بيان الكتب: كريستوفر هيوستن هو استاذ جامعي مختص بالمسألة الكردية بشكل خاص وبتركيا بشكل عام، له عدة مساهمات بهذا الخصوص في دوريات مختصة، مثل دراسة له بعنوان «الحلول الاسلامية للمسألة التركية: المواعيد الاخيرة ام الطريق المختصر غير المشروع» في مجلة «نيو بيرسبيكتيف» (آفاق جديدة) بعدد خاص حول تركيا. ودراسة اخرى بعنوان «الحداثات البديلة». وله كتاب لم يزل مخطوطاً تحت عنوان «الديمقراطية الجديدة الجميلة». هذا الكتاب «الاسلام والاكراد ودولة الامة الكردية» هو كتابه الاول. الفصول الاولى من هذا الكتاب مكرّسة لدراسة التطور التاريخي الذي أدى الى قيام الجمهورية التركية ذات التوجه الغربي، لاسيما في ظل كمال اتاتورك الذي حاول ان يصنع من بلاده جزءا من اوروبا الغربية متناسياً بذلك العمق الثقافي الاسلامي للمجتمع التركي ومما ادى الى نوع من الصراع بين تيارين «حديثي» و«تقليدي» عاشا في حالة نزاع شبه دائمة.. وهذا ما اطلق عليه البعض النزاع بين «القبعة» الغربية و«الطربوش». ان مؤلف هذا الكتاب يدرس باستفاضة كبيرة الصراع بين هذين التيارين اللذين يطلق عليهما في «القاموس» الذي استخدمه بهذا الكتاب «الاتجاهات الاسلامية» و«الاتجاهات العلمانية». ويرى «هيوستن» بأن الجيش التركي هو الذي يمثل هذه «الاتجاهات العلمانية» بحيث ان جند الامة يشكلون القوة الحقيقية في مواجهة القوى الاسلامية التي كانت قد وصلت الى السلطة منذ فترة غير بعيدة بزعامة «نجم الدين اربكان». ويعيد المؤلف في هذا السياق الى الاذهان الانقلاب العسكري الذي قام به جنرالات الجيش التركي عام 1970 بقيادة «كمال ايفرن» باسم حماية «القيم الجمهورية». ويعتبر المؤلف بأن لقادة الجيش، حتى وهم بعيدون عن مناصب الحكومة مباشرة، فإن لهم «يدا طولى» في تسيير مقاليد الامور في البلاد على الصعيدين الداخلي والخارجي. واذا كان ينظر الى الجيش ككتلة واحدة تمتلك الكثير من التجانس بين مكوناتها فإنه يميّز بالمقابل بين القوى الاسلامية السياسية التركية عبر تبني الفصل «التقليدي» بين قوى متطرفة وقوى معتدلة وحيث يميز هذه القوى كلها عن القوى العلمانية. بعد المقدمة التاريخية الطويلة لنشوء الجمهورية التركية على انقاض الخلافة العثمانية يدخل المؤلف في صلب موضوع كتابه، اي معالجة القضية الكردية، وجذورها التاريخية والدوافع الحقيقية الكامنة وراء واقع ان الاغلبية الكردية التي تعيش في جنوب شرق تركيا منذ عشرات السنوات هي في حالة «ثورة مستمرة» منذ اعلان الجمهورية في تركيا عام 1924. ولا يتردد «كريستوفر هيوستن» في وصف المسألة الكردية بأنها بين الاكثر تعقيدا في المنطقة، هذا على الرغم من ان البعض «لا يعترفون بها، بل ينكرون وجودها اصلاً». ان مقاربة المؤلف للقضية التركية تتم في هذا الكتاب من ثلاث زوايا اساسية لها علاقتها «البنيوية» بالحياة السياسية التركية. فهي تمثل اولا انتهاكاً لحقوق الانسان في هذا البلد، ثم انها ذات علاقة مباشرة بتوتر علاقات تركيا مع الدول المجاورة لها وخاصة العراق، وثالثاً واقع انها تشكل احد عوامل التشابك مع السياسة الامريكية والاوروبية حيال العراق، بشكل خاص وقضايا الشرق الاوسط بشكل عام. ويضاف الى هذا كله واقع الوضع الاقتصادي المتردي في المنطقة الجغرافية التي يقطنها الاكراد في تركيا، مما يدفع الآلاف منهم الى الهجرة. هذا على الرغم من وجود العديد من المشاريع التي ترمي من خلالها السلطة اعادة النشاط الاقتصادي الى المنطقة «الكردية» في تركيا. وتمثل السدود المائية الكبيرة على نهر الفرات بشكل خاص، اهم هذه المشاريع وذلك سعياً لتأمين الطاقة الكهربائية وتوفير مياه الري لاستصلاح الاراضي وزراعتها. وكان مؤلف هذا الكتاب قد قضى عامين في المنطقة بهدف اعداد هذا الكتاب حيث عايش عن قرب المشكلة الكردية في تركيا، والتي يرى ان مسألة حقوق الانسان تمثل العلامة الاكثر بروزاً فيها. وهنا ايضا يرى بأن وضع الاكراد في تركيا هو «الاسوأ» في المنطقة من وجهة نظر القمع الذي تمارسه السلطة المركزية عليهم، بالقياس الى ما هو موجود في ايران والعراق. ويروي المؤلف في هذا السياق ما عايشه اثناء اقامته في مدينة اسطنبول، التي يصفها بأنها «اكبر المدن الكردية»، وذلك بسبب هجرة الاف الاكراد اليها.. وهو يؤكد الكثير مما كان قد سمع عنه