بيان الكتب: ان مجرد استلهام التراث لا يمكن ان يؤصل مسرحا ولا يمكن ان يفجر طاقات الحوار وامكانياته ما لم يكن هذا الاستلهام مدروسا ومبنيا على اسس متينة هدفها الاول والاخير المتفرج. لذلك انتقد سعد الله ونوس فيما بعد صيغة الحكواتي التي لجأ هو نفسه اليها وقال: «انا الان لا اعتبر ان الحكواتي شكل مسرحي قادر على خلق فعالية ما مع المتفرج هذا الشكل متع وسطح وعهر عبر البرنامج الاعلامي السائد بحيث اصبح اطارا لكل السفاسف والمقولات السطحية والتخديرية وانصاف القول». فطرح ونوس ـ يؤكد الباحث ـ بدلا من الحكواتي مفهوم «التسييس» في المسرح الذي يهدف الى زيادة وعي الطبقات الكادحة بواقعها. وقد حدد ونوس مفهوم «التسييس» من ناحيتين: من الناحية الفكرية كمضمون ومن الناحية الفنية كشكل. ويعني مفهوم التسييس عنده ان تطرح المشكلة السياسية من خلال قوانينها العميقة وعلاقاتها... اما من الناحية الثانية في مفهوم التسييس فهي التي تهتم بالجانب الجمالي.. اذ لا بد من البحث عن اشكال اتصال جديدة ومبتكرة. ويرى ونوس ـ حسب الباحث ـ ان «الاشكال والمضمونات التراثية يمكن ان تؤدي الى نتائج عكسية اذا ما استخدمت بصورة سطحية فقد تكون اشكال الفرجة الشعبية مجرد حلية شكلية وهي بذاتها ليست ضمانة لأي اصالة.. ان ما يؤصل المسرح هو قوله وكيفية هذا القول.. وفي سياق هذه العملية المركبة يمكن ان نستفيد من تاريخنا واشكال فرجتنا كعناصر في البنية العضوية للعمل لا مجرد تزيينات ملزوقة على العمل..». يحصر الباحث مصادر سعد الله ونوس التي استقى منها موارده بالمصدر الاسلامي والعهدين القديم والجديد ثم المصدر الاجنبي والمصدر الشعبي ويندرج ضمن ذلك كله القرآن الكريم وعبارات من الكتاب المقدس والعهد القديم. اعتمد الاديب المسرحي الراحل سعد الله ونوس على التراث بشكل كبير مستقيا منه وموظفا ومسقطا على الحاضر في كتاباته سواء في كتاباته الأولى (الفيل يا ملك الزمان) و «الملك هو الملك» و «سهرة مع ابي خليل القباني» وغيرها او في اعماله المتأخرة مثل «منمنمات تاريخية» و «طقوس الاشارات والتحولات» وكان الماضي بالنسبة الى ونوس على الدوام وسيلة للحديث عن شروط الحاضر الاقتصادية والسياسية فالاجتماعية. وحول هذا التوظيف للتراث صدر كتاب حسن علي المخلف تحت عنوان «توظيف التراث في المسرح/ دراسة تطبيقية في مسرح سعد الله ونوس» الذي يتناول فيه في الفصل الاول مفهوم التراث لغويا واصطلاحيا مشيرا الى ان التراث يبقى بحرا عميقا اوسع من كل انواع التحديدات والتعريفات والتبويبات وهو «ما قدمه الانسان منذ القديم» الى الان يرتبط بتراث الامم الاخرى ليشمل الانسانية جمعاء. والامم «تتمسك بتراثها لأن روحها ومقوماتها وتاريخها والامة التي تتخلى عن روحها وتهدم مقوماتها وتعيش بلا تاريخ..». وفي مناقشته لعلاقة التراث بالمسرح بشكل خاص فيشير الى ان استفادة المسرحيين العرب من التراث لم تقف عند حدود الموضوع بل تجاوز ذلك الى توظيف اشكال تراثية تجذب المتفرج العربي وبهذا يفيد التراث في ربط المسرح بالوجدان الشعبي. كما يشير الى ان علاقة المسرح بالتراث ليس ثانوية اقتنصتها ضرورات جمالية تزيينية بقدر ما هي علاقة حميمة يفرضها الواقع فأدى التراث بذلك دورا جماليا اخر ارتبط بالواقع وبالضرورة. ثم يورد الباحث موقف سعد الله ونوس من التراث مؤكدا ان ونوس اعتبر من خلال سعيه الى التفاعل مع المتفرج انطلاقا من الموروث بأشكاله وكل ما ليس عربيا او اسلاميا ـ وهو نادر في مسرحه ـ مثل الاساطير والشخصيات الشعبية الرئيسية في التراث العربي الاسلامي فيما يتعلق بالمصدر الشعبي.