بيان الكتب: دأب معهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب على رفد المكتبة العربية والعالمية، بدراسات وتحقيقات لكتب وابحاث لها عمقها المعرفي، ولعل الكتاب الذي يحمل العنوان اعلاه، من اهم الكتب، التي تؤرخ لعلم الطب في البلاد العربية. بدأ الباحث «محمد كمال شحادة» كتابة المؤلف من 341 صفحة، بموجز عن تاريخ الطب في العصر الجاهلي، وفجر الاسلام، ودور الترجمة العلمية في العهدين الأموي والعباسي، في دفع هذا العلم نحو التطور والبحث العلمي، وجاءت مرحلة التأليف الذاتي والموسوعي، لكبار العلماء المسلمين، أمثال الامير الأموي «خالد بن يزيد» ثم عبقريات «الرازي» و«الزهراوي» و«بن سينا». وتحدث بإسهاب عن الطب النبوي، وتطوره، حتى بلغ مرحلة متقدمة في بداية الأمويين، على يد عبدالملك بن أبحر الكناني، الذي تخرج من مدرسة الاسكندرية، ودرس الطب فيها، ومن بعده اصبح السرياني «ابن اثال» اشهر اطباء دمشق واصبح طبيب معاوية الشخصي. ويتابع الباحث تطور المعارف الطبية حتى ظهور البيمارستانات، والتي اعتبرها جامعات لعلوم الطب ساهمت في تخرج الكثيرين منهم. على مسار الحضارة العربية الإسلامية وعدد اشهرها في مصر «العتيق» «الناصري»، «القلاووني» وفي سوريا، النوري الكبير بدمشق، النوري العتيق في حلب.. الخ. ثم صنف بحثه «تاريخ التعليم الطبي في العصر الحديث، منذ القرن الخامس عشر وحتى التاسع عشر الميلادي فذكر المدارس الطبية المصرية في أبوزعبل وقصر العيني التي تأسست 1827م في مصر ايام دولة محمد علي باشا. وذكر الكلية السورية الانجيلية الأمريكية في بيروت عام 1867م، والكلية الفرنسية للصيدلة والطب في بيروت عام 1883م، ومن بعدها جاءت المدرسة الطبية العثمانية في دمشق عام 1903م، والمعهد الطبي العربي المؤسس عام 1916م. وفي اخر هذا الكتاب البحثي، يتحدث الباحث «شحادة» عن الكلية الطبية العراقية، التي تأسست عام 1927م في بغداد، والمدرسة الصيدلية عام 1936م، ويستعرض اسماء وابداعات اشهر من عملوا في هذا العلم «الطبي والصيدلي» على مستوى الوطن العربي، والذين تخرجوا من هذه المحافل العلمية الرائعة. ان الاستعراض التاريخي لتاريخ الطب في الحضارة العربية الإسلامية، اضفي على الكتاب نوعا من البحث الدراسي الموضوعي الموثق، مما جعله مرجعا لكل باحث حول تاريخ الطب عند العرب، واثبت بالوثائق دور جامعة القرويين في المغرب، دورها العلمي في حقل الطب، حتى دمرها الاسبان عام 1161م، وذكر دور «المدرسة المستنصرية» في بغداد و«الدخوارية» بدمشق، واللبودية النجمية بدمشق. والدنيسرية بدمشق ايضا، وكلها مدارس وثقها بن أبي اصيبعه الطبيب المشهور. ويبدأ الكتاب بالشكل المنهجي، الموثق عبر تاريخ المدرسة الطبية المصرية المؤسسة عام 1827م، ذاكراً دور محمد علي في اقامة هذا الصرح العلمي العظيم في الشرق، بعد غيبوبة معرفية، دامت لقرون تحت خضوع الحكم العثماني وكيف جاء «انطوان كلوت» الفرنسي كطبيب، ليؤسس مع 20 طبيبا من بني جلده، هذا الصرح العلمي وقسمه لعدة اقسام علمية طبية: الفيزياء، الكيمياء، النبات، التشريح، الفسيولوجيا، علم الصحة، السموم، المفردات الطبية، التشخيص المرضي الداخلي والخارجي، هذه العلوم المساعدة لعلم