وقرأه عما تشهده هذه المدينة منذ عشرات السنوات من اعمال التعذيب والقتل والاختطاف والاعتقال.. لكن هذه الاعمال، والكلام دائما للمؤلف، هي اقل بكثير مما تشهده المناطق النائية البعيدة، حيث القمع «ابشع واشد وحشية». ويشير «هيوستن» بهذا الصدد الى عدد من الاحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية التركية نفسها والتي تقدر عدد القرى التي تم تدميرها بـ 2200 قرية حتى الان. ويفتح المؤلف ضمن هذا السياق قوسين لمعالجة «كيفية» رؤية المشكلة الكردية من خلال وجهة النظر التركية داخليا. انه يميز في هذا الاطار بين موقف الدولة التركية التي تسعى الى المحافظة على أكبر قدر ممكن من التجانس بين مختلف شرائح المجتمع الاثنية وغيرها عبر العمل على ايجاد قدر مطلوب من «التوحيد الثقافي» وبين موقف الجيش التركي الذي يلعب دوراً مهما وخطيرا في الحياة السياسية التركية، والذي ينظر الى المشكلة الكردية من زاوية مكافحة الارهاب والحفاظ على امن الدولة والمجتمع والتصدي لجميع عمليات العنف الصادرة عن التنظيمات والمجموعات الكردية المختلفة. لكن هناك موقف ثالث يحدد المؤلف موقفه بين الموقفين السابقين، وهو الموقف الذي يتبناه «المجتمع المدني» الذي يرى بالمشكلة الكردية تحدياً كبيراً يستدعي مواجهة المسائل المتعلقة باختلاف اللغة والثقافة وكيفية تأمين حد من التجانس الاجتماعي مع صيانة الحد الادنى من «حق الاختلاف». واذا كانت القضية التركية تشكل، كما يراها مؤلف هذا الكتاب، اكبر التحديات الحقيقية التي تواجهها تركيا من حيث ارتباطها العضوي بمسائل الامن القومي والديمقراطية وتطبيق احكام القانون بل وحتى بهوية الدولة التركية نفسها، فإنها ايضا، وهذا ما يؤكد عليه المؤلف كثيراً، مشكلة الاكراد انفسهم. من هنا يمكننا ان نفهم وصف المؤلف لها بأنها مشكلة «مركبة» و«معقدة». ولا يمكن الفصل بين فرعيها التركي والكردي لاسيما وان الاكراد يمثلون اكبر جماعة عرقية في الشرق الاوسط لا وطناً خاصاً لها.. كما ان النزعات الانفصالية الكردية تشكل الخلفية التي تدعو البلدان التي يعيشون فيها الى تشديد الرقابة عليهم، وخاصة في تركيا التي تضم اكبر عدد منهم. ويربط المؤلف، بين اعلان النظام الجمهوري في تركيا وبين الغاء كل ما يتعلق بالهوية التركية. اذ في «اليوم» الذي تم فيه اعلان الجمهورية وانهاء الخلافة ثم ايضا اغلاق جميع المؤسسات والمنظمات والهيئات القائمة على اساس الخصوصية التركية من مدارس وجمعيات وصحف وغيرها.. بل وجرى تطبيق الحظر الكامل على استخدام اللغة الكردية. او اطلاق اسماء كردية على المواليد الجدد. كما برزت في هذه السياق عدة نظريات ودراسات «تاريخية» تنفي وجود اي هوية كردية وتؤكد بأن الاكراد ليسوا سوى «اتراك». هكذا تزامن اعلان الجمهورية في تركيا مع بداية التمرد الكردي على السلطة المركزية واستمر هذا التمرد ـ الثورة عبر نشاط العديد من المنظمات السرية الكردية. ويؤكد المؤلف بأن السنوات الاخيرة قد شهدت نوعا من التوجه العام نحو الوصول الى درجة اكبر من الاندماج في اطار عام شامل تحت شعار ان العداء للدولة التركية يدعو الجميع الى «التوحد في جبهة موحّدة»، وبعدها «يمضي كل منهم في سبيله» بعد تحقيق الاهداف التي كانوا قد اجمعوا عليها. ان المؤلف يكرس ضمن اطار دراسة «الحالة الداخلية» الكردية العديد من صفحات كتابه لدراسة ايديولوجية حزب العمال الكردي وتوجهاته السياسية، وذلك باعتباره احد اكبر القوى السياسية الكردية. هذا وقد لقيت العمليات التي قام اعضاؤه بها ضد السلطة التركية تأييد الاغلبية الساحقة من الاكراد، بما في ذلك التيارات ذات التوجه الديني الاسلامي. ولم يصدر بهذا الصدد، من اية جهة كردية كانت، ما يدين تلك العمليات التي تصفها الحكومة التركية بأنها «ارهابية». وفي المحصلة، ان مؤلف هذا الكتاب، والى جانب القضية الكردية بكل ابعادها وتداخلاتها وتأثيراتها على مجمل الشأن السياسي في منطقة الشرق الاوسط، بل وعلى مستقبل انضمام، او عدم انضمام، تركيا الى «الاتحاد الاوروبي»، يطرح على بساط البحث والنقاش مسألة «التعددية الثقافية» في بلد مثل تركيا يشهد منذ عقود صراعات لم تحسم بعد على قاعدة «الاصالة» و«المعاصرة» وبوجود مجموعة اثنية تعد بالملايين وتطمح «تاريخياً» الى تحقيق هويتها الوطنية..