بيان الكتب: وصلت الى اسرائيل عام 1957 وكنت مواليا يومها للصهيونية، وقد خرجت منها بعد عشر سنوات عبر جسر اللنبي وراء اللاجئين الفلسطينيين كي اقاوم معهم ضد الصهيونية. بول جوتييه هو قس فرنسي غادر فرنسا حيث كان يدرس الثيولوجيا والفلسفة في جامعاتها الى فلسطين حيث كان يريد ان يخفف بقدر استطاعته من بؤس الفقراء، وصفه الكاتب الفرنسي "جيل بيرو" في كتاب له يحمل عنوان "حكاية رجل متفرد" بانه شخصية لامعة وتستحق اكبر قدر من الاحترام. وكان بيرو قد كرس فصلا كاملا من هذا الكتاب لـ "بول جوتييه". وكان بول جوتييه احد الذين ساهموا في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال سنوات 1939 ـ 1945 وكانت تجربته النضالية تلك كما يصفها فيما بعد بكتابه، بمثابة الدرس الاساسي الذي تلقاه بضرورة الوقوف ضد الظلم مهما كان مصدره وهذا ما فعله بالتحديد عند تعرفه على حقيقة الحركة الصهيونية. ان هذا الكتاب يشكل في احد وجوهه تجربة مؤلفه في تعرفه على حقيقة هذه الحركة، ذلك انه كان قد جاء الى فلسطين ورأسه مسكون بالكثير من الاحكام المسبقة الموالية للاطروحات التي كانت وسائل الاعلام الخاصة منها والرسمية ترددها حول ان الهدف النهائي لهذه الحركة هو انهاء «الآلام» التي تعرض لها اليهود في ظل الحكم النازي واثناء الحرب العالمية الثانية ليقول بول جوتييه في خاتمة الكتاب التي تعكس في نهاية الأمر «نقطة وصول» مثل تلك التي كان هو نفسه قد وصل اليها من موقف مغاير مايلي مؤكدا بانه ورغم كل الشعارات التي طرحتها في البداية فإن الصهيونية «تحولت الى سلطة دولية ـ من دولة ـ عدوانية توسعية ارهابية.. الخ». ولا يتردد المؤلف في القول بأن تجربة ادراكه لـ «خطأه الدولي ـ المبدئي» كانت قاسية جدا اذ ليس من السهل تشكيل وعي آخر لان هذا يتطلب الخروج من سياق تاريخي كان قد تشكل عبر عملية تكديس تأهلت شيئا فشيئا في اعماق النفس ولا يتردد ايضا في «الاعتراف» بأنه قد «وقع لفترة طويلة تحت اغراء نفي الوقائع، كان لايريد ان يصدق ما تراه عيناه لانه يخالف ما كان يعتقده ولعل صراع «بول جوتييه» مع نفسه يشكل احدى النقاط الاساسية في هذا الكتاب ـ الشهادة. لكن قوة الواقع بدأت تفرض نفسها شيئا فشيئا. ان احداثا صغيرة ـ كبيرة ومن بين هذه الاحداث تلك الشكوى التي توجهت له بها امرأة فلسطينية متقدمة في السن قائلة: «انني وحيدة في هذا العالم» وذلك لانها بالفعل كما يقول كانت وحيدة اذ انها «فقدت زوجها وانفصل اطفالها عنها بفعل الحرب لقد كانت في الوضع الاجتماعي والنفسي الذي كان يشمل الكثير من البشر هناك، يتامى ومطلقات وارامل، ان عددا كبيراً من الاسر العربية قد تم تفريق ابنائها بسبب الحرب الاسرائيلية ـ العربية قسم منهم لجأ الى البنان واخر الى سوريا وثالث الى الاردن وبقي قسم في اسرائيل وقد احتفظ الكثير من الاطفال اليتامى في ذاكرتهم بالمذابح التي تعرض لها اهلهم امامهم. كان مثل هذا القول مجرد شهادة «خجولة» من قبل بول جوتييه امام مذبحة كانت قد حدثت في احدى القرى على يد مسلحين يهود، هذا ما استطعت الاعتراف به حيال تلك المذبحة، كان مجرد محطة في طريق وضعه المؤلف نفسه بالقول: لقد وصلت الى اسرائيل عام 1957 وكنت مواليا