الطب، اصبحت اساس كل الدراسات العلمية الطبية في الوطن العربي خلال القرنين الماضيين، ويذكر الباحث ان مدرسة ابي زعبل حوت 150 شابا مصريا، لدراسة علوم الطب باللغة العربية والفرنسية. وكيف توجهت الدولة في مصر، لدعم هذه المدرسة الطبية، بوقف الاراضي والأموال، لدعمها في علومها ودراساتها، وخصوصا في الأمراض المنتشرة في مصر آنذاك. ثم جاء القصر العيني، وأصبح مكانا لتدريب الطلاب ومعالجة المرضى. ويذكر الباحث شحادة ان محمد علي عندما توسع نحو بلاد الشام، وضم سوريا لدولته، نقل هذا التطور العلمي لها.. وبنى مستشفيات ومدارس طبية، على غرار أبي زعبل والعيني، ففي حلب بنى مستشفى امام قلعة حلب حاليا، ويسمى المستشفى الوطني وحاليا مدرسة للتمريض، ويعتبر نموذجا مصغرا للقصر العيني. ومازال هذان الصرحان الطبيان في مصر باقيين لخدمة الطب العربي. ويذكر الباحث اهم الاطباء الذين تخرجوا منها: حسن غانم الرشيدي ـ محمد الشافعي ـ عبدالعزيز هراوي ـ ميخائيل مشاقة (لبناني) ـ حسن محمود. وكلهم حملوا لقب «باشا» أو «بك» بعد تخرجهم، وعملهم في هذا الحقل وكلهم ارفدوا المكتبة الطبية العربية بعدة أبحاث ودراسات. الكلية السورية الانجيلية البروتستانتية في بيروت اسسها الأمريكيون عام 1866م، بقصد التبشير للمذهب البروتستانتي. ولعل الصراع المذهبي المسيحي في لبنان، في تلك الفترة، ادى الى انتشار المدارس بشكل ملحوظ، لجذب ابناء لبنان وسوريا الى الدراسة، ومنها للتبشير، ولعل بطرس البستاني، وناصيف اليازجي، ويوسف الاسير، ساهما بشكل واضح في دعم هذه الارسالية الامريكية، وتحريضها على افتتاح كلية للعلوم الحديثة، وكان ايلي سميث «الطبيب الامريكي في جامعة ييل yale الصديق للزعماء الثلاثة المذكورين اعلاه، هو من فكر بذلك، وقام بترجمة التوراة والانجيل للعربية، ووطد صداقته مع نخبة المجتمع اللبناني والبيروتي خاصة. وفي عام 1866م اسست الكلية، وبعدها بعام واحد افتتح قسم لدراسة الطب، وعام 1871م اضيفت العلوم الصيدلية الى برنامج الطب، ثم الحق بها مشفى عام 1872م، حوى 82 سريرا، وعدة ممرضات ألمانيات، واصبح الدكتور «جورج بوست» رئيسا للمستشفى. ومازالت الجامعة الأمريكية ومستشفاها في بيروت، من اشهر الأماكن العلمية، في حقل الطب والصيدلية في الشرق العربي، واشهر الاطباء الذي تخرجوا في الدفعة الأولى عام 1871م، رشيد شكر الله ـ سليم فريج ـ سليم دياب ـ شبلي شميل ـ يوسف حجار.. الخ. والجدير بالذكر، ان نخبة الاطباء العرب، خلال الخمسة العقود الأخيرة، كانوا من خريجي هذا الجامعة، وساهمت هذه الكلية بالتنوير العقلي والعلمي والمعرفي، لكل من درس فيها، لأنها تبنت المنهج البحثي حصرا، وابتعدت عن العلوم الغيبية، وكانت اللغة الانجليزية هي المقررة مع اللغة العربية الأم. كلية الطب الفرنسية في بيروت وأسست في عام 1880م، على يد البعثة اليسوعية الكاثوليكية الفرنسية، حيث قام «باتريمونيو» قنصل فرنسا العام في سوريا، بتقديم طلب لحكومته في باريس، لبناء مثل هذه الجامعة، للدفاع عن مصالح بلاده، ولتدعيم مركز فرنسا في الشرق أمام التوسع الانكلوأمريكي.. وفعلا رصدت الحكومة الفرنسية مبلغ 150 الف فرنك لمساعدة المرسلين اليسوعيين في لبنان لبناء