بيان الكتب: يعمل جيفري روزن، مؤلف هذا الكتاب استاذا لمادة القانون في جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الامريكية كما يشرف على قسم القضايا القانونية في صحيفة «فرانيور ريبابليك» تابع دراساته في جامعات هارفارد وباليوك واكسفورد ويال، يساهم بدراساته وقراءاته النقدية للكثير من الصحف والمجلات من بينها «نيويورك تايم ماجازين» و «نيويورك» يعيش حاليا في واشنطن. هل لاتزال هناك حياة خاصة في عصر التكنولوجيا ام لانزال نذكر الضجة التي اثيرت عند مقتل الاميرة البريطانية ديانا والرجل الذي يبدو انها كانت تتوجه نحو الزواج منه عماد الفايد بحادث سير في احد انفاق العاصمة الفرنسية باريس، كان المتهم الاول هم اولئك الطفيليون من الصحفيين والمصورين الذين كانوا يطاردونها في كل شاردة وواردة طمعا في صورة او تعليق او كلمة، تعددت الاصوات عندها منددة بهؤلاء الطفيليين ـ البابارازي ـ الذين لايحترمون الحياة الشخصية لاحد ومطالبة بتقديمهم الى المحاكمة وهكذا حصل، لكن تمت منذ فترة بسيطة تبرئتهم من التهمة الموجهة لهم امام احد المحاكم الفرنسية. لم تعد هناك حياة خاصة في الغرب عامة وفي الولايات المتحدة الامريكية خاصة هذه هي المقولة التي تتردد باشكال كثيرة في النقاشات الحالية التي اثيرت مؤخرا حول هذه المسألة. وهذا الكتاب هو في الواقع مساهمة رجل قانون عارف بمدى الهشاشة التي اصبحت تحيط بكل اسرار الحياة الخاصة للبشر وقد بدأ اهتمامه بهذه الظاهرة انطلاقا من مراقبة المسلسل الذي رافق فضيحة «مونيكا لوينسكي» التي كادت تطيح بالرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون عن كرسي الرئاسة، لم يكن اهتمامه منصبا على الجانب الاخلاقي للقضية كما كان هو الحال بالنسبة للاغلبية الساحقة من الامريكيين وانما على المعالجة القانونية والسياسية للمسألة والتي ادت الى توجيه الاتهام للرئيس الامريكي ثم تبرئته. هذه المتابعة لقضية كلينتون ـ لوينسكي نبهت المؤلف، على حد قوله الى ان ظاهرة جديدة «غير مألوفة سابقا» تشد اهتمام عامة الامريكيين وتخص «كشف الستار» عن الحياة الخاصة للبشر في المنزل والعمل وفي مختلف اوجه الحياة العامة انطلاقا من هذه الملاحظة جاء هذا الكتاب الذي يحاول مؤلفه «جيفري روزت» ان يدرس فيه التبدلات القانونية والتقنية والثقافية التي ادت الى اضعاف امكانيات الرقابة على كمية المعلومات الخاصة بنا والتي يتم توزيد الاخرين بها، اذ قد لايكون من المبالغة القول بان الذين «يرغبون» الحصول على معلومات عن اي شخص يستطيعون معرفة ادق الاشياء عنه. ولا يكتفي مؤلف هذا الكتاب بتقديم توصيف لظاهرة امكانية معرفة كل شيء عن اي شيء ولكن ايضا عن اي مكان، وانما يحاول ان يساهم في صياغة بعض الافكار والوسائل التي يمكنها ان تعيد للحياة الشخصية بعض عالمها الخاص، الذي لايعني الا اصحابها ويرى المؤلف بان «باولا جونز» عندما اتهمت الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون بأنه حاول اغراءها، لم تمس فقط الحياة الخاصة للرئيس اذ ان محاميها قام بابحاث ايضا عن الحياة الخاصة «العاطفية» للرئيس وانما مست ايضا الحياة الخاصة لمونيكا لوينسكي التي وجدت نفسها مضطرة