بيان الكتب: يتساءل الدكتور عبدالحسين العطية في كتابه «الاقتصادات النامية ... أزمات وحلول» فيما إذا كانت الحكومات في البلدان النامية تستطيع أن تتولى حماية مصالح شعوبها بعد أن فقدت دورها، كسلطة عليا في اتخاذ القرارات الاقتصادية العليا؟ وهل يستطيع القطاع الخاص المحلي الدفاع عن المصالح الوطنية بعد أن تسلم قيادة الحياة الاقتصادية بالتعاون مع النخبة السياسية الجديدة من فئة التكنوقراط التي تتطلع للتطورات السريعة بالعالم في مجالات تكنولوجيا المعلومات؟ في اطار سؤال الأزمة هذا يقدم المؤلف مقترحا استراتيجيا لتحقيق التنمية الاقتصادية في البلدان النامية، لكنه يعود إلى أوضاع وتحولات الاقتصاد العالمي المعاصر ويتوقف، في فصول عدة، عند أهم المظاهر الجديدة لهذا الاقتصاد. يبحث الفصل الأول من الكتاب النظام العالمي الجديد وملامح الفكر الاقتصادي المعاصر ويستقريء فيه الأسباب التي أدت إلى ظهور النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ويرى انها ثلاثة، هي: انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وما نتج عن ذلك من تراجع النظام الاشتراكي وعودة وحدة الاقتصاد العالمي، ومن ثم دخول العالم في أزمة اقتصادية طاحنة. وهذا يعني ان منعطفات كثيرة أخذت تمارس دورها في الاقتصاد الجديد، لذا يعكف العطية على استقراء تطور الفكر الاقتصادي والحلول المقترحة لأزمة العالم الاقتصادي. ووجد ان هناك اتجاهين، الأول يتمثل بالحلول القومية، وهي حلول تهدف إلى مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعرض لكل بلد عن طريق ايجاد حلول اقتصادية (مالية ونقدية وتجارية)، داخليا أو قوميا. وقد اشتهرت في هذا الاتجاه (القومي) مدرستان هما: المدرسة المحافظة الذي يمثلها التيار الليبرالي المتطرف ومدرسة النقديين (مدرسة شيكاغو)، وترى هذه المدرسة ان الرأسمالية كنظام اجتماعي لا تنطوي على عيوب خطيرة وإذا كانت هناك عيوب فإنها ترجع إلى العوائق التي تحول دون عمل قوانين الاقتصاد الحر. أما المدرسة الثانية فهي المدرسة التقدمية أو التيار الاصلاحي (مدرسة الاشتراكية الجديدة)، إذ تؤمن بأفضلية الرأسمالية كنظام اجتماعي ويعتقد ان قدرتها على النماء والتقدم مازالت قائمة بشرط التغلب على المشاكل التي تواجهها. والحقيقة ان هذا التيار ينطلق من الأرض الكينزية، وإن كان يعلن صراحة انتقاده لها، ويؤكد على ان الكينزية لم تعد ملائمة لتفسير وعلاج مشاكل الرأسمالية المعاصرة. إلى جانب الحلول القومية هناك حلول عالمية للأزمة الاقتصادية يمثلها اتجاه آخر يهدف إلى ايجاد حلول للمشاكل الاقتصادية التي تعرضت لها دول العالم جميعها دونما استثناء في أواخر القرن العشرين بعد ان عادت وحدة الاقتصاد العالمي مع زوال الستار الحديدي الذي كان يفصل بين الاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي. ولذلك يدعو أنصار هذا الاتجاه إلى بحث المشاكل الاقتصادية التي تواجه دول العالم المتقدمة منها والمتخلفة والفقيرة من زاوية واحدة على اعتبار ان العالم اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وبيئيا وحدة متكاملة، ولم تعد المسافات تفصل بين الأقاليم والقارات ولا بين الشعوب. مثلما لم يعد للحدود الرسمية المعنى الحقيقي للسيادة الوطنية بعد ان عبرتها الشركات المتعددة الجنسيات أو هيمنت المنظمات الدولية على مصير وتقاليد الأمم والشعوب. ازاء هذين التيارين الاقتصاديين يتساءل المؤلف عن استعدادات الدول العربية للتعامل مع هذه المستجدات لتكون فاعلة ونافعة ازاء ما سيسود العالم من تغييرات وأحداث جديدة، ستمس في تأثيرها المنطقة العربية شئنا أم أبينا! ولفرض الاجابة يعتقد ان العالم بحاجة إلى نظام عالمي جديد يخدم الشعوب كافة، ومنها الشعب العربي، يقوم على مبدأ تقليل الفروق بين دول الشمال ودول الجنوب من خلال: تنمية دول الجنوب بمعدلات تفوق معدلات نمو الشمال اقتصاديا واجتماعيا، وايقاف النهب الذي تمارسه الدول الصناعية المتقدمة لثروات الدول النامية عن طريق التبادل التجاري، واعادة توزيع الثروة العالمية، كما انه على البلدان العربية، شعوبا وحكومات أن ترتب أوضاعها الاقتصادية والسياسية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في التنمية والتكامل مستفيدة من التحولات العميقة والاستفادة القصوى من بعض الجوانب الايجابية في الاقتصاد العالمي المعاصر. في الفصل الثاني يأخذنا المؤلف إلى المظاهر الجديدة للنظام الاقتصادي المعاصر، ومن ذلك الخصخصة، والتي يعرفها بأنها: مجموعة القوانين والأنظمة والاجراءات التي تتولى نقل ملكية وإدارة بعض أصول وحدات القطاع العام إلى القطاع الخاص، أفرادا أو شركات والغاية من ذلك هي تحسين أداء الأداء الاقتصادي لهذه الوحدات خدمة لمسيرة الاقتصاد بواسطة برامج الاصلاح الاقتصادي التي تبناها وشجع عليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وهذا يعني ان الخصخصة هي احدى سياسات الاصلاح الاقتصادي اللازمة لتحقيق التنمية التي برزت بعد تحول استراتيجية التنمية من الأنموذج الشمولي إلى الأنموذج التحرري المبني على آلية السوق. إلى هذا يلقي المؤلف الأضواء على تجارب عدة للخصخصة العربية بمصر والأردن، ويتحدث عن الترتيبات المؤسسية للخصخصة المبنية على قاعدة قانونية، ومن ثم يتعرض إلى ايجابيات الخصخصة وسلبياتها لكنه يتوقف عند محطات الخصخصة في التاريخ الاقتصادي، والجوانب الايجابية والسلبية لها. وفي أي حال وجد العطية انه إذا كانت الخصخصة نابعة من قناعة وطنية عبرت عنها التنظيمات السياسية والمهنية وفقا لمرحلة تاريخية من اقتصادها الوطني، وحددت أهدافها، ودرست اجراءاتها، وهيأت وسائلها وأجهزتها اللازمة من أجل تحقيقها وفقا لمصلحة وطنية عليا وليس لمصلحة فئة محددة من المنتفعين، فإن الخصخصة كمبدأ وكأسلوب في الحياة الاقتصادية ستحل مكانا مرموقا في نفوس الشعب، وسيسعى الشعب لجني ثمارها ومزاياها ويتجنب سلبياتها ومساوئها منذ البداية. من الخصخصة إلى العولمة يأخذنا العطية عبر الفصل الثالث من الكتاب ليتبين آثارها السلبية. فهو يعتقد ان العولمة الاقتصادية ظاهرة جديدة تسود عالمنا وفي المستقبل القريب بعد أن تربع النظام الرأسمالي على عرش المجتمع الرأسمالي. وصار عدم تدخل الدولة إلى جانب تحرير التجارة وحرية تنقل رؤوس الأموال، وخصخصة المشروعات والشركات الحكومية وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات، صارت كلها أسلحة استراتيجية في ترسانة الحكومات