بيان الكتب: مانكور اولسون هو باحث وخبير اقتصادي يبحث في هذا الكتاب «منطق السلطة» وعلاقته بحياة الافراد والمجتمعات، وذلك من خلال منظومتين اجتماعيتين وسياسيتين سادتا خلال الشطر الاكبر من القرن العشرين. هذا القرن الذي يعتبر الكثير من المؤرخين بانه قد بدأ مع اندلاع الحرب العالمية الاولى وقيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 وانتهى عام 1989 مع سقوط جدار برلين. ويحاول المؤلف ان يقدم في هذا الكتاب عددا من الاجابات البسيطة والمقنعة بالوقت نفسه حول القضايا الاقتصادية الدقيقة المطروحة على ساحة النقاش العام. هذا لاسيما وان السؤال حول معرفة العلاقة بين «الازدهار» و«السلطة» قد شغل الاذهان منذ قرون عديدة وبالطريقة نفسها تقريباً. ويجد «اولسون» احدى المرجعيات الاساسية في هذا المجال بما قال به منذ القرن الرابع عشر ـ عام 1340 تحديدا. المفكر الروماني «امبروجيو لورنزيتي» وكل مظاهر القسوة و«الحكومة الجيدة» بكل مظاهر الرخاء والسلام والعدالة. ان مثل هذا الربط يجد في الواقع صداه في التحليلات التي يقدمها «مانكور اولسون» في هذا الكتاب، لاسيما من خلال رؤية اكثر شمولاً وعصرية حيث يربط بين ممارسة السلطة ودور مجموع المواطنين التابعين لها في العملية التي تؤدي الى «الازدهار». نقطة الانطلاق الاساسية في تحليلات «مانكور اولسون» تتمثل في البحث عن مصادر الثروة «العامة والخاصة» وآليات تشكلها. انه يحاول بهذا المعنى ايجاد الاجابة التي كان «امبروجيو لورنزيتي» لم ينجح في ان يجد لها سوى بعض التشبيهات ذات الطابع الرمزي. وحيث انه اكتفى بمراقبة واقع ان الازدهار «لم يأت» على الرغم من سقوط الحكومات «السيئة» في الحقبة الرومانية. الامر الذي يعني بانه لابد من توفر عدد من الشروط الاخرى التي توفر المناخ الملائم. وقد حدد «اولسون» عددا من هذه الشروط التي رآها ضرورية لتحقيق اي نجاح اقتصادي. وفي مقدمة هذه الشروط حماية حقوق الملكية للجميع بشكل واضح ومحدد بدقة والتنفيذ الموضوعي والدقيق لكل اشكال عقود العمل. كما ألح على مسألة اساسية لتحقيق اي نجاح وهي «غياب الجشع» الذي تتسلم به «الدكتاتوريات الرأسمالية» بشكل صريح و«الشيوعيات التوتاليتارية» بشكل مبطن. وقد اعتبر بان توفر هذين الشرطين يشكل اكثر السبل فعالية في اطار الديمقراطيات التي تحترم القانون والتي يرى بها النموذج الذي تحتاجه الحكومات من اجل تحقيق نموها. وعلى عكس ما هو سائد في النزعات الليبرالية الاقتصادية المتطرفة التي تطالب بحرية لعبة السوق يرى «اولسون» بان دور الحكومات يبقى اساسياً من اجل ضبط قواعد الاسواق المعقدة والتي لا يمكنها ان تؤمن تطورها واتساعها بدون الحكومات. ولكن المؤسسات السياسية تحاول في احيان كثيرة فرض بعض متطلباتها داخل المنظومات الديمقراطية مما قد يعيق ولوج الطرق المؤدية الى الازدهار. هكذا يمكن للسلطات العامة ان تلعب دوراً مشجعاً او دوراً كابحاً لتفتح مجتمعاتها وازدهارها. وفي سياق تعرض المؤلف للنقاشات السائدة في الاوساط الاقتصادية