بيان الكتب: مؤلفتا هذا الكتاب هما باحثتان في ميدان السوسيولوجيا، ووجهان بارزان من وجوه الحركة النسائية. ولهما كلتاهما مساهمات في عدد من الصحف والدوريات الفرنسية.. مع المساهمة في عدة كتب جماعية.. وهذا هو عملهما الاول الثنائي المشترك. «نساء.. وفخورات بذلك. قرن من التحرر النسائي» عنوان له دلالته الواضحة على مضمون هذا الكتاب... ولكن هناك دلالة اخرى لا تقل وضوحاً عن هذا العنوان وهي وجود صورة للكاتبة والفيلسوفة الفرنسية «سيمون دو بوفوار» على غلاف الكتاب وهي تشارك بإحدى المظاهرات النسائية.. ومن المعروف عن هذه الكاتبة، خاصة كتاب «الجنس»، الذي اصبح بمثابة احد المراجع، بل وربما «المرجع» في ميدان الافكار الخاصة بحقوق المرأة. وكانت سيمون دو بوفوار احد الوجوه القيادية النسائية اثناء حركة الاحتجاج الكبيرة التي اجتاحت فرنسا في شهر مايو من عام 1968 واطلقوا عليها فيما بعد «ثورة الطلبة». يتألف هذا الكتاب من ثلاثة اقسام رئيسية. وتتركز نقطة الانطلاق في البحث بـ «الاحداث» حيث تتعرض المؤلفتان الى تحليل المكاسب التي حققتها المرأة في المجتمعات الغربية خلال القرن العشرين على صعيد العمل والسياسة والحياة اليومية والخاصة. وتشكل ايضا احداث مايو 1968 في فرنسا او «ثورة الطلبة» كما اسلفنا احد المنعطفات الاساسية في هذا الاطار. وترى مؤلفتا هذا الكتاب بأن الافكار التي تم طرحها في هذا السياق اسست لمفاهيم جديدة على صعيد المجتمع بشكل عام، ولكن على صعيد حقوق المرأة بشكل خاص. وهذا ما كانت قد عبّرت عنه سيمون دو بوفوار بالقول: «اننا لا نولد نساء ولكننا نؤول الى هذا المصير». ان مثل هذا القول يشكل بوضوح نوعاً من الرفض لمقولة الانثى الابدية، وحيث تم الصاق العديد من الصفات الابدية هي الاخرة بها وليس اقلها الحماقة والجبن، وتلخص المؤلفتان في هذا السياق ما جاء في كتاب «الجنس الثاني» بانه بمثابة دعوة صريحة وجريئة للرجال وللنساء على حد سواء من اجل التأسيس لعلاقات قائمة على الاخاء والمساواة بالمعنى الانساني العام، بعد اثبات ان القمع لا يمكن الا ان يؤدي الى «الانفجار» على قاعدة «الضغينة والحقد». على صعيد العمل، تقدم المؤلفتان عملية تأريخ للمكاسب التي حققتها المرأة على هذا المستوى خلال القرن العشرين، مع تقديم بعض الرموز النسائية لكن نقطة البداية هنا يتم البحث عنها فيما هو ابعد من القرن الماضي اذ تجد المؤلفتان في شخصية «فلورا تريستان» التي عاشت في النصف الاول من القرن التاسع عشر هي ايضا جدة الرسام الشهير جوجان ـ وكانت من اول الوجوه النسائية في تاريخ الحركات الداعية لحقوق المرأة، هذا اذا لم تكن في اصل هذه الحركة بمعنى المدلول السياسي والنقابي لها. وكان الكاتب «اندريه بروتوست» مؤسسة المدرسة السريالية، قد كتب عنها عام 1954: قد لا يوجد في مسيرة الحركة النسائية كلها من ترك اثرا طويلا، في سماء العقل، وبنفس الاشعاع مثل ذلك الذي تركته فلورا تريستان بل وتتم الاشارة الى ان هذه المرأة سبقت ماركس وانجلز في الدعوة الى اقامة «حزب أممي» للعمال بحيث يحقق المساواة بين الجنسين، كأحد بنود