المؤمنة بأداء السوق، وفي ترسانة المؤسسات والمنظمات الدولية المسيرة من قبل هذه الحكومات، والمتمثلة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية. للعولمة غايات منها: حرية انتقال السلع عن طريق ازالة الحواجز والحدود أمام حركة التجارة العالمية. وتعميم وتوسيع الخصخصة على جميع القطاعات الصناعية والزراعية والنقل والمواصلات والبنية التحتية وتصفية القطاع العام. وحرية انتقال رؤوس الأموال الفائضة بالبلدان الغنية واحياء سوق عالمي لرؤوس الأموال. كذلك حرية انتقال العمالة وفرص العمل الضائعة وشراء العقول من الدول النامية، ومن ثم تقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وفتح الباب على مصراعيه لهيمنة المنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسية. في ضوء هذا الفهم يدرس المؤلف حرية انتقال السلع وهيمنة الشريك الاستراتيجي وجبروت الأسواق المالية وبرنامج شراء العقول وتقليص دور الدولة، ويتوقف عند أهم الآثار السلبية لإزالة الحدود أمام رؤوس الأموال السائبة ومنها: خداع الدول الفقيرة بتوفير رؤوس الأموال لها، والتشجيع على ارتكاب الجرائم الاقتصادية (تهريب رؤوس الأموال) وسحب رؤوس الأموال إلى الدول الكبرى. ويخلص إلى القول ان تجارة البلدان النامية الخارجية (استيراد وتصدير) ستخضع كليا لنفوذ الشركات العالمية ولا سيما متعددة الجنسيات مما يؤدي إلى تقلص نشاط القطاع التجاري الوطني في البلدان النامية، إذ سيتحول ناشطو هذا القطاع إلى مجرد وكلاء لتصريف منتجات الشركات العالمية. وان أسعار السلع المستوردة والمصدرة ستخضع للمضاربة والاحتكار الدوليين. في فصل لاحق يدرس المؤلف الشراكة العادلة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية كحل ممكن لصالح الطرفين. ومن تحقيق هذا يرى انه يتوجب على البلدان النامية والبلدان الصناعية وضع استراتيجية تتضمن تحديد الأهداف التي تخدم اقتصاديات البلدان النامية من أجل تحقيق معدلات مرتفعة من النمو تفوق معدلات النمو في البلدان الصناعية من أجل تجسير الهوة التي تفصل بينهما في الأمد الطويل، وعلى البلدان الصناعية أن تعمل لازالة الشكوك التي تثور بسبب الشراكة غير العادلة. لهذا الغرض يقترح العطية استراتيجية لتحقيق التنمية الاقتصادية في البلدان النامية على وفق مبادئ أساسية هي: 1 ـ مبدأ توافر البيئة الملائمة للتنمية الاقتصادية. 2 ـ مبدأ اعطاء الأولوية في الاهتمام للعنصر البشري. 3 ـ مبدأ تدخل الدولة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. 4 ـ مبدأ التعاون والتكامل بين القطاع العام والقطاع الخاص. 5 ـ مبدأ الاستخدام العلمي لآلية التخطيط ولآلية السوق. 6 ـ مبدأ الاعتماد على الذات أولا وعلى المساعدات الخارجية ثانيا. 7 ـ مبدأ حماية ثمار التنمية الاقتصادية من الآثار السلبية للتجارة الدولية. وبعد، إن كتاب الباحث الأكاديمي المخضرم الدكتور عبدالحسين العطية يعد واحدا من الدراسات النقدية المهمة في حقل اقتصاديات العولمة الجديدة. وهو ما يقدمه من رؤية للخروج باقتصاديات العالم الثالث يكون قد وضع خطوة في مجال يشهد فيه الفكر الاقتصادي العربي أزمة خانقة غالبا ما تحول دون توصله إلى مخارج لأزماته! د. رسول محمد رسول