الدولية بعد سقوط الشيوعية ونهاية الاستقطاب الدولي الثنائي الذي استمر قرابة سبعة عقود من الزمن، يستفيض في تحليله للتيارين الاساسيين اللذين استقطبا النقاشات وحيث يقول احدهما بضرورة الفصل بين الدولة والسوق.. او ربما بدقة اكثر «تحرير» السوق من قبضة الدولة ومن تدخلاتها بينما يرى الثاني بان «تكامل» الدولة والسوق يشكل شرطاً اساسياً لاي تقدم. ويبدو بوضوح ان المؤلف يميل الى هذا التيار الثاني حيث يرى بان للدولة دوراً ينبغي ان تلعبه في الاقتصاد.. ويحاول ان يبرهن على ذلك من خلال تحليل دور الدولة في البلدان التي عرفت حالة عن الازدهار. ويلخص «اولسون» بجملة واحدة نموذج الحكومات التي يراها ضرورية للوصول الى الازدهار حيث يصفها بأنها حكومات «قوية الى درجة كافية بحيث انها تخلق وتحمي حقوق الملكيات الخاصة وتسهر على تنفيذ شروط التعاقد مع التزامها بعدم حرمان الافراد من هذه الحقوق». ان مثل هذه الحكومة هي التي تزيد برأيه، من نشاط الاسواق وفاعليتها. ويدخل المؤلف ضمن هذا الاطار في شروح تقنية تفصيلية تتعلق بالمسائل الخاصة بالضرائب وقوانينها وآليات تنظيمها. لاسيما فيما يخص اسواق رأس المال والقروض ودورتها، وذلك باعتبار ان هذا الميدان هو الاكثر حساسية لطبيعة المؤسسات القائمة. وبالاعتماد على مجموعة من القواعد الاقتصادية المعروضة بالتفصيل يؤكد المؤلف على ضرورة وضع خطط اصلاحية مفهومة وواضحة تقوم على اساس معطيات واقعية، وليست فقط نظرية وايديولوجية. كما يؤكد ضمن الاطار نفسه على ان اي تغيير حقيقي يمر عبر زيادة «استيعاب النخب» للبرامج الاصلاحية المطروحة داخل الحكومات وخارجها. وهذا يعطي بدوره اهمية اكبر لمسائل البحث والتربية والنشر والنقاش حول «منطق» المؤسسات القائمة وفاعليته والآفاق التي يفتحها.. وفي نهاية المطاف الخيارات التي ينبغي تبنيها. بالمقابل يرى المؤلف بانه من الصعب على البلدان التي تشهد مرحلة انتقالية من مسيرتها التطورية، مثلما هو حال روسيا اليوم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ان تعرف افضل السبل من اجل التزود بـ «افضل المؤسسات». وتنطبق القاعدة نفسها على البلدان التي هي بطور التنمية اذ ان غياب الثبات والاستمرارية يجعل الحكومات ذات الطابع الديمقراطي نفسها تشجع بعض المصالح على حساب المصالح الاخرى، بل ويرى المؤلف بانه وفي اطار الديمقراطيات العريقة نفسها «تجهل» الغالبية العظمى من السكان «السياسات الخاصة» التي تنتهجها حكوماتها ولا ترى الا ما تقدمه وسائل الاعلام الرسمية لها. ويحلل المؤلف في احد فصول هذا الكتاب اهمية «المعرفة العلمية» الجيدة للاسس التي يعمل الاقتصاد بموجبها. ذلك ان مثل هذه المعرفة يمكن ان تكون ذات فائدة كبيرة في فهم الخلفية التي يمكن الانطلاق منها في اطار استراتيجية متكاملة لتحقيق التنمية. هكذا يرى المؤلف بان الآليات التي ادت الى قيام الفيدرالية الروسية بصورتها الحالية وعلى اساس بنية اثبتت عدم فاعليتها بل وسوء ادائها انما لم تكن تقوم، اي الآليات، في الواقع