يومها تماما للصهيونية، وقد خرجت منها بعد عشر سنوات عبر جسر اللنبي وراء اللاجئين الفلسطينيين كي اقاوم معهم الصهيونية. ان مسيرة الوعي هذه التي دفعت اليها الوقائع وجدت ايضا دعما نظريا لها لدى كتابات العديد من المفكرين والمثقفين الغربيين الذين لم يقعوا تحت تأثير الدعايات الصهيونية من امثال المفكر الكبير برتران روسل الذي ينقل عنه المؤلف في مذكرة له حول احداث الشرق الاوسط «ان تطور الاحداث في الشرق الاوسط خطير وفيه الكثير من الدروس بنفس الوقت، اذ ومنذ عشرين عاما ـ كان تصريح روسل عام 1970 ـ تلجأ اسرائيل الى قوة السلاح من اجل توسيع رقعة اراضيها، وبعد كل مرحلة توسعية تقوم بها تدعو الى التعقل وتدعو للمفاوضات». وهذا هو نمط السلوك التقليدي لقوة امبريالية تبحث عن تعزيز مواقعها بأبخس الاثمان في المناطق التي تكون قد حصلت عليها بالقوة، وكل عملية استيلاء جديدة على الاراضي تغدو بمثابة قاعدة للمفاوضات انطلاقا من موقع القوة مع التجاهل الكامل للمظالم التي رافقت الاعتداءات التي سبقت العملية نفسها، هذه سياسة تنبغي ادانتها ليس فقط لانه لايحق لاي بلد ان يضم اراضي بلد اخر فحسب، بل لان عملية توسعية جديدة تقوم بها اسرائيل اي تشكيل وسيلة اختبار الى اي مدى يمكن ان تذهب حدود تسامح الرأي العام العالمي في وجه اعتداءات جديدة. ان نشر بول جوتييه لهذا المقطع الطويل من مذكرة «برتراند روسل» يأتي بشكل كامل في اطار تبني كل ما جاء فيها وخاصة في النتيجة التي توصلت لها تلك المذكرة والقائلة: ان جميع اولئك الذين يريدون وقف نزيف الدم في الشرق الاوسط عليهم ان يتأكدوا بان التسويات التي يقترحونها لاتحمل في جوهرها بذور حرب جديدة، ان العدالة تتطلب كشرط اولي لاية تسوية حقيقية بالانسحاب الاسرائيلي من جميع الاراضي التي احتلتها عام 1967 وينبغي الشروع بحملة عالمية من اجل تطبيق العدالة حيال الشعب الذي يعاني اكثر من جميع شعوب المنطقة منذ زمن طويل. ان مثل هذا المنطق يجد مداه في القاموس الذي توصل اليه بول جوتييه، بجملة واحدة مفادها بانه لايمكن لاي شعب من الشعوب ان يقيم سعادته على قاعدة شقاء شعب اخر، تجدر الاشارة الى ان بول جوتييه قد حافظ باستمرار اثناء تجربته الحياتية في فلسطين كما في تحليلاته بهذا الكتاب، على خلفية اساسها «التسامح» الذي تدعو اليه جميع الاديان السماوية لكن هذا لم يمنعه ابدا من ان يتخذ مواقف جذرية راديكالية بعد رحلة تحول في «الوعي» بدأت بالملاحظة والتساؤل والتشكك والرفض الضمني والرفض الخجول ووصولا الى الا يكتب في رسالة وجهها عام 1989 الى «اسحق رابين» في شهر يوليو من عام 1989 وقال في احد مقاطعها: «لقد انتصرت في حرب يونيو 1967 وسيطرت بذلك اسرائيل على الاراضي المحتلة وضمتها كما فعلت انجلترا بالنسبة للهند وفرنسا حيال الجزائر والفيتنام. لكن زمن الاستعمار قد ولى وانقضى. والمستعمرات السابقة اصبحت اعضاء كاملة العضوية في منظمة الامم المتحدة. فلماذا ينبغي ان تبقى اسرائيل حذاءها العسكري (..)