كلية للطب. ثم جاء عام 1889م، وتم الحاق بناء كقسم للصيدلة، وفي عام 1914م، كان عدد الطلاب فيها 355 طالبا 305 للطب و50 للصيدلة. ويذكر الباحث ان الكلية اليسوعية، توقفت عن التعليم في بداية الحرب الأولى مع الدولة العثمانية حتى انسحاب العثمانيين من البلاد العربية عام 1918م. وبقيت الكلية الأمريكية، لعلاقة أمريكية الجيدة مع السلطنة العثمانية، وعدم دخولها الحرب الأولى ضد العثمانيين. وحين دخلت فرنسا سوريا ولبنان بعد الحرب الأولى، تم افتتاح مستشفى، وألحق بالكلية اليسوعية، وحظيت الكلية اليسوعية بدعم فرنسا الكامل، للحد من نشاط الكلية الأمريكية. المدرسة الطبية العثمانية والمعهد الطبي العربي بدمشق ان الدولة العثمانية لم تشهد تطورا علميا ومعرفيا في حقلي الطب والصيدلة، إلا ايام السطان محمود الثاني عام 1827م، وفي الاستانة وحدها، وبقيت باقي الولايات محرومة من هذا العلم، واضطر معظم ابنائها للذهاب الى الاستانة للدراسة، وكان هذا شاقا، وعندما قامت في مصر ولبنان كليات لهذا العلم المطلوب عند شعوب المنطقة، شعر السلطان عبدالحميد الثاني بوجوب فتح مدرسة في ولاياته العربية، فكانت دمشق مكان قراره، وذلك عام 1903م. وفي قصر زيور باشا في الصالحية، بدأت الدراسة بـ6 سنوات و4 سنوات، في بناء قصر زيور باشا، والباقي في المستشفى الحميدي بدمشق والمعروف بمستشفى الغرباء. واصبحت اللغة التركية لغة الدراسة الرسمية في المدرسة، وعلمها نخبة مدرسي دمشق «عبدالوهاب الانجليزي» احد شهداء أيار وعبدالقادر العظم. وثق الباحث شحادة عدد الطلاب في السنة الأولى 25 طالبا، و15 للطب و10 للصيدلة وعام 1906م، بلغ عدد طلابها 202، وعلم فيها الطب والصيدلة، الدكتور رضا سعيد، والدكتور احمد شوكت الشطي، وهما من خريجي الكلية الطبية باسطنبول، وحتي قيام الحرب العالمية الأولى وانسحاب العثمانيين من سوريا، فقد بلغ عدد الاطباء 240 طبيبا، و289 صيدليا، معظمهم سوريين، وفيهم اتراك وأرمن، ومعظمهم كانوا في بلاد الشام. وبعد تأسيس الحكومة الفيصلية العربية في دمشق 1918م، اصدر فيصل الأول قراراً باستمرار المدرسة العثمانية، تحت اسم المدرسة العربية، لمتابعة تدريس الطب والصيدلة، واصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية فيها، قام بتدريس الصيدلة السادة عبدالوهاب القنواتي ـ فهمي ابوالسعود ـ شوكت الجراح ـ منير المحايري. اما الاطباء المدرسون للطب فهم سعيد السيوطي ـ مرشد خاطر ـ سامي الساطي ـ منيف العائدي ـ الزعيم الوطني عبدالرحمن شهبندر ـ توفيق الدقر.. الخ وكلهم خريج المدرسة العثمانية في دمشق او الاستانة. وكانت اللغة العربية هي المستخدمة في التدريس، ويقول الباحث التركي احسان اوغلي حول هذا الموضوع: كان تتريك الطب في الحقيقة شبه استغراب له وممهدا للاستغراب الكامل اذ كان نحو 90% من مصطلحاته الفاظا عربية. واول دفعة تخرجت منها عام 1919م، بلغ عددها 48 طالبا، منحوا لقب دكتور في الطب ومعظمهم كانوا طلابا في المدرسة العثمانية حتى عام 1918م، ومن ثم تابعوا العلم في نفس المدرسة بعدما اصبحت باسم المدرسة الطبية العربية، ومن اشهر المتخرجين كامل اشرفيه ـ حسني سبح ـ زكي الفحام ـ صبح الكاتب ـ جميل الشراباتي ـ مصطفى المرعشلي.. الخ ومع دخول الجيش الفرنسي لدمشق، وسقوط حكومة فيصل الأول، توقفت المدرسة عن نشاطها العلمي حتى عام 1923م، حيث احدثت الجامعة السورية، واصبحت تضم معهدي الطب والحقوق، وقام معهد طب الاسنان، الى جانب المعهد الطبي، واصدرت مجلة خاصة بالمعهد الطبي، تولى تحريرها العلامة السوري د. مرشد خاطر، وبقيت المجلة حتى عام 1946م. ويوثق الباحث شحادة اهم اعلام الطب والصيدلة، الذين تخرجوا من هذا المعهد، حتى عام 1920م حسني سبح ـ عبدالرحمن شهبندر ـ مرشد خاطر ـ عبدالوهاب قنواتي ـ احمد صفا الكاتب ـ جميل الخاني ـ عبدالقادر سري ـ رضا سعيد ـ احمد حمدي الخياط ـ احمد شوكت الشطي ـ وهذه الاسماء، كانت النخبة العلمية السورية آنذاك، والتي ساهمت فيما بعد بتطوير هيكلية التعليم في سوريا، اثناء الانتداب وفي عهد الاستقلال، وشكلت رموزاً معرفية ووطنية مشهوداً لها بتاريخها النضالي والعلمي. كلية الطب العراقية في بغداد عام 1927م يذكر الباحث كمال شحادة بأن بغداد عرفت الطب في عصره الذهبي ايام الدولة العباسية، وتركت اسماء لامعة في علم الطب والصيدلة، وفي مطلع القرن التاسع عشر وعام 1921م، عاد الاطباء العراقيون من الاستانة، ليشكلوا ما سمي بالجمعية الطبية البغدادية، لتغطية حاجات العراق من الطب، واجتمع الاطباء خريجو جامعات الاستانة ودمشق وبيروت، وعدد من الاطباء الانجليز العاملين في مديرية صحة العراق، وقرروا تأسيس كلية للطب. وتحقق الحلم عام 1927م، والتحق 80 طالبا نجح 20 في فحص القبول، كان معظم المدرسين انجليز، والعطلة يومان الجمعة والأحد، ونظام الدراسة والمناهج مثل كلية الطب بأدنبرة، ومدة الدراسة خمس سنوات، وأول استاذ عراقي عربي درس فيها هو الدكتور «صائب شوكت» وكانت هذه الكلية متميزة، بمخابرها وبرامجها، وكانت نواة كليات الطب العراقية فيما بعد. وتم فيها اول مؤتمر طبي عربي عام 1938م، وخرجت كبار اطباء العراق والجزيرة العربية آنذاك وحتى ان اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين تابعوا تحصيلهم العلمي فيها آنذاك، لما بلغته من شهرة وعلم. وفي عام 1977م، اي بعد نصف قرن من تأسيسها، خرجت 4465 طبيبا عربيا، ساهموا في رفع المستوى الصحي العربي وساهموا في توحيد المصطلحات الطبية العربية وهي أول كلية طبية عربية جعلت التدريس باللغة العربية، كلغة اساسية، ثم جاءت بعدها كلية الطب بدمشق، واشهر المتخرجين منها «الدكتور محمود حسونة ـ فؤاد حسيد استيفان ـ فؤاد حسن غالي ـ محمود الجليلي ـ طارق ابراهيم حمدي ـ إحسان الراوي ـ صلاح الدين كواكبي.. الخ. ان كلية الطب العراقية درست الطب والصيدلة معا، وساهمت في تطوير المعارف الصيدلية والطبية العربية، حتى عام 1980م، حيث اثرت الحرب العراقية الايرانية، ومن بعدها حرب الخليج، على قدراتها العلمية والبحثية، وأدى الى تراجعها، خصوصا في مجال العلوم التجريبية. خاتمة: يعتبر هذا الكتاب حالة توثيقية بالصور والمعلومات عن تاريخ الطب العربي، وخصوصا في عصره الحديث، ولعل الدكتور الباحث محمد كمال شحادة كصيدلي محاضر في تاريخ العلوم عند العرب، استطاع ان يجمع حقائق ووثائق انتجت كتابا مهما للدارس والباحث حول هذه العلوم الطبية. وضاح محيي الدين