الاقتصادي على مسألة توزيع الثروات الاولية فحسب ولكن ايضا على اساس خيارات قامت اصلا بناء على فهم قانوني معين للمؤسسات ولاجراءات الخصخصة والاعتبارات الانتخابية. ويشرح المؤلف ايضا في عدة فصول من هذا الكتاب لمسيرة تطور الاسواق في الغرب ويعود الى منتصف عقد الثمانينيات حيث كان عدد من البلدان المعنية يعاني من درجة ما من «الفقر» بالقياس الى الاسواق الاخرى، وكانت «البرتغال» مثلاً تمثل احد هذه الاسواق «الفقيرة» كما ان اسبانيا كانت في بدايات نهوضها الى درجة ان بعض الاقتصاديين الغربيين قاموا بمقارنة مستواها الاقتصادي والتنموي انذاك بما كان سائدا في بلد مثل العراق، وبكل الاحوال كانت الاسئلة الخاصة بمشاكل التنمية، خاصة في البلدان الفقيرة تشكل احد المواضيع الاساسية للنقاشات الاقتصادية. ويبقى السؤال قائماً: لماذا نجد ان بعض البلدان غنية بينما الاخرى فقيرة في الوقت الذي تتعادل فيه ثرواتهما الى حد كبير؟ ان المؤلف يركز في معرض الاجابة على مثل هذا التساؤل على اهمية «رأس المال الانساني» ودرجة التطور التكنولوجي في ثروة الامم والشعوب ولكن لا يمكنهما وحدهما ان يفسرا واقع الثروة والفقر حيث تتدخل في هذا السياق سياسات الحكومات وآليات عمل السلطة. وايضاً دور المؤسسات الاقتصادية في غنى او فقر البلدان التي تعمل فيها. ان المؤلف يناقش في هذا الكتاب دور رجال السياسة والباحثين والاكاديميين والنخب الاخرى بشكل عام في التنمية.. و«الازدهار»، وكأي كتاب اقتصادي لابد وان يستعرض الكاتب بعض النظريات الاقتصادية الاساسية مثل تلك التي قال بها ادم سميث وريكاردو وكنزي وغيرهم. وقبل هذا وذاك يشكل هذا الكتاب بحثا معمقاً في «منطق السلطة» واصول النزعات الاوتوقراطية، وفي «حقوق الافراد» و«اليات انبثاق الديمقراطية». ولعل ابرز ما يميز هذا الكتاب دراسة المؤلف للدور المركزي الذي يمكن للحكومات ان تلعبه في تطوير اسواقها، حيث يتحدث عن «الحكومات التي تنمي الاسواق» كي ينطلق بعد ذلك الى دراسة تطور مفاهيم السلطة والحكم ذاتها والسياسات الاقتصادية المناطة بها في العالم في فترة ما بعد الشيوعية. ويركز في هذا السياق على دراسة الازمة المالية الاسيوية التي انطلقت منذ حوالي ثلاث سنوات وهددت يومها التوازن المالي الدولي كله. وينتهي المؤلف الى القول بان الديمقراطية ليست مجرد «رفاهية» يمكن للبلدان الغنية وحدها ان تتنعم بها، كما يتردد على قلم عدد من الباحثين والدارسين، وانما هي بالاحرى منظومة تسمح بفتح الافاق نحو تنمية حقيقية على المدى الطويل عبر احترام حق الافراد قبل اي شيء اخر. ولعل الفصلين الخاصين بدراسة الانتقال من الشيوعية الى الرأسمالية يلخصان الى حد كبير اهم الافكار الواردة في هذا الكتاب ويمزج المؤلف في تحليلاته كلها مجموعة من المشارب المتنوعة التي تشمل فضلا عن الاقتصاد، السوسيولوجيا بشكل خاص. وتكتسي هذه التحليلات اهمية خاصة عند الشروع في اية خطة اصلاحية تنموية. كتاب عن منطق السلطة وآليات الغنى والفقر في العالم في فترة ما بعد الشيوعية.