بيان الكتب: مع طيور النورس الزائرة على شاطيء جبلة السوري، تناقلت الكاتبة الاسرار الدافئة والمؤلمة بلغة لا تبتعد عن الواقع بشفافيتها وعذوبتها. وعندما تركت النوارس شواطئها المتعبة في احد فصول عام اثنين وثمانين وتسعمئة والف، تركت الكاتبة جبلة ودمشق حاملة معها شهادة في اللغة العربية متجهة نحو مدارس الكويت عام 1982 .. ومن هناك كانت رواية «الخروج من دائرة الانتظار» حكت فيها عن شابة اصيبت بنكسة في مطلع حياتها وخرجت منها وهي تدعو الى تحرر المرأة من قيود العقلية القديمة فاصطدمت بـ «الغرباء» لكنها واجهت عقولهم وأرواحهم بما علمها النورس من اسرار «قال البحر» و «حكايات الليل والنهار» لكن هذه المواجهة ارهقت هذه الانثى الرقيقة، واستقالت من عملها في الكويت عام سبعة وتسعين وتسعمئة والف عائدة الى بلدها لتصدر قصص (غربة ونساء) عام 2000 انها الكاتبة الشفافة المقلة بكتاباتها «ملك حاج عبيد» ولبحثها عن النوع لا الكم فهي متفرغة للقراءة اكثر من وحدتها التي كان اقتحامها اشبه باقتحام صومعة من الادب والفن وللغوص في هذا الادب المليء بالاحساس والغربة كان لابد من سؤالها: ـ متى بدأت علاقتك بالكتاب؟ ـ بدأت علاقتي بالكتاب وانا في سن التاسعة، كانت امي تقرأ رواية لاحسان عبد القدوس، وقد شدني اليها الغلاف الملون الذي يختلف عن اغلفة الكتب المدرسية. فقرأت من الرواية ما يقرب نصفها وعندما انتبهت امي الي، اخذت الكتاب غاضبة وقالت: لا يجوز للصغار ان يقرأوا هذه الكتب. هذه العبارة اشعلت في قلبي حبا جارفا وميلا لا يقاوم الى الكتب، كنت مستعدة لادفع عمري مقابل ان اعرف ماذا حدث لبطلة الرواية. وقد اكملت قراءة الكتاب خلسة، كنت اجلس في نافذة ذات حافة عريضة واسدل علي الستارة، وذات يوم فتحت امي الستارة، وكنت اقرأ «كوخ العم توم» فحاولت اخفاءه الا انها انتزعتها مني ولما قرأت العنوان اعادته الي وقالت: هذا الكتاب جيد للقراءة. الكتاب الثالث الذي قرأته كان ديوان «رمال عطشى» لـ «سليمان العيسى» وحفظت احدى قصائده وكانت تتجاوز خمسين بيتا. من التاسعة حتى الخامسة عشرة قرأت كثيرا، والغريب انني كنت اجمع في قراءتي بين مجلات الاطفال وقصصهم وبين الروايات العربية والعالمية قرأت للمنفلوطي، ودوما، هيمنجواي، هيجو، دستويفسكي. من الخامسة عشرة حتى العشرين قرأت لأبي العلاء المعري والخيام، وسارتر ،مورافيا، تولستوي، كولن ولسون، السباعي، وتعرفت على كتابات نجيب محفوظ فاعجبت به. وكنت اتأثر بما اقرأ، فعندما قرأت لأبي العلاء كرهت اكل اللحم تأثرا بنزعته النباتية وعندما قرأت «مذكرات جيفارا» كدت اترك دراستي الجامعية والتحق بإحدى المنظمات الفدائية. اما عن اقتنائها لكتب نشأتها وآلية جمعها لهذه المكتبة الفنية قالت: ـ اسباب تعلقي اصلا بالكتاب هي نشأتي في بيت مثقف فأمي قارئة من الدرجة الاولى، وكذلك اخوتي، لذلك كانت الكتب والمجلات متوفرة لدينا، وباعتبار انني كنت سريعة القراءة، فانا بحاجة دائمة الى مادة تقرأ .. بداية كنت استأجر الكتب من مكتبة متخصصة بالاعارة