بيان الكتب: جان بول جوتو هو عالم مختص بالحشرات من زاوية تأثيراتها على الصحة الإنسانية مما يشكل اختصاصا «طبيا» حيث انه اختص تحديدا بمرض سائد كثيرا في افريقيا هو مرض النعاس. عمل لسنوات في اطار التعاون التقني الفرنسي بمنطقة «كيفو» بزائير سابقا والتي اصبحت تسمى بعد وصول كابيلا «الاب» بجمهورية الكونغو الشعبية الديمقراطية.. وانتقل بعدها للعمل في عدة مناطق افريقي. عاد الى فرنسا اعتبارا من عام 1994 حيث ساهم في اغلبية المبادرات التي اراد اصحابها البحث عن حقيقة عمليات الابادة التي شهدتها رواندا وذهب ضحيتها حوالي مليون شخص اغلبيتهم من قبيلة «التوتسي» وعلى يد القبيلة الخصم المتمثلة في «الهوتو». قدم عدة مؤلفات من بينها: مجزرة تخص اسرار الدولة وفرنسا ورواندا والعالم: هل هناك سلطة مضادة؟ يشارك بالكتابة في العديد من الصحف الفرنسية اعتبارا من عام 1994. هذه النبذة الطويلة ـ نسبيا ـ عن حياة مؤلف هذا الكتاب تلقي الضوء على مدى «قربه» من الموضوع الذي يناقشه في هذا الكتاب «مجزرة ابادة لا اهمية لها». المجزرة المقصودة مسرحها «رواندا» وهي «لا اهمية لها» لانها لم تسترع انتباه الكثيرين في العالم قبل ان تهتم بها وسائل الإعلام الغربية.. ولكن بعد ان كان عدد ضحاياها بمئات الآلاف.. ولاشك ان منظرا عرضته شاشات التلفزة ذات يوم من ايام «المجزرة» لا يمكن لمن شاهده ان ينساه.. لقد ظهر في الصورة ومن بعيد مجرى نهر الكونغو ويبدو على سطح مياهه كميات كبيرة من «الزهور» التي يمكن ان تذكر بلوحة «زهور النيلوفر» للفنان الانطباعي كلود مونيه، كان ذلك من بعيد، ولكن عندما قربت عدسة التلفزة الصورة تبين ان تلك الزهور المزعومة لم تكن سوى آلاف الجثث الطافية التي تجرفها المياه حيث ستستقر. ان مؤلف هذا الكتاب لا يبحث موضوع مجزرة «رواندا» من منطلق انساني او في افق حقوق الانسان والشعوب، لان هذا ما فعله في كتاب سابق حول هذا الموضوع، وانما بالاحرى من خلال محورين اساسيين هما «دور النخب الرواندية في المجزرة و«دور النخب الفرنسية في المجزرة»، ودور هذه النخب «الفرنسية» هو الذي يستولي على القدر الأكبر من اهتمامه. وقد استقى المؤلف عنوان الكتاب من جملة كان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قد اسر بها الى بعض المقربين منه خلال صيف عام 1994 ونشرتها صحيفة «الفيجارو» الباريسية بتاريخ 12 يناير 1998. تقول هذه الجملة في هذه البلدان ـ اي الافريقية ـ لا اهمية كبيرة لها. ان هذا الكتاب، هو واحد من الكتب القليلة التي «تجرأت» وكشفت النقاب على الدور الذي كان لفرنسا في المجازر التي استهدفت قبائل التوتسي. إن المؤلف يستعرض بعض الآراء الصادرة حيث تتصدر كتابته عدة جمل اخذها من كتاب صدر عام 1999 لكاترين كوكيو تحت عنوان «حول سوء الفهم». تقول هذه الجمل: ان العقد الذي انتهى بدا وكأنه «يبشر» بمستقبل مزدهر للجرائم الجماعية. كما ينبيء بمهمات ثقيلة ملقاة على عاتق المنظمة الدولية «الأمم المتحدة» (...). ولنتذكر ان الادارة العليا لمنظمة الام المتحدة كانت تعرف بوجود «الخطة ب» المسماة «عملية التنقية الشاملة» جرى تحضيرها منذ فترة طويلة في اندونيسيا، كما كانت. تعرف مسبقا، كان سيجري في رواندا. اما السؤال الذي ينبغي ان يطرحه الناس على انفسهم هو: كم توجد من خطط على هذه الشاكلة في العالم؟ وهكذا يمكن اخطار موظفي الامم المتحدة وجلاءهم المسبق. ويشير المؤلف الى واقع الصمت الذي خيم على الصحافة الغربية عامة والفرنسية خاصة طيلة فترة قيام المجزرة وكأن شيئا لم يحدث. واستمر هذا الصمت مدة اربع سنوات تقريبا لتبدأ الصحافة الفرنسية كلها حملة اخبارية اذ و«بعد ان ظلت صامتة اثناء المجزرة قامت بعد تأخر استمر اربع سنوات بأداء عملها، اي الاعلام»، كما يقول المؤلف الذي يضيف انه اليوم و«نحن في مطلع عام 2001» اصبح التواطؤ الفرنسي معروفا ومستورا في الوقت نفسه». نحن جهة دلت تقارير عديدة اجرتها منظمات ولجان مختلفة على حقيقة وجود نوع من التواطؤ في الصمت حيال مجازر رواندا اشتركت فيه بشكل خاص النخب الثقافية والاعلامية مما يسمع بـ«طمس ماهو واضح وخنق الفضيحة وتحويل الانظار عنها». ويناقش المؤلف ضمن هذا الاطار باسهاب النتائج التي توصلت لها اللجنة الحكومية الرسمية التي كان قد تم تشكيلها بقيادة وزير الدفاع الفرنسي الاسبق «بول كيليس» ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب باتهام هذه اللجنة بـ«الانتقائية في اختيار الشهود وبضرب نطاق من السرية على التحقيقات باسم «الصحة الوطنية». وفي المحصلة «جرى كل شيء وكما ان المليون ضحية الذين سقطوا في رواندا لم يكونوا موجودين في اي يوم من الايام. إن النتيجة التي يطرحها مؤلف هذا الكتاب باشكال كثيرة يمكن ان تعبر عنها بشكل جيد نقلها عن الكاتب الفرنسي بيير فيدال ناكيه واختارها في احد الفصول. تقول هذه الجملة: «ان الدولة وسلطة الدولة ستكونان دائما كقناع، لكن هذا لا يعفينا من واجب نزع هذا القناع لإن الوجه هو وجهنا». لكن تأكيد المؤلف لوجود تواطؤ فرنسي باسم «المصلحة العامة يجد مقابلا له في تأكيده على تورط النخب الرواندية نفسها.. انه يشرح ضمن هذا الاطار الدور «المشين» الذي تلعبه النخب الافريقية عامة في مصير بلدانها والقارة إذ انها هي التي تستغل الافكار الاثنية (....) ومأساتنا الحقيقية هي هذه النخب المستعدة الى ان تلعب ببؤس السكان ويأسهم في صراعات دامية على السلطة كما لخص أبوبكر بوريس ديوب المشكلة ونقل عنه مؤلف هذا الكتاب الذي يحاول ان يقدم الادلة والبراهين على ان السواد الاعظم من نخبة قبيلة الهوتو ـ العسكرية والادارية والدينية والثقافية ـ وجدوا انفسهم طواعية وقسرا. مدعوين للمشاركة في آلة الابادة او على الاقل في تأييدها. وهذا ما كان جان بيير كريتيان، مؤلف كتاب «افريقيا البحيرات الكبرى، 2000 سنة من التاريخ» عندما كتب: ان هؤلاء المجرمين الانيقين بلباسهم الجميل تركوا الفلاحين يلطخون ايديهم، لكنهم كانوا في الصف الثاني مباشرة كي يؤمنوا مسألة تنسيق العمليات. بالمقابل هناك قلة قليلة رفضوا منطق الابادة.. وقاموا الجنون الذي يحيق بهم.. ولكن نادرا ما استطاعوا المحافظة على حياتهم بسبب موقفهم المقاوم هذا ولكن هؤلاء المقاومين بقوا مجهولين.. «جنودا