بيان الكتب: كاثرين دوراندان، مؤلفة هذا الكتاب، هي مؤرخة فرنسية جعلت من التاريخ الروماني ـ تاريخ رومانيا ـ المعاصر اهتمامها الرئيسي واصبحت بمثابة المرجع الاساسي حول شئون رومانيا في فرنسا.. بل وأحد الاخصائيين الاوروبيين الغربيين البارزين في هذا الميدان. شكلّت رومانيا قبل عشر سنوات تقريباً احد مراكز الاهتمام السياسي والاعلامي الدولي. وسلطت كل وسائل الاعلام اضواءها على هذا البلد الاوروبي الشرقي الذي يعتبره المحللون الاكثر «فرنسية» بين بلدان الكتلة الاشتراكية «السابقة». كان مصدر الاهتمام ذاك متابعة مسلسل سقوط «نيكولاي شاوشيسكو»، الدكتاتور الروماني الذي ظل الى جانب زوجته على رأس السلطة عدة عقود من الزمن كان فيها السيد المطلق.. ومضرب الامثال. واليوم وبعد عشر سنوات يبدو ان رومانيا قد تراجعت الى منطقة «الظل» في الذاكرة الجماعية وغدت بلداً منسياً الى درجة كبيرة، لكن مؤلفة هذا الكتاب المؤرخة «كاثرين دوراندان» تقدم في عملها حصيلة السنوات العشر الاخيرة، او «المرحلة الانتقالية» كما تصفها. لكنها «المرحلة الانتقالية» التي فشلت رومانيا في اجتيازها بنجاح مما ادى الى نتائج مأساوية على صعيد مكافحة البؤس الشديد الذي تعاني منه شرائح متزايدة من المجتمع الروماني، كما كان له نتائجه السياسية السيئة كما دلّت نتائج الانتخابات التي شهدتها البلاد خلال عام 2000 والتي شهدت تنامياً كبيراً في قوة «اليمين المتطرف» الروماني بعد فترة «كساد» استمرت عدة عقود من الزمن. وتؤكد المؤلفة بأن الاوضاع المتردية التي آلت اليها البلاد تعود بالدرجة الاولى الى فشل الحكومة الرومانية خلال السنوات الاربع المنصرمة، اي حكومة تحالف قوى «وسط اليمين» المؤلفة من الحزب الوطني الفلاحي المسيحي ـ الديمقراطي والحزب القومي الليبرالي وبالتحالف مع الحزب الديمقراطي الذي يترأسه «بترو رومان»، ذلك الرجل الوسيم الذي شاهده ملايين البشر على شاشات التلفزيون اثناء «الثورة الرومانية» ضد شاوشيسكو، وحيث اصبح اول رئيس للحكومة الرومانية بعد سقوط الدكتاتور، وحزب الاتحاد الديمقراطي لماجايار رومانيا.. و«الماجايار» تعبير يتم استخدامه للدلالة على الرومانيين ذوي الاصول الهنجارية. من جهة اخرى اسفرت الانتخابات الرومانية عن فوز «ايون اليسكو» برئاسة الجمهورية. و«اليسكو» هذا كان المنظّر الايديولوجي للحزب الشيوعي الروماني «السابق» اما خصمه «كورنيلو فاديم ثودور» رئيس حزب «رومانيا الكبرى» ذو الافكار اليمينية المتطرفة المناهضة بصراحة للرومانيين ذوي الاصول الهنجارية «ماجايار» وللغجر الذين يشكلون نسبة لا يستهان بها من السكان حيث يعيد بعض المؤرخين الاصول الاساسية لـ «الغجر» او «اهل الترحال» كما تطلق عليهم التسمية في الغرب.. وكان هتلر قد صنفهم في ادنى المراتب الانسانية الى جانب اليهود وشرع في ابادتهم ايضا. لكن المعطى الاساسي الذي تؤكد عليه مؤلفة هذا الكتاب هو الغياب شبه الكامل لأي دور فاعل للديمقراطيين المسيحيين الذين يحكمون في رومانيا منذ عام 1996 وايضا لحلفائهم.. مما يعني بأن الشعب الروماني قد «عاقبهم» في صناديق الاقتراع، وحيث انهم غير ممثلين تقريباً في البرلمان الروماني. ان المؤرخة تشرح في هذا الكتاب الآليات التي دفعت بالرومانيين للوصول الى مثل هذه الاوضاع والغرق أكثر فأكثر في حالة متقدمة من البؤس واليأس... ورفضهم مع ذلك الحلول القادمة من الغرب.. وتؤكد المؤلفة في هذا السياق واعتماداً على العديد من المعطيات التاريخية والخصوصيات التي تميز الشعب الروماني بأن روما «تشبه الغرب» ولكنها «ليست غربية». بل ان احد المعضلات الحقيقية التي تواجهها رومانيا اليوم انما مصدرها هو الغرب نفسه ممثلاً قبل كل شيء بصندوق النقد الدولي وبالاتحاد الاوروبي اللذين يطالبان الحكومة الرومانية، مهما كان اللون السياسي للقائمين عليها، بتنفيذ بعض الاجراءات ذات الطابع «التقشفي». وهذا في الوقت الذي تنتظر فيه الفئات الاجتماعية الاكثر فاقة اجراءات لصالحها وهي التي تعيش في مستوى «دون عتبة الفقر» بكثير. ان المأزق الذي تعاني منه السلطات الرومانية كبير ويشبه «الفخ». لاسيما وان الاحصائيات غير مشجعة في سبيل بروز آفاق جديدة، اذ ان نسبة التضخم عام 2000 فاقت نسبة الـ 40%. بالمقابل تؤدي الاوضاع الداخلية الصعبة في رومانيا الى الكثير من التلكؤ على المستوى السياسي والدبلوماسي الخارجي. وتناقش المؤلفة في احد فصول هذا الكتاب العلاقة بين رومانيا والاتحاد الاوروبي وخاصة فيما يتعلق بمسألة انضمام رومانيا الى هذا الاتجاه وايضا على مستوى اخر، الى الحلف الاطلسي. وترى بأن تناقضاً كبيراً يقوم ايضا بين التوجهات السياسية الممالئة التي اتبعتها الحكومة الرومانية حيال الضربات الجوية التي وجهتها القوات الاطلسية الى يوغسلافيا وبين الرأي العام الروماني الذي لا تؤيد الاغلبية فيه تلك الضربات. وترى المؤلفة ضمن هذا الاطار بأن انضمام رومانيا الى الاتحاد الاوروبي انما هو بمثابة قضية «مؤجلة» وربما الى سنوات عديدة مقبلة. تجدر الاشارة الى ان «المجلس الاوروبي» الذي انعقد في هلسنكي خلال عام 1999 كان قد قرر ان يؤجل المفاوضات الخاصة بانضمام رومانيا الى الاتحاد الاوروبي الى ما اسماه بـ «الدفعة التالية».