بيان الكتب: حقاً انه زمن الانتفاضة، التي لم تخمد جذوتها، ولم تفل عزيمتها، ولم تخر قواها، الانتفاضة التي هبت لتنقذ الحركة الوطنية الفلسطينية من ورطتها مرتين، الاولى عام 87 حيث انقذت منظمة التحرير من مأزق العمل المسلح المنطلق، من التخوم، والثانية في عام 2000 ولاتزال عندما انقذت السلطة من اوهام السلام وانقذت المعارضة من اوهام الصهرانية والنقاء الاجوف.. فاستردت الحركة الوطنية الفلسطينية بذلك عافيتها في نهاية الثمانينيات باستعادة وحدة منظمة التحرير كما حدث في المجلس التاسع عشر الذي عقد في الجزائر عام 88 ثم استعادت بعض العافية حالياً. والانتفاضة حالياً قدمت فرصة اخرى جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية حتى تصحح مجرى عملية التحرر الوطني التي تعرضت لانسداد سياسي دفعها الى الانتقال التدريجي من المراوحة في الواقع الدفاعي السلبي الى التقهقر في مسار تراجعي لم تتوقف وقائعه بعد. في كتابه الذي صدر هذا العام تحت اسم زمن الانتفاضة يقول الدكتور عبدالاله بلقزيز.. انه لا يمكن القول ان الانتفاضة ورغم اهميتها الاستثنائية توفر للحركة الوطنية الفلسطينية حلا سياسياً لازمتها، بل انها توفر فرصة مثالية للحركة لانجاز مراجعة سياسية وفكرية شاملة لملف العمل الوطني ولمجمل العوامل والاسباب التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني الى الاخفاق الذريع وخيار اوسلو اكبر تجلياته الماثلة امامنا اليوم. وتناول الكاتب الفجوة الرهيبة المتزايدة اتساعاً بين النخب السياسية الفلسطينية وبين المجتمع الفلسطيني المتدفق حماسة. وكذلك انزلاق الفكر السياسي الفلسطيني للدفاع عن فكرة الاستقلال الوطني بدلاً عن فكرة التحرر الوطني والدفاع عن الدولة وليس الدفاع عن الوطن. ويتطرق ايضا بالقول ان هناك فجوة واضحة ومتعاظمة بين النخب الفلسطينية المختلفة وبين المجتمع.. ورغم الدور الريادي لحركة فتح في قيادة الانتفاضة الا ان ذلك لم يؤد لاخفاء تلك الفجوة والتي تتضح ملامحها في تعب السلطة والقيادات السياسية مقابل حماسة المجتمع النشطة في مقاومة الاحتلال عبر الانتفاضة وفي الرفض اللفظي لفصائل المعارضة مقابل نزع الممارسة النضالية الميدانية للمجتمع.. مع ملاحظة وجود ترهل في البنى التنظيمية السياسية الفصائلية وتكلسها مقابل الحيوية المتجددة المنبعثة في النسيج الاجتماعي النضالي المدني. ويمكن القول ان من أهم العوامل التي صنعت حالة الخلل في المشروع الوطني الفلسطيني، خاصة في العقود الثلاثة الاخيرة هي الانتقال من استراتيجية التحرير الى استراتيجية الاستقلال وذلك في سياق ميلاد فكرة الدولة المستقلة في الفكر السياسي الفلسطيني مما افرز نتائج سياسية نالت كثيراً من المشروع كمشروع تاريخي ومن مضمونه السياسي كمشروع وطني ثوري، بل ادخلته في دورة من التناقضات وفي منحدر تراجعي لم يبرحه بعد. وخلاصة القول.. ان الانتفاضة انهت العمل بخيار التسوية ولكن حتى الان لم تستثمر سياسياً بل تحتاج لبذل جهد اكبر لمعرفة طبيعتها والا اصبنا بالعجز التام وادخلناها في حركة تقييد تعيق انطلاقتها وتجمد فاعليتها. « بيان الكتب »