مجهولين» لانهم قاوموا بالسبل المتاحة لهم مثل محاولة بعض ابناء قبيلة «الهوتو»حماية جيرانهم من «الهوتو» وتخبئتهم في منازلهم.. ان هؤلاء لا «يعترف بهم» احد لكنهم مثل اولئك البشر من قبائل التوتسي الذين جرى قتلهم على هضاب رواندا يظلون جزءا من ذاكرة الانسانية. حسب تعبير جان بول جوتو. ان المؤلف يشرح في احد فصول هذا الكتاب الموقف «الغريب» الذي قامت به الامم المتحدة حيال مجازر رواندا وموقف بعض القيادات العسكرية الفرنسية العاملة الى جانب الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران. هذا لاسيما وان قوات من الجيش كانت متواجدة في عين المكان برواندا هي التي كانت قد تعاونت مع السلطة الرواندية ونقلت الى جانب الاجهزة المختصة الاخرى الامنية التقارير عن الوضع للقيادة السياسية. هذا في الوقت الذي لم يتردد فيه الجنرال كريستيان كينو الذي كان قائد لاركان الخاص لفرانسوا ميتران في وصف ما جرى في رواندا بانه «كان حربا حقيقية شاملة وقاسية جدا». وينقل المؤلف عن الجنرال «كينو» قوله اثناء بث تلفزيون فرنسي اعدته القناة الفرنسية الثانية بتاريخ 29 سبتمبر 1999 تحت عنوان «رواندا، الساعة الخامسة والعشرون» حديثه الصريح عن «حرب ابادة» وقوله بصوت فيه الكثير من الانفعال: «ان شرف العسكري في مثل هذه الحالات هو ان يمتلك الشجاعة في ان يقول كلا ولا يطيع الاوامر» ثم يضيف: «ربما انه سيتم طرده بعد ذلك ولكن اخيرا..» وقد اكد هذا الجنرال في مداخلته التلفزيونية بان الـ2500 جندي العاملين ضمن اطار بعثة الامم المتحدة الى رواندا كان يمكنهم، لو انهم لم يطيعو الاوامر ان يوقفوا المجزرة التي ذهب ضحيتها مليون شخص تقريبا. بالمقابل يؤكد المؤلف ايضا بان المسئول العسكري للبعثة الدولية قد سعى لدى السلطات المعنية في الامم المتحدة بكل ما استطاع من «طاقة ولدها اليأس» للتدخل.. لكن تعليمات الامم المتحدة في شهر ابريل 1994 اثارت دهشة حتى المراقبين الدوليين الذين ارسلتهم الى منطقة البحيرات الكبرى وقد جاء في احد التقارير كما نقل المؤلف: لقد اتخذ مجلس الأمن قرارا مدهشا بتقليص قوات بعثة الامم المتحدة الى رواندا القليلة اصلا الى 270 شخصا فقط. وهذا يبدو اليوم بمثابة امر لا يصدق اذ ان المجموعة الدولية اختارت ان تتخلى عن ابناء قبيلة التوتسي في رواندا في اللحظة التي كانت تتم ابادتهم بها. لكن هذا ليس كل شيء اذ ان مسئولي امانة الامم المتحدة اعطوا تعليماتهم للجنرال دالير ـ رئيس بعثة الامم المتحدة العسكرية ـ كي لا يدع قواته تلعب دوراً نشيطا في حماية المواطنين الروانديين. وضمن هذا السياق يناقش المؤلف الظروف التي تمت بها العملية المعروفة باسم «توركواز» التي تم تقديمها بمثابة «مهمة انسانية» الامر الذي وصفه جان بيير شوننمان، وزير الداخلية الفرنسي السابق بكثير من السخرية فهو «مايقال دائما».. لكن الحقيقة كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب هي شيء آخر. ان مجزرة رواندا عام 1994 لم تكن عملا عفوياً وغير مرتقب وانما تم التحضير لها وتنظيمها جيدا. هذا ما يريد مؤلف هذا الكتاب ان يبرهن عليه.