للحديث صراحة عن علاقة كانت قد قبلت فيها دون اي ارغام مع الرئيس، بعد ان كانت قد اقسمت بانها سوف تقول الحقيقة، كل الحقيقة، ان الخطأ في هذا يجده المؤلف في القانون الذي يسمح بعملية «البحث» في اسرار الحياة الخاصة للبشر وحيث ان التحقيق حول «الجرم» الذي انطلقت منه القضية كان قد خرق الحياة الخاصة اكثرمما خرقها الجرم ذاته، ثم استمر الاعتداء على الحياة الخاصة للاخرين ـ كلينتون ومونيكا لوينسكي.. الخ في القضية المعروفة ـ بواسطة التحقيقات التي قام بها القاضي «المستقل» كينت ستار. تشكل قضية كلينتون ـ لوينسكي نقطة انطلاق، ومدخلاً لدراسة التبدلات القانونية والتكنولوجية التي تهدد امكانية رقابة الافراد على المعلومات الخاصة بهم وذلك خلافا لـ «حق» كانت قد تطرقت له مجلة هارفارد القانونية عام 1890 في مقال لها حول الحياة الخاصة والعامة وجاء في بان «القانون العالمي يؤمن لكل فرد حق ان يحدد في ظروف عادية الى اي حد يمكن لافكاره وعواطفه وانفعالاته ان تكون بمثابة معلومات يتم نقلها الى الاخرين» كما ان حماية الافراد من ان تتعرض لهم المقالات الصحفية ـ فيما يخص حياتهم الخاصة ـ هي بمثابة حق قانوني باسم عدم المساس بالشخصية الانسانية الذي يشكل هو الاخر جزءا من حق اخر، اكثر عمومية، ويتعلق بحق الافراد ان يعيشوا حياتهم الخاصة بسلام، لكن السنوات الاخيرة شهدت تراجعا كبيرا في مجال حماية الحياة الخاصة للافراد حسب مجموعة من القرارات صدرت عن المحكمة العليا الامريكية حيث ان بعض التعديلات هي التي سمحت بالتحقيق مع مونيكا لوينسكي تماشيا مع توجهات لمجلس القضاء الامريكي المستقل الذي يميل الى اعطاء صلاحيات كبيرة للمحققين ان مختلف هذه التعديلات والقرارات ذات الطابع القضائي المتزمت الذي اعطى للقاضي كنث ستار كل الصلاحيات التي سمحت له «بالتنبيش» في الحياة الخاصة للرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون والمتدربة السابقة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي ولكن ليس بدافع الوصول الى الحقيقة دائما «التشهير» بالرئيس الديمقراطي من موقع ايديولوجي جمهوري متطرف، للقاضي ستار. ان المؤلف يدعم على مدى صفحات هذا الكتاب فكرة ضرورة المحافظة على المجالات الخاصة التي يمارس فيها الفرد نشاطات لايحق ارغامه في مجتمع متحدث على كشفها للرأي العام، لكن بالطبع هناك بعض الاستشارات التي ينبغي ان يحددها القانون ايضا بحيث لايمكن التستر باي شكل من الاشكال، وتحت اسم حماية الحياة الخاصة، على الاعتداءات «الجنسية» التي يمكن ان يتعرض الاطفال لها، ويشير المؤلف ضمن هذا السياق الى الاختلاف الكبير في اسرار رجال القانون حول العلاقات، «غير المألوفة» التي تقوم بين البالغين وبرضى الطرفين، وهنا يجرى الحديث طويلا عما اذا كانت هذه الفئة من البشر مطالبة بـ «تبرير» اختلافها. يدرس المؤلف في الفصل الأول من هذا الكتاب «لكشف الستار عن الحياة الخاصة المنزلية، لا سيما فيما يتعلق بالحماية القانونية للرسائل البريدية ولدفاتر العناوين الخاصة وبقية الاسرار «الحميمة» الاخرى التي تشهدها المنازل: التي قد عانت من الخلل كثيرا اثناء السنوات الاخيرة في الولايات المتحدة الامريكية، هذا بعد ان كانت حماية الاوراق الخاصة نوعا من الحق المكتسب للافراد منذ حوالي قرنين من الزمن؟ ولم يكن تشكيل اللجان الاخلاقية سوى دليل على حالة «التردي» التي اصابت الحياة الخاصة على هذا الصعيد، وينقل المؤلف بهذا الصدد الكثير من الاستشهادات التي تم نشرها في الصحف والدوريات المختصة في امريكا التي تدل كلها على اختلاط الحدود خلال العقدين السابقين بين ما هو «معقول» وما هو «غير معقول» في ميدان حماية الحياة الخاصة «المنزلية». ويخص الفصل الثاني من الكتاب «الحياة الخاصة في العمل» حيث يعالج «السمات الخاصة» و«الوضعية القانونية» و«الرسائل الالكترونية» والرقابة على شبكات الانترنت والتكنولوجيات الجديدة التي تسمح لأرباب العمل برقابة عادات وسلوكيات المستخدمين العاملين في مؤسساتهم، هكذا يبدو ان ثورة المعلوماتية التي اعطت للانسان هوامش جديدة من الحرية كان لها بالمقابل وجهها الاخر من حيث انها حدت من هامش حريته الشخصية ووضعه تحت الرقابة المستمرة ولأدق تفاصيل حياته، ويكتسي هذا الأمر خطورة كبرى في الولايات المتحدة الامريكية حيث تم تعميم مثل هذا النمط من السلوكيات. وفصل ثالث يقدم فيه المؤلف مختلف الحجج لضرورة اعادة النظر في العديد من التشريعات النافذة في الولايات المتحدة الامريكية وخاصة فيما يتعلق بما يطلق عليه في الغرب اليوم تسمية «التحرش الجنسي» على اعتبار انه خرق للحياة الخاصة للمعنيين به. ويتابع المؤلف هذا النقاش القانوني لمسألة حماية الحياة الخاصة في الفصل الرابع من الكتاب وخاصة من زاوية الدور الذي تلعبه المحاكم عبر حكمها على شخصية الفرد على اساس «اعمال معزولة» قد لا تكون تعبر عن حقيقة سلوكياته واخلاقياته. ويحمل الفصل الخامس والاخير من الكتاب عنوان «الحياة الخاصة وندرة المعلوماتية» بالمعنى الواسع للكلمة، وأن تتم مناقشة هذه العلاقة من خلال تأثير شبكات الانترنت على الحياة الخاصة وحيث يبدو ان الانترنت على ما هي عليه الآن وسبل استخدامها تشكل تهديدا للحياة الخاصة، لذلك لابد من التفكير باعادة نظر جذرية في اطار خطة «استراتيجية» متكاملة لاعادة صياغة جزئية على الاقل للحياة الخاصة «التي فقدناها» كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب. وفي المحصلة العامة يرى المؤلف بأن التهديدات التي تواجهها الحياة الخاصة لابد ان يكون لها ثمن اجتماعي وسياسي وشخصي باهظ، هذا ما تدل عليه دراسة مظاهر مختلفة، كما تدل فصول الكتاب، وانما لنفس الظاهرة، والخلط بين المعلومات والمعارف في اقتصاد يقوم اكثر فأكثر على استخدام اللغة التكنولوجية للعلاقات بين البشر واستخدامها ايضا في نقل المعلومات للبشر عن البشر. ان هذا الكتاب يحمل رسالة ـ انذارا يؤكد فيها المؤلف بأن المكتسبات التي حققها الامريكيون في ميدان حماية الحياة الخاصة وخلال تاريخهم كله مهددة اليوم بالضياع، و«الاغرب» كما يقول المؤلف هو غياب ردود الفعل الحقيقية في مواجهة مثل هذا الخطر. كتاب وصفته صحيفة «النيويورك تايمز» بأنه «نص حاسم حول الاخطار التي تهدد الحياة الخاصة في عصر التكنولوجيا الرقمية» فانتبهوا اذ ان عينا ما تراقبنا من ثقب، كما يبدو على الغلاف الاول للكتاب وبكثير من «البلاغة».