وربما انهيت كتابا كاملا في يوم واحد. لذلك لم اكن افكر بشراء الكتب من مصروفي لانه بالاصل مخصص لدخول السينما. فأول كتاب اقتنيته وكان خاصا بي كان اهداء من المدرسة واسمه «قصة تجاربي مع الحقيقة» للمهاتما غاندي. وتكررت اهداءات المدرسة فكنت اضعها في ابرز ركن من المكتبة وتولدت لي الرغبة بأن تكون لي كتبي الخاصة. عندما تركت بلدتي الى دمشق لأكمل دراستي الجامعية، توظفت واصبح لي دخلا يمكنني من شراء الكتب، ولكن لا ادري كيف ضاعت هذه الكتب مني! بعد تخرجي من الجامعة بدأت بتكوين مكتبة ضمن مكتبة العائلة، واكثر ما كان يثير عجبي هو هذا النقص الدائم في الكتب. ولكن اختي التي تصغرني اعترفت بأنها تعير كتبي لصديقاتها فمنهن من يحتفظن بها لانفسهن ومنهن من يعدها في حالة سيئة مما يضطرها الى اتلافها. الآن بعد ان استقللت عن اهلي اخذت كتبي وكونت كتبي الخاصة. ـ في أية سن ملت الى نوع ادبي معين في الكتابة؟ ومن هم الكتاب الذين اعتمدت عليهم في قراءاتك. وهل كتبهم موجودة في مكتبتك؟ ـ في سن الثالثة عشرة بدأت الكتابة وكان مجالي الاثير هو فن القصة، فقد اختزنت في داخلي ذكريات واحداثا، وافكارا وكان لابد لها ان تتجسد في شكل فني لقد قرأت لكثيرين واعجبت بهيمنجواي ونجيب محفوظ وجبرا ابراهيم جبرا، الآن احب كتابات عبدالرحمن منيف والغيطاني وادوارد الخراط. هيمنجواي لم يعد له كتاب عندي، لمحفوظ ثلاثة كتب من اصل عشرين اشتريتها كتب عبدالرحمن منيف ضاعت اعارة ولم يبق الا «الآن هنا» اما كتب الغيطاني والخرائط فأنا احتفظ بمعظمها وكذلك بكتب ايزابيل الليندي. ـ ماهو اول كتاب صدر لك؟ ـ اول كتاب صدر لي كان رواية بعنوان «الخروج من دائرة الانتظار» كان ذلك في عام 1983 اما آخر اصدار لي فهو مجموعة قصصية بعنوان «غربة ونساء» عام 2000 وهي تعبر عن الواقع الذي تعيشه المرأة في اقطار الوطن العربي، ويعكس الجانب المرفوض في هذا الواقع، وتغوص في عالم المرأة داخل المتغيرات الاجتماعية. والمجموعة يغلب عليها جو من الحزن والكآبة والاحساس بالغربة، غربة المرأة في عالم الرجل .. وغربة المرأة في بلدها وفي البلدان التي تدفعها ظروف الحياة والبحث عن لقمة العيش للعمل فيها. وبالنسبة للامور المادية فإن اربعة من كتبي قد صدرت عن اتحاد الكتاب العرب وكتاب واحد نشرته على حسابي .. ذقت فيه الامرين ولا اعتقد انني ساعيد التجربة لان التعامل مع الناشرين امر صعب ويثير الاعصاب. خصوصا عندما يتفرد الناشر بآرائه غير القابلة للحوار. وعن مكتبتها ان تعرضت لظروف قاهرة اجابت: في الماضي كانت كتبي جزءا من مكتبة العائلة. اما عندما ذهبت للعمل في الكويت. فقد انشأت مكتبة خاصة بي، وكنت اغذيها دائما بما اشتريه من معارض الكتب وعندما اعود في العطلة الصيفية الى سوريا كنت اصطحب معي اهم ما اشتريته خلال عام على امل ان اشحن الكتب كلها عندما اعود نهائيا. ولكن ما حدث انني اضطررت لظروف صحية ان انهي اقامتي بالكويت واعود مسرعة. ولم يكن لدي القدرة على التفكير في كيفية شحنها، لذلك فقد انتقيت بعض مالا استطيع الاستغناء عنه وتركت الباقي . الآن جمعت كتبي القديمة من مكتبة اهلي وما جئت به من الكويت .. وبدأت بشراء الكتب فاجتمعت لدي مكتبة معقولة على الرغم من كل ما ضاع مني. ـ وان كانت المكتبة تشكل عبئا بالنسبة لافراد العائلة. فكيف تعملين تعمل على ارشفتها؟ ـ انا اعيش بمفردي .. لذلك فالمكتبة لا تشكل عبئا على احد هي اهم ركن في المنزل بل تستطيعين ان تعتبريها اقرب واجمل صديق لي. وانا لا اتبع في ترتيبها نظاما معينا، فبعض الكتاب امتلك جميع مؤلفاتهم فاضعها متقاربة على رف واحد وكتب التاريخ لها حيز معين. والكتب التي لم اقرأها اضعها في مكان خاص لئلا تختلط بباقي الكتب. اما الكتب المفردة فأنا مضطرة للبحث عنها بصورة صعبة. ـ ماذا عن الاعارة والاستعارة؟. ـ لا يستطيع الانسان ان يستغني عن الاعارة والاستعارة لأنه لا يستطيع ان يشتري كل ما يصدر، فأنا استعير الكتب من الاصدقاء واعيرهم ايضا. وقد يبقى الكتاب عند احدنا شهورا لكنه يعود بحالة جيدة. لكن لي صديقة لا اعرف كيف تقرأ اعيرها الكتاب جديدا انيقا فترجعه الي بحالة يرثى لها .. عندما استلم الكتاب منها انظر اليه بانزعاج لعلها تعرف انها آذتني ولكنها لا تنتبه وفي آخر مرة طلبت مني كتابا فقلت لها: انتظريني حتى أجلده لأنني لا أحب لكتبي ان تكون سيئة المنظر. الكتاب حتى الآن لم يعد !! ولا ادري على أية حالة سيعود. اعتقد ان المحافظة على الكتب سمة من السمات الاخلاقية والحضارية ولا ادري لماذا يسيئون معاملة الكتاب! وعن احب الاهداءات الى قلبها والموجودة على احد كتب مكتبتها قالت: احب اهداء هو الذي كتبه الاستاذ «سليمان العيسى» كنت قد كتبت عنه في مجلة العربي في صفحة «مقالة ود» مقالة صغيرة عنوانها «تحية حب الى شاعر كبير» بعد سنة وصل الي ديوانه وعلى صفحته الاولى اهداء رقيق: الى الكاتبة المبدعة التي طوقت عنقي ذات يوم بموجة من عبير .. ووفاء حاولت تسجيل صداها في هذا الديوان ...العزيزة ملك حاج عبيد مع خالص محبتي طبعا هذا الاهداء من شاعر عظيم كالاستاذ سليمان العيسى ملأني زهوا وفرحا. وبدأت اقرأ الديوان فكانت المفاجأة الرائعة انه اهداني قصيدة عنوانها «لمسة ود» وعن طقس القراءة الذي توفره لنفسها وفي أي وقت اجابت: كل اوقاتي صالحة للقراءة وهذا يوفر لي الهدوء الذي تحتاجه القراءة، لكن قراءتي الطويلة تكون وقت القيلولة اقرأ في السرير ما يقارب ثلاث ساعات، وقد اقرأ في اواخر الليل، اما اذا احببت كتابا فإنني لا اتركه حتى انهيه، وهذا يسبب لي في بعض الاحيان دوارا. ـ ما هي امنيتك للكتاب العربي؟ ـ اتمنى ان يكون الكتاب ارخص ثمنا واكثر انتشارا، اتمنى ان تصلنا الكتب من مشرق الوطن العربي ومغربه فالعرب لا يعرفون بعضهم بعضا، وليس اقدر من الكتاب على كشف وسبر اعماق المجتمع، لقد اكتشفت مجتمعا جديدا هو المجتمع الليبي من خلال الكاتب «ابراهيم الكوني» ولولا رباعيته الخسوف لبقيت على جهلي بقطر عربي شقيق. كما اتمنى للكتب الاجنبية الحديثة ان تترجم بأقصى سرعة لتكون على تماس مع الآداب المعاصرة.