قبل أشهر فقط من تفشي مرض الحمى القلاعية، اشار مارك هيل، الشريك في شركة المحاسبة الدولية «دبلويت اندتاتش» الى ان مداخيل المزارع البريطانية قد انخفضت خلال السنة الماضية بمعدل 28% وان الدخل الصافي من مزرعة عائلية، عادية انخفض في غضون خمسة اعوام من 80.000 جنيه استرليني الى 8000 جنيه، وفي حينه وافقت وزارة الزراعة والثروة السمكية والاغذية البريطانية على ما اشار اليه هيل، وقالت ان مداخل المزارع كانت في ادنى مستوى لها منذ اكثر من 30 عاما، وتحدثت الجمعية الزراعية الملكية ايضا عن حدوث «تغير مفاجيء» وكتب هيل نفسه يقول: من الواضح ان زبائن المزارع لدينا يواجهون بعض القرارات الصعبة». وفي ظل انتشار مرض الحمى القلاعية الذي يعتصر الحياة في الريف، فان القرارات تصبح اصعب مع مرور الايام، ففي ديجون، جرى مؤخرا اطلاق العنان لاخر المحارق الكبرى التي القيت فيها جثث الابقار التي بدت كسور حجري ضخم، وفي البلد نفسه، توسلت اربع من زوجات المزارعين الى الشرطة من اجل نزع بنادق الخردق الخاصة بأزواجهن، وخلص مربو الاغنام والدواجن الى نتيجة مفادها انهم ليست امامهم فرصة اكبر في البقاء في السوق في المدى البعيد من تلك المتاحة لصانعي الكراسي او العربات وعلى امتداد بريطانيا، تم اعدام 2089 مليون رأس من الاغنام و 576.000 رأس من الماشية، حتى الان. ان قضية الريف الانجليزي لاتعتمد على مشاعر الحنين الى الماضي، ولا على العاطفة ازاء المزارعين المفلسين واطفالهم الذين يعانون من جراء هذا الوضع، فالشيء الذي سينتشل الريف الانجليزي او يكسره هو الشيء نفسه الذي ينتشلنا او يكسرنا جميعا، الا وهو اقتصاد السوق وفي الواقع ان هيل نادرا ما يتحدث عن المزارعين، فهو يتحدث عادة عن «المنتجين الاساسيين» والمشكلة هي ان هؤلاء المنتجين الاساسيين يكونون بعيدين كل البعد عما يدور في محال السوبر ماركت، ففي ظل الاقتصاد العالمي، حيث يمكن استيراد اي شيء من اي مكان، فان الانتاج سينجذب دائما الى المكان الارخص تكلفة، ونادرا ما يكون الارخص في بريطانيا. ان النظام الاجتماعي المتغير الذي يفرض ظواهر كفقدان الاعمال في المزارع واكتساح القرى من قبل افراد الطبقة المتوسطة الذين لا يعون جوهر الزراعة الحقيقي، جعل المزارعين يشعرون بأنهم مشردون وتقول الجمعية الزراعية الملكية: انهم يشعرون في اغلب الاحيان بأنهم مهمشون داخل المجتمع الريفي، مما يقود الى الاعتقاد بأن الزراعة تعمل في بيئة غير مواتية، ومع ذلك، فإن المزارعين في بريطانيا اعتادوا على انعدام الشعبية فهم متهمون بالاساءة للريف وتلويثه وتشويهه بشكل منتظم وبمقاومتهم للاطلاع من قبل الجمهور على مايجري في المزارع وبكراهيتهم للحياة البرية وبالوحشية في معاملة الدجاج والديكة الرومية والعجول، وبافتقارهم لاي علاقة قائمة على الامتنان لعقود من الدعم الجماهيري وبأخذهم اموال العامة ومن ثم صفق الباب في وجههم، وفوق كل شيء، فان المزارعين البريطانيين يعتبرون مسئولين عن العادات التي ساعدت على انتشار الامراض الخطيرة، مثل السالمونيلا وجنون البقر والحمى القلاعية، وبنظر البعض، فانهم يستحقون ما يواجهونه من افلاس وبأنه يتعين على المزارعين ان يدركوا بأنهم لن يحصدوا الا مازرعت ايديهم. والمشكلة هي انهم يعرفون ذلك تمام المعرفة، وعندما يتعلق الامر باعتصار اخر كيس من الحبوب من هيكتار مزروع بالقمح او اخر قطرة من الحليب من احدى الابقار، فانهم ماهرون جدا فيما يقومون به، فانتاجيتهم ترتفع منذ عقود، في عام 1945 كان هيكتار القمح ينتج 2.6 طن من القمح، في الصيف الماضي انتج 8.01 أطنان وفي عام 1945 كان في بريطانيا 2.7 مليون بقرة حلوب، وبحلول العام الماضي، انخفض العدد الى 2.1 مليون بقرة، ومع ذلك فإن الانتاج تضاعف تقريبا اي زاد من 8.1 مليارات لتر من الحليب في عام 1945 الى 14 مليار لتر في عام 2000 الا ان التناقض هنا يتمثل في حقيقة انه في الوقت الذي يشهد الانتاج ارتفاعا نحو السقف، فان الربحية تنخفض نحو الارض، انها دورة اقتصاد السوق المتعلقة بالعرض والطلب فكلما زاد انتاج المزارعين، كما كان العرض اكبر وكلما انخفضت الاسعار قل مقدار الربح، وفي ظل انخفاض الارباح، فان الطريقة الوحيدة للحفاظ على مداخيلهم تكمن في انتاج المزيد، وكلما عملوا بفاعلية اكبر كلما كانت معاناتهم اسوأ وهذا يفسر الكثير، وبالاخص الاسباب التي جعلت المزارعين يستغلون كل مساحة ممكنة للزراعة ولايتورعون عن استخدام الكيماويات المعززة للنمو في كل شيء بدءا من الدجاج وانتهاء بالشعير. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو ما الذي اوصل المزارع البريطاني الى هذا الحال؟ يرجع الكثير من المراقبين ماجرى الى فترة الحرب العالمية الثانية عندما فرضت المانيا حصارا على بريطانيا لكي تمنع دخول الاغذية المستوردة اليها من اجل كسر شوكتها في الحرب وهذا الوضع دفع بالحكومة البريطانية انذاك الى تشجيع الزراعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، فعمدت الى دفع اعانات للمزارعين من اجل زراعة مساحات جديدة من الارض، وكانت تعوض المزارعين في حالة انخفاض سعر السوق، بحيث تدفع لهم سعرا ثابتا لمنتجهم بغض النظر عن السعر في السوق، لكن المهم في الامر هو ان هذا الوضع لم يتوقف بعد انتهاء الحرب وظل متواصلا بشكل جعل المزارع بعيدا عن المستهلك وهمومه، ودفعه الى عدم الاكتراث بما يطلبه المستهلك، طالما ان المهم هو زيادة الانتاج الى اقصى حد ممكن. ضرار عمير