برنامجه، وكانت فلورا تريستان على قناعة بان من يريد ان يدخل التاريخ عليه ان يلعب دورا هاما فيه . وقد لعبت هي هذا الدور من خلال الحركة النسائية التي انشأتها .. ولا تزال تجد صداها حتى الآن. وهناك وجه نسائي تاريخي آخر له مكانته في تاريخ الحركة النسائية الفرنسية خاصة والاوروبية والغربية عامة، ويتمثل في الثانية جورج ساند التي كانت قد عاشت هي الاخرى في القرن التاسع عشر، وانما في نصفه الثاني وحرصت على ان ترتدي «السروال» الرجالي وتأخذ اسم «جورج» بدلا من اسمها الحقيقي «اورور» اي الفجرة واصبحت بمثابة «رمز» لعدة اجيال لاحقة وقد حرصت جورج ساند ايضا على ان تعيش حياة فيها الكثير من الاستقلال وهكذا عاشت صداقات «حميمة» مع الكاتب «الفريد دو موسيه» وبعده مع الموسيقي الشهير «شوبان». ان مؤلفتي هذا الكتاب تحاولان عبر التحليلات المقدمة في عملهما اثبات ان الحركة النسائية، التي بدأت جذورها الاولى بشكلها المنظم في القرن التاسع عشر، قد اثبتت وجودها على جميع الجبهات القانونية والسياسية والاجتماعية. وهكذا توسع اطار «الفكر النسائى» بمعنى المرتبط بقضايا المرأة، كي يشمل مسائل جوهرية مثل الوضعية القانونية للمرأة ومساواتها على هذا الصعيد بالحقوق مع الرجل . ومطالبتها على المستوى السياسي بما يسمى «بالتكافؤ» اي بحيث يتم تمثيلها في مختلف المجالس على قدم المساواة، وعدديا مع الرجل . وهي تعتمد في نضالاتها هذه على مقولات مباديء حقوق الانسان والقيم الكونية التي يعتبر الغرب اليوم بأنه محركها الاساسي. ويتم البحث ضمن هذا الاطار عن الاسس الفلسفية التي اسست منذ فترات قديمة لـ «استبعاد» المرأة من الحياة العامة الى حد كبير. وتعيد المؤلفتان هذا الواقع الى سيطرة المجتمعات «الابوية» وسيطرة الرجل. وهذا ما يتم استعراضه منذ زمن «افلاطون وحتى جاك ديريدا» كما جاء في عنوان احد الكتب الصادرة خلال الفترة السابقة تحت عنوان: النساء من افلاطون الى ديريدا» ولهذا جعلت الحركة النسائية من احد اهدافها الرئيسية. وخاصة في ظل ثورة المعلوماتية، هز جدران «مملكة الرجل» وقد حققت المرأة بالتأكيد العديد من المكاسب التي ليس اقلها مشاركتها في جميع الانتخابات بالبلدان الغربية، اذ على الرغم من ان المرأة الاوروبية لم تنل حق الاقتراع الا في فترات متأخرة نسبيا، وخلال القرن العشرين، فان النساء قد اصبحن يمثلن وخاصة منذ عقد السبعينيات، قوة اجتماعية وسياسية لها وزنها في الحياة العامة. لكن وبكل الحالات لا تنسى المؤلفتان التذكير بأن المرأة في فرنسا مثلا عرفت حتى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عقوبة «قص شعرهن» امام الملأ بتهمة «التعامل» مع العدو، تماما كان فرانكو قد فعل مع النساء «الجمهوريات» اثناء الحرب الاهلية الاسبانية. ويكتشف القاريء في هذا الكتاب نوعا من «سير الحياة» المختصرة لعدد من النساء الشهيرات من امثال «اليانور روزفلت وماريا مونتيسوري وفريدريكا مونتسيني وغيرهن .. وتحت عنوان عريض هو «صور نسائية .. واساطير». يقال إن «عالم المرأة هو آخر ممالك الرجل» . يبدو ان مثل هذا القول قد غدا .. قديما.