بيان الكتب: عمل انطوني سمرز لسنوات مراسلا لمحطة «بي. بي. سي» عدة سنوات حيث غطى العديد من الحروب والاحداث في الكثير من مناطق العالم. ساهم في الكتابة بعدد من الصحف والروايات الامريكية والانجليزية وقدم مجموعة من الكتب منها «سيرة حياة مارلين مونرو» الذي نال عليه عدة جوائز و«المؤامرة» وقد خص في هذا الكتاب اغتيال الرئيس الامريكي السابق جون كنيدي. ويعيش المؤلف في ايرلندا. «صلف السلطة» كتاب عن سيرة حياة الرئيس الأمريكي الاسبق ريتشارد نيكسون الذي تم عزله عن السلطة اثر فضيحة «ووتر جيت» الشهيرة. ولا تزال فترة رئاسته تثير حتى الآن الكثير من النقاشات القائلة بانه كان رجل الانفتاح الحقيقي في السياسة الخارجية الامريكية فهو صاحب الزيارة الشهيرة الى الصين عام 1972 حيث التقى يومها بالرئيس الصيني الراحل ماوتسي تونج ليقوم بعدها بأشهر قليلة فقط بزيارة الاتحاد السوفييتي (السابق) واللقاء بالرئيس السوفييتي السابق والامين العام للحزب الشيوعي السوفييتي طيلة سنوات طويلة.. وحيث انتهى ذلك اللقاء بوضع اللمسات الاولى في الاتفاق التاريخي للحد من انتشار الاسلحة النووية.. وقد تم التوقيع النهائي بعد سلسلة من ثلاث قمم بين رئيسي القوتين العظميين آنذاك واللتين كانتا قد سادتا العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية اثر تراجع قوة الامم الاوروبية الرئيسية التي خرجت «مهمشة» من تلك الحرب. واذا كان الرئيس نيكسون قد التقى قبل ان يرتقي الى المنصب الرئاسي بالدكتاتور الكوبي باتيستا عام 1955 وقال عنه بانه «معجب بنمط الحياة الأمريكي»، فإنه لم يتردد في اللقاء ايضا مع زعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو: الامر الذي كان احد مواضيع التساؤل التي طرحها جون كنيدي على نيكسون عندما كان الاثنان مرشحين للمنصب الرئاسي اثناء اللقاء التلفزيوني المعتاد في الانتخابات الأمريكية. وكان نيكسون قد فشل في الفوز امام كنيدي وابدى شكوكه صراحة بنزاهة تلك الانتخابات. ويرى مؤلف هذا الكتاب بانه على اساس عدم الثقة هذا قبل نيكسون فيما بعد ان يتم «زرع» آلات التسجيل في مقر الحزب الديمقراطي قبل الانتخابات التالية وهذا ما عرف بعد بفضيحة ووتر جيت التي اطاحت به. وعرف نيكسون هزيمة انتخابية ثانية مباشرة بعد هزيمتين امام جون كنيدي وذلك في الانتخابات الخاصة بمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا عام 1962: اي في السنة التي انفجرت فيها ازمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي السابق الذي اضطر الى سحب تلك الصواريخ. لكن في شهر يناير من عام 1969 ادلى ريتشارد نيكسون بالقسم باعتباره الرئيس السابع والثلاثين للولايات المتحدة الأمريكية بعد فوزه في انتخابات نهاية عام 1986. ومن الاسرار الكبرى التي يعود مؤلف هذا الكتاب لها باستفاضة عملية الانقلاب التي قادها الجنرال اوجستو بينوشيه ضد الرئيس الشيلي سلفادورر الليندي عام 1973 والذي كان قد تم انتخابه ديمقراطيا من قبل مواطنيه الشيليين، لكن الادارة الامريكية قررت منذ البداية بانه لابد من العمل للاطاحة به لانه يشكل خطرا على الأمن القومي الامريكي. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب بان وزير الخارجية الامريكي آنذاك هنري كيسنجر كان هو شخصيا المسئول عن «الملف التشيلي» وحيث كان جهاز الاستخبارات الامريكي «سي. آي. ايه» ضالع المسئولية في انقلاب بينوشيه بل ان هذا الجهاز حاول عدة مرات قبل الانقلاب اغتيال الرئيس سلفادور الليندي وتم تخصيص مكافأة مالية للقيام بذلك كما تدل اتصالات عديدة بين جهاز الاستخبارات الامريكي وبعض الضباط التشيليين المناوئين لليندي.. وكما تم الاتصال ببعض رجال العصابات.. وينقل المؤلف عن رئيس جهاز الـ «سي.آي.إيه» انذاك قوله بان «الادارة الأمريكية في ظل نيكسون كانت تنتظر ضربة قوية في تشيلي. وتبقى فضيحة ووتر جيت هي اكبر الفضائح التي شهدها عهد ريتشارد نيكسون. و«ووتر جيت» هو اسم البناية التي كان الحزب الديمقراطي قد اقام فيها مقر حملته الانتخابية. وتعرض في شهر يونيو من عام 1972 نفسه الى استراق المعلومات لصالح الحزب الجمهوري. وقد نفى الرئيس ريتشارد نيكسون طويلا ان يكون للبيت الابيض وله شخصيا اية علاقة بالموضوع من قريب او بعيد. لكن اعترافات العديد من مساعديه والتسجيلات الصوتية لمحادثاته المختلفة اثبتت العكس مما اضطره للاستقالة في 8 اغسطس من عام 1974. كان نيكسون قد عمل في بداية حياته محاميا في ولاية كاليفورنيا كي يدخل بعد ذلك في سلك البحرية وينتسب الى الحزب الجمهوري عام 1945 ليصبح عضوا في الكونجرس الامريكي عام 1951. ويرى المؤلف بات أول تجربة للحكم في حياة نيكسون تعود في الواقع الى الفترة التي كان فيها بمثابة «اليد اليمنى» للرئيس الامريكي الاسبق دوايت ايزنهاور وحيث انه اي نيكسون كان يمارس عمليا السلطة اثناء مرض الرئيس الطويل.. ومن الثوابت في المسيرة السياسية لريتشارد نيكسون عداؤه الشديد للشيوعية وللاتحاد السوفييتي (السابق) كما يبدو من سياسته قبل الرئاسة وبعدها، لكن ثباته في عدائه للشيوعية لم يمنعه من ان يغير بشكل شبه كامل برنامجه السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية لعام 1968 بالقياس الى برنامج عام 1960 عندما هزمه جون كنيدي.. هكذا تم انتخابه رئيسا عام 1968 على اساس وعده للامريكيين بـ«ازدهار جديد» دون تضخم، ودون حروب». لكن في الوقت الذي اتبع سياسة ترمي الى تقليص المشاركة العسكرية الأمريكية والعمل على نوع من «فك الارتباط» كخطوة اولى استجابة لمطالب الرأي العام الامريكي الذي كانت معارضته تتعاظم ضد تلك الحرب وتابع تقديم الدعم العسكري الكبير لحلفائه الفيتناميين، كما تابع المفاوضات مع بكين لتوقيع اتفاقيات اقتصادية ومع موسكو لتوقيع الاتفاقات العسكرية الخاصة بالحد من انتشار الاسلحة النووية. اعيد انتخابه لمرة ثانية في عام 1972 لكن امريكا عرفت بعد توليه مباشرة ازمة اقتصادية كبيرة ادت الى انخفاض قيمة الدولار.. ثم جاءت فضيحة ووتر جيت بمثابة الضربة القاضية.. وكان نيكسون قد قدم نفسه باستمرار كصديق لاسرائيل وكان من مؤيدي هجرة اليهود السوفييت الى فلسطين. ومن الاسرار التي يتعرض لها مؤلف هذا الكتاب في فترة رئاسة ريتشارد نيكسون الاولى والثانية ـ التي لم تكتمل ـ تأييد البيت الابيض لتوجهات الحزب الجمهوري لتخريب جهود السلام في الفيتنام عبر استخدام «انا شينوت» لنقل رسائل الى رئيس فيتنام الجنوبية. وسر