بشكل مباشر ليعرفنا على قصيدة الشاعر التي يعتبرها محاولة غير قابلة للاكتمال، من محاولاته الشعرية للبحث. وهي لن تنجز بين يديه وتكتمل إلا كلغة، تعكس على قدر عالٍ من الحياء والحرج ومضات من تلك التجربة المودعة في كيانه. وهذه اللغة برأي فوزي كريم «إذا ما أسيئ التعامل معها، هي التي ستحول إلى حاجز وجدار إسمنتي، إلى (أدب). وستحول شاعرها إلى (أديب)» ولعل هذا الرأي المفاجأة الذي يراه فوزي كريم لا يمكننا الوقوف عنده دون متابعة المدخل ثم الغوص بين دفتي كتابه الجديد الصادر عن دار المدى بدمشق والذي قسمه إلى خمسة أقسام إضافة إلى المقدمة المكثفة التي عرض من خلالها آراء سريعة ودقيقة في آن معاً حول الشعر واللغة وارتباط الظاهرة بالسياسة والإعلام ليبدأ مع قسمه الأول «المرايا الخادعة لحداثة الشكل» فهو يرى في هذا القسم ومنذ البداية أن الحجة التي تقول: إن الشعر لا يعكس الواقع بل يسبقه، ويستشرف المستقبل، تبدو حجة مستاغة في الظاهر، ولكنها مخاتلة، غامضة وحمّالة أوجه، فنحن حين نقول إن القصيدة «حديثة» إنما نقرر صفة ولا نضع معيار قيمة تماماً كما نقول هذه القصيدة «كلاسيكية» أو «رومانتيكية». ولا يشرّف القصيدة العظيمة أن تكون «حديثة» أو «رومانتيكية» بل العكس صحيح فما يشرف القصيدة الحديثة والرومانتيكية هو أن تكون عظيمة، لأننا نعرف أن هناك شعراً جيداً وشعراً رديئاً في كل مراحل التاريخ الانساني. وبهذا المعنى فإن فوزي كريم لا يحدد مستوى القصيدة الحديثة إلا بما تتناوله من موضوع وإذا ما كان هذا الموضوع عظيماً فهي العظيمة وإذا اتخذ الكاتب المفاهيم المدرسية ليناقشها فهو لم يتطرق لدلالة لفظ القصيدة التي مازال الخلاف عليها قائما، فقد سميت شكلانياً بأنها قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر ثم قيل عنها بأنها جديدة أو حديثة، وهو بطبيعة الحال إسقاط زمني والزمن متغير غير ثابت فالقصيدة الجديدة اليوم قديمة غداً، وحتى حينما قالوا عنها قصيدة (حرة) فقد ينعكس هذا المصطلح على المفهوم السياسي والاجتماعي اكثر مما يلتصق بالمفهوم المحدد لتسمية الشعر والقصيدة بل لعله يتقارب من الايديولوجيا أكثر من فهم الأدب إضافة إلى ذلك، أليس الشعر العامودي شعراً حراً أو حديثاً وجديداً وبمعنى متوافق أليس (شعر تفعيلة) وإن ثبتت تفعيلاته وتنوعت في بعض بحوره. وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن الفصحى والعامية فهو يرى أن يوسف الخال كان مسكوناً بالثقافة الغربية ويرى أن يوسف الخال حاول أن يوحد بين الأفق الحداثي الجديد للثقافة الغربية وبين قدرات عربيته التي ينتسب إليها كشاعر حاول أمراً مستحيلاً. ويرى كذلك أن مقاربته بين دعوته للغة المحكية وهي لبنانية وبين دعوة «تي. أس. اليوت» للانتفاع من اللغة المحكية التي لم تبتعد كثيراً عن اللغة المكتوبة تبدو غير سليمة. ويعرض في المناسبة نفسها لاجتهاد هادي العلوي الذي حاول تعطيل فاعلية حركات الإعراب، ولكنه استثنى الشعر، لأن الشعر لا يستقيم ايقاعاً دونها، ولكن هذا الاستثناء ينطوي على معنى أبعد من مقاصد العلوي. فمشروعه لا يختلف من حيث الدوافع عن مشروع الخال، فكلاهما بعث الحياة في العربية التي بدت الهوة بينها وبين لغة الناس والحياة تزداد اتساعاً وعمقاً. ويعود الناقد ليوضح أنه في موضوع الشعر هوة أعمق من الهوة التي تفصل اللغة الفصحى عن اللغة العامية. وهي تتبطن الموروث الشعري العربي منذ مراحله الجاهلية الأولى اليوم.. هوة بين الشعر كصناعة أدبية وبين خبرة الشاعر الروحية.. هوة تكشف عن ضرب من استقلال النص الشعري بحكم ارتباطه بصناعة «الأغراض» الشعرية. هذه «الأغراض» التي تنتسب إلى عرفٍ جماعي عام لا يدخل الشعر فيه إلا طرفاً منفذاً بفعل قدرته اللغوية والخيالية. وإلى ذلك يتابع الباحث وضمن السياق التوغل في مفاهيم شعرية متنوعة ليصل إلى الحداثة المصطلح المترجم عن (Modernism) وهي تعني بالتحديد مرحلة من الزمان تنتسب إلى الغرب، والصفة منها تشير، على صعيد الفنون الخيالية وحدها، إلى النتائج الذي اجتمع عليه المبدعون الغربيون بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وأواسطه. وبطبيعة الحال فقد ارتبطت الحداثة بحقول المعرفة وبذلك يرى الكاتب أننا نستعيد نحن موروثاً ثقافياً مزدهراً فصلتنا عنه هوة مظلمة امتدت قروناً وهنا يناقش هذا الموضوع بتوسع وبكثير من المعرفة المعمقة المبنية على منهج علمي واضح. وينتقل فوزي كريم ليتحدث عن مرايا الجذور والمذهبين الشامي والبغدادي داخلاً في البنية الفنية والتاريخية لهاتين المدرستين ليأخذ بعدهما السياب كظاهرة يختارها كما يوضح «في المدرسة الشعرية الحديثة التي بدأت أواسط الأربعينيات ونضجت في الخمسينيات والستينيات فرصة رائعة لردم الهوة التي اثقلت الشعر العربي، بين تجربة الشاعر المستلبة في داخله وبين النص الشعري الذي استحوذ عليه الشكل أو الصنعة». محمد أحمد يوسف