وبعد استعراض المظاهر التراثية في المسرح ونوس مثل الحكواتي والجوقة والراوي والاراجوز والكيفية التي وظفها بها سعد الله ونوس في مسرحياته مستعرضا قبل ذلك الدوافع الرئيسية لتوظيف التراث ليس عند سعد الله ونوس وحده بل عند معظم كتاب المسرح العربي بعد كل ذلك ينتقل الباحث للحديث في فصل كامل من كتابه هو الثالث عن «شخصيات سعد الله ونوس التراثية» مشيرا الى مصادرها الاسلامية والشعبية والاسطورية ومنبها الى الملامح التي يوظفها الكاتب في الشخصية التراثية ثم تقنيات توظيف هذه الشخصيات في مسرحه وهي ثلاثة انواع: توظيف طردي وتوظيف عكسي وتوظيف اسمي يسهب الكاتب فيما بعد في شرح وتوضيح كل من انواع التوظيف هذه. يفرد الباحث فصلا كاملا للبحث في توظيف سعد الله ونوس للتراث الشعبي الذي يحدده بـ: الحكاية الشعبية والمثل الشعبي والاغنية الشعبية والنكتة والمعتقدات الشعبية. وفي تحديده لمفهوم التراث الشعبي يقول الكاتب: «التراث الشعبي وفقا لما وضعه الدارسون العرب هو الموروث الشعبي على مدى الاجيال من افعال وعادات وتقاليد وسلوكيات واقوال تتناول مظاهر الحياة العامة والخاصة وطرائق الاتصال بين الافراد والجماعات الصغيرة والحفاظ على العلاقات الودية في المناسبات المختلفة بوسائل متعددة والاحتفال بالمناسبات التي تبدو من طرائقها عدد كبير من معتقدات الشعب الدينية والروحية والتاريخية». مضيفا ان الفولكلور يطلق على التراث الروحي للشعب خاصة التراث الشفاهي منه وهو الفنون والمعتقدات وانماط السلوك الحية التي يعبر بها الشعب عن نفسه سواء استخدم الكلمة او الحركة او الاشارة وبذلك يشتمل الفولكلور على وسائل التعبير كافة ومن ضمنها الحركات والاشارات وكل ما يستخدمه الشعب للتعبير عن نفسه. اما علم الفولكلور فهو «العلم الذي يدرس التراث الروحي (اللافردي) للشعب وخاصة للتراث الشفاهي». وبالنسبة لسعد الله ونوس «فقد اولع بالتراث الشعبي ووظفه توظيفا واعيا فأخذ من التراث الشعبي الشكل والمضمون معا ليبث في ثنايا الماضي افكاره فيما يخص الحاضر والمستقبل واستطاع ان ينقلنا الى عالم خيالي نشعر من خلاله اننا نحيا في عالم الف ليلة وليلة بخوارقه وعجائبه واحلامه ونجد في هذا العالم الخيالي ايضا زماننا الحاضر بكل تعقيدات المعاصرة وتحقيق الانسجام بين ما يريد طرحه من افكار من جهة وما يحتاجه الضمير الشعبي من زاوية يجد فيها الراحة والامان والحلم من جهة اخرى». يجدر القول ان هذه الدراسة يمكن اعتبارها من اكثر الدراسات التي تناولت ابداع الكاتب الكبير سعد الله ونوس بعمق واناة وتبصر وحيادية علمية لم تخف تعاطفها مع ابداع هذا الكاتب الكبير غير انها ايضا لم تبتعد وتجافي الموضوعية والاتزان والانصاف في البحث العلمي والعون الى الاصول والمراجع والابحاث المعقدة المتعلقة بالموروث الشعبي والتراث العربي الاسلامي القديم بغية وصل ابداع ونوس بسياقها الفكري والتاريخي والاجتماعي بما يوضحها كواحدة من الحلقات التي تكمل مسيرة ثقافية اصيلة صاحبة موقف وتؤسس لثقافة مستقبلية تتوخى الانسان وقيم العدالة والحرية هدفا لها. أحمد أبو الحسن