، فوق الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة وحيث جريمته الوحيدة انه حرص على البقاء في ارضه؟. ان الموقف الجذري الذي وصل اليه «بول جوتييه» دفع احد زملائه القساوسة وهو «جان كاردونيل» الذي قام بتأليف العديد من الكتب الى وصفه بـ«بول العنيد» ثم يضيف: «هناك بشر عنيدون كثيرون ولكن ليس هناك اي واحد مثله»، هذا الى جانب تأكيده بنفس الوقت على جانبه «المتسامح». عاش بول جوتييه عشر سنوات متواصلة في فلسطين.. كما بقي بعد خروجه منها «نهائياً» عام 1967 احتجاجا على العدوان الاسرائيلي آنذاك، فإنه بقي يتردد على المنطقة حتى عام 1975 حيث تنقل بين الاردن ولبنان ثم عاد مجددا الى فرنسا بعد مرحلة وسيطة قضى جزءا منها في البرازيل عام 1968 ثم انتقل الى آسيا عام 1970 وتحديدا الى الهند وحيث يخص هاتين التجربتين ببعض الصفحات في نهاية الكتاب. وهذا ما دفع ادمون جوف الاستاذ في جامعة السوربون، والمختص بالعلاقات الدولية واحد الوجوه الفرنسية المعروفة في حقل الدعوة لتنمية بلدان العالم الثالث، الى اعتبار القس «بول جوتييه»، بمثابة احد المناضلين الحقيقيين في حقوق انصار العالم الثالث في الغرب.. وانه احد الذين ساهموا ببعث بعض «الأمل» لدى عدد كبير من الناس الذين عرفوا الألم اكثر من غيرهم او يضعه في هذا الاطار الى جانب شخصيات اخرى من امثال «فرانز فانون» صاحب كتاب «المعذبون في الارض» وايضا صاحب كتاب «من اجل ثورة افريقية»، وكان دعا في هذين العملين لضرورة الشروع في كتابة «تاريخ آخر للعالم اكثر عدلا» وبغير الطريقة. يقول فرانز فانون في احد مقاطع «المعذبون في الارض»: اذا اردنا للانسانية ان تتقدم خطوة صغيرة، وان نضعها في مستوى مختلف عن المستوى الذي حددته اوروبا لها، فإنه علينا ان نخترع ونكتشف. واذا اردنا ان نستجيب الى ما تنظره الشعوب منا فإنه ينبغي علينا ان نبحث في مكان آخر غير اوروبا. وهذا من اجل اوروبا ومن اجلنا ومن اجل الانسانية علينا ان نصنع جلدا جديدا ونطور فكرا جديدا «ونحاول ان ندفع باتجاه انسان جديد». ان «بول جوتييه» يقول شيئا شبيها كثيرا بهذا القول لفرانز فانون، ولكن في سياق آخر وبتعبيرات اخرى.. ولاشك بأن «ادمون جوف» لم يخطيء في مقاربته بين الرجلين. «ويتمزق الشراع» هو اعترافات صادقة لرجل يدعى «بول جوتييه» ويستعيد فيها ذكريات ونضالات فترة حاسمة من حياته.. كان همه الاول فيها هو البحث عن الحقيقة على ضوء «الايمان» الذي كان يحمله في صدره. ان ما جاء في هذا الكتاب يبدو احيانا وكأنه عمل روائى «ملتزم» بقضايا الانسان. لكن كل ما جاء به هو حقيقي وواقعي. بل هو اقرب ما يكون الى التحقيق الصحفي. إن المؤلف يتحدث عن طفولته وسنوات مراهقته وتجربته في الناصرة «كعامل بناء» لانجاز مساكن للفلسطينيين الذين ظلموا منذ عام 1948 تحت النير الاسرائيلي. في المحصلة ان كتاب بول جوتييه بمثابة دعوة الى المقاومة ضد اشكال التهديد التي تستهدف الحياة الانسانية. وهو كتاب ـ دعوة للأمل ايضا قال عنه الباحث الايطالي ماريو سيتا ما يلي: في هذه اللحظة التاريخية التي يتم فيها اسكات الحقيقة وطمسها. يعلن بول جوتييه في كتابه الداعي للحياة وللنضال ان هناك علامات على الفجر القادم. هذا كتاب اعتقد مؤلفه بأنه كان يفترض ـ كما يثير في مقدمته ـ ان تتم ترجمته للغة العربية. لكن على حد علمه ـ وعلمنا ـ لم يتم ذلك. بكل الأحوال ان هذا لا يغير شيئا فهذا هو النص الاصلي.