بيان الكتب: في «المحاكمة» تخرج ليلى العثمان من قصور الحريم لتشهر قلمها في وجه اعداء الحياة الذين يريدون للمرأة ان تظل في كهفها المسحور، يحرسها الرجل الأوحد، ذلك الذي ينصب نفسه حارسا للفضيلة، يوجه البوصلة حيث يريد وكيفما يشاء.. وعندما تخرج المرأة عن طاعته، تريد التعبير عن المرأة التي في داخلها، بالكتابة، بأي شيء، ينتفض الشرف العربي صارخا، فترفع الدعاوى ويكون التشهير والملاحقات القضائية، من اجل بضعة سطور اقتطعت من سياقها لتكون دليلا على الجهل والتخلف والركود التي لا يزال يرسف فيها المجتمع الشرقي. تندرج في بند خاص بها، يدعونه: «الحافظة على قيم مجتمعنا الاصيلة». تبدو الكاتبة مضطربة، غير مستقرة، وهذا ما يبدو من خلال الاحداث التي تشكل نسيج العمل والتي لا ينظمها كل موحد، اللهم الحدث (الحامل) الذي ينهض بالعمل من بدايته الى نهايته، ويتضمن وقائع المحاكمة، منذ اللحظة الأولى. وخلال ذلك تتوالى التداعيات والاحلام والانكسارات والخيبات وانفلات تيار الزمن، بين الحاضر والماضي، بين احداث متوقعة واخرى متخيلة، ويبسط السرد سيطرته على المتن الحكائي ليستعرض الواقع الاجتماعي الراهن عبر الانثى وعالمها والمحيط الذي تعيش فيه، ومعاملة الذكر (الاب، الزوج، الابن، المجتمع الذكوري) لها وهي وحيدة، طريدة، منبوذة، مقهورة، حتى بنات جنسها يقفن ضدها وكأنها بفعل الكتاب تفتح باب الشيطان. وفي شيء من الاسى المفتوح على مصراعيه، تبرز بين ثنايا السطور قضية اخرى، فتكون مأساة داخل مأساة اخرى، فالكاتبة العثمان تفتح نافذة وعيها على حياتها السابقة، بدءا من الطفولة ومعاملة الأب القاسية لها الى طلاق امها الى معاملة الاشقاء لها «هكذا عشت في بيت بني على القسوة، زوجة أب، أخ كبير غير شقيق، يضيق بها قاموس النساء الشريرات في الحكايات.. قلوب لا تعرف الرحمة. اشعرتني بيتمي وهشاشة روحي المستلبة، كنت مجرد شيء تافه يكمل العدد ويستخدم آلة لتنفيذ الاوامر.. صار البيت سجنا.. «ص9». تترك ليلى العثمان الحرية للتداعيات. وما بين الثرثرة والهذر نستطيع ان نرسم صورة عالمها وطريقة حياتها في ادق التفاصيل وهي ترسم صورة واسعة للحياة في المجتمع الخليجي كما هي عليه اليوم، او كما كانت عليه قبل اكتشاف النفط. وهي بذلك لا تريد المقارنة بقدر ما تريد ان توصف الحالة التي آل اليها الناس، من الغرائبية والاستهلاك واللامبالاة وحالة التمدن الخارجي. وقد انعكس كل ذلك في الحياة العامة ومظاهرها دون ان يمس الجوهر الداخلي للانسان، حتى صار يعيش نمط الحياة الأوروبية بعقلية جاهلية. وكي يكون العمل اكثر صدقا وواقعية تحشد الكاتبة أسماء شخصيات ادبية وفنية وفكرية عديدة تعاملت معها وصادقتها وقد وقفت هذه الشخصيات الى جانبها في محنتها التي تفجرت عندما رفع اربعة اشخاص عليها دعوى بمخالفة القانون وخدش الحياء العام وذلك مع الكاتبة عالية شعيب. وقد جاء في الاتهام: قرر الشاكون، انهم وبعد مطالعتهم الكتب المعروضة: (الرحيل ـ في الليل تأتي العيون) فوجئوا بأن الكتب التي تحمل قصصا قصيرة تدعو الى ممارسة الرذيلة وتحمل عبارات جنسية بشكل صريح ـ واحيانا بالايحاء وهذا مخالف للشريعة والنظام القانوني الاجتماعي للدولة وطالبوا بتحريك الدعوى الجزائية ومنع تداول هذه الكتب «ص38». وهذان الكتابان منشوران منذ مدة طويلة وهما قيد التداول بموافقة وزارة الاعلام عام 1980، فما هو السبب الذي جعلهم يحركون مثل هذه القضية في هذا الوقت؟ ربطت الكاتبة هذا التوقيت مع الحركة الناشطة للمرأة الكويتية من اجل دخولها البرلمان وقد جاء في ردها على اسئلة المحقق «انا لم اقصد من تلك القصص اي اثارة او تحريض او اباحية او دعوة لممارسة الرذيلة، انما جاء الطرح صريحا وجريئاً لان موضوع القصة يتطلب ذلك» ص 38. وتؤكد الكاتبة على ان وراء هذه القضية تيار سلفي متحجر يلاحق التطور الاجتماعي في كل مجال «وهذا يعني الحد من حرية الكاتب والسيطرة على فكره وارغامه للتوجه الى ما يريده هؤلاء ليس ما يريده الكاتب وانا ارفض الحجر على فكرة الكاتب» ص41. ينتهي التحقيق وتصرف ليلى العثمان من النيابة بدون كفالة ويستعجل تنفيذ باقي المطلوب. وتبدأ رحلة العذاب والتعذيب النفسي في الانتظار ومتابعة القضية وملاحقة الناس للكاتبة والاسئلة التي تتقاذفها الألسن وموقفها كأم أمام ابنائها. وتسرد الكاتبة ردة الفعل التي آثارها خبر الاستدعاء. فتقف الصحافة الى جانبها. كما يستنكر الاصدقاء هذه الحملة الظالمة وتجد تعاطفا حميما من الأهل والقراء وآخرين تعرفهم ولا تعرفهم ويقف الجميع في وجه الذين نصبوا انفسهم اوصياء على القيم والأخلاق واخذوا يطاردون كل من يتحدث في اشياء تعارض فكرهم السياسي وتوجههم المعاكس لطبيعة واحداث التطور الانساني والاجتماعي، كما جاء في صحيفة السياسة. في انتظار جلسات المحاكمة يعكس الخوف والقلق والرعب في رأس الكاتب ويخرج على شكل كوابيس وردات فعل عنيفة تظهر في النكوص الدائم الى الطفولة وتقف عند أحداث وقعت لها وأثرت في نفسها، لا بل انها تركت شروخا عميقة بدت واضحة في الانفعالات العنيفة والعصبية الزائدة وعدم القدرة على تدبير الأمور والنزق والهروب الدائم، الى لبنان او الى كتب الاصدقاء وآرائهم وشعرهم واقوالهم ومواقفهم. وحتى تحين ساعة النطق بالحكم كان لابد من البحث عن اكثر من منقذ. فيصل خرتش