آخر هو ان ريتشارد نيكسون قد اخذ اموالا من الحكم الدكتاتوري في اليونان بواسطة صديقه «توماس باباس». وسر ثالث هو ايضا حصوله على المال من المليونير «هوارد هونج» وسر رابع وليس الاخير بان السيدة «هايدي ريكات» كانت مومسا يتم طلبها بالهاتف ـ كال جيرل ـ من البيت الابيض وبان الديمقراطيين والجمهوريين كا نوا يترددون على «ماخور» بالقرب من ووتر جيت.. ان الصفة الرئيسية التي يرى المؤلف بان شخصية الرئيس ريتشارد نيكسون وسلوكياته تتفق معها هي« المكيافيلية» حيث ان «الغاية» كانت تبرر بالفعل بالنسبة له «الوسيلة» او يؤكد بانه لم يكن يتردد في ان يستخدم الشيء ونقيضه، على صعيد السياسة الداخلية كما على صعيد السياسة الخارجية.. بحيث انه تم في تلك الفترة اطلاق صفة «الدولة الشريرة» على الولايات المتحدة الامريكية لانها عرفت الكثير من الخروق للقوانين والتشريعات وليست فضيحة «ووتر جيت» سوى تعبير «فاضح» لسلوكيات كانت هي القاعدة اكثر مما هي الاستثناء. وما فعله مؤلف هذا الكتاب هو انه كشف النقاب عن الآليات التي كان يتم العمل بها بالوقائع والاسماء.. وبالاعتماد على معلومات موثقة من مختلف الاراشيف، بما فيها التابعة للحزبين الديمقراطي والجمهوري. ان اهمية هذا الكتاب الذي كرسه مؤلفه انطوني سوير لسيرة حياة «ريتشارد نيكسون» هو انه يشكل في الواقع عملية تأريخ كاملة لعدة عقود من المسيرة السياسية الامريكية اذ ان نيكسون هو من الشخصيات التي عرفت في مسيرة صعودها الطويلة عدة ادارات امريكية اذ كان وهو في سن الاربعين فقط قريبا جدا من مركز القرار السياسي مع الرئيس ايزنهاور. ومن الملفات الكبرى التي يرى مؤلف هذا الكتاب بان الرئيس ريتشارد نيكسون يتحمل مسئوليتها تتمثل في مدى التخريب الكبير الذي عرفته فترة حكمه، بل وقبل وصوله الى السلطة رسميا بسنوات عديدة، بالمسيرة الديمقراطية الامريكية بل وبالمفهوم الديمقراطي ذاته، اذ ان ووتر جيت كانت نتيجة تكدس سنوات من ممارسة التلاعب والاستغلال السياسيين لخدمة المصالح الخاصة والحزبية بعيدا عن المصالح الوطنية العليا. اضف الى هذا اشارات المؤلف الصريحة والواضحة الى عدة سمات شخصية شديدة السلبية في شخصية الرئيس نيكسون ولها علاقة بالادمان على الكحول وتعاطي المخدرات وسوء المعاملة مع زوجته.. وحيث تتم اعادة هذه السلوكيات كلها الى نوع من «عدم الاستقرار الذهني» الذي يعيده المؤلف الى سنوات طفولته وشباب ريتشارد نيكسون والتأثير الكبير الذي ظلت والدته تمارسه عليه حتى وفاتها في سن متقدمة والتي كان يصفها بـ«القديسة» ولا يستبعد المؤلف بان يكون تخلي الفتاة الاولى التي احبها اولا وزواجها من رجل آخر قد ترك جرحا في اعماقه لم يندمل.. اذ وحتى الرؤساء «يعشقون».. لكن تبقى هذه السلوكيات والسمات الشخصية ليست ذات اهمية كبرى بالقياس الى الدور الذي لعبه، هو وادارتيه، في التشيلي وكوبا وتخريب مسيرة السلام في فيتنام عام 1968 وقبوله اموالاً من مصادر مشبوهة.. وهذا كله من رجل كان له نفوذه مدة 50 عاما على التاريخ الأمريكي. قصة صعود نيكسون وسقوطه (....) ينبغي على كل مهتم بتاريخ امريكا وسياساتها وحكومتها ورئاستها ان لا يجهله هكذا وصف «جون دين» هذا الكتاب في صحيفة «ذا شيكاغو تريبيون».