جميعنا يدرك خطورة حوادث السير على حياة البشر، لكن ماذا عن التلوث الذي تلفظه المركبات على الطرقات؟ قد يصدم المرء لمعرفة ان عدد الاشخاص الذين توفوا بامراض لها علاقة بالتلوث في لندن العام الماضي يفوق عدد الذين لقوا حتفهم في الحوادث المرورية. فبحسب تقرير حديث ينظر في العلاقة بين الصحة والتلوث في العاصمة البريطانية، فان حوالي 380 شخصا توفوا باسباب لها علاقة بالتلوث العام الماضي بالمقارنة مع 226 حالة وفاة في حوادث الطرق. كما ان الانبعاثات الغازية المرورية تخفض ايضا متوسط العمر المتوقع للفرد، منقصة حوالي 34 الف عام من اعمار سكان لندن كل عام. والاخطر من ذلك كله ما يقال في ان نحو نصف مليون شخص في لندن يعانون من مشاكل نفسية ثانوية كنتيجة للتلوث المنبعث من وسائل النقل، وان كان هذا الرقم لم يتأكد بعد احصائيا. الناطق باسم حملة «النقل 2000» لا يبدو متفاجئا بهذه الارقام حيث يقول: يقدر ان حوالي 24 الف بريطاني يموتون مبكرا في كل عام من امراض لها علاقة بالتلوث في حين ان 3400 شخص فقط يلقون حتفهم على الطرقات. لكن جو بوشدا، احد القائمين على برنامج المناخ والبيئة والمعلومات في جامعة مانشستر يقول ان الارقام التي تثير القلق حقا هي اعداد الاشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية بسبب التلوث، وليس عدد الوفيات حيث يقول: من الطبيعي ان مريض الربو يمكن ان يعاني من ازمة قاتلة اذا استنشق ادخنة الديزل، لكن التلوث، في الاغلب يفاقم المتاعب الصحية. اذن، كم هو عدد الاشخاص الذين يتأثرون بسرعة بمواصفات الهواء السيئة؟ تيم براون، مدير سياسة الجمعية الوطنية للهواء النظيف يرى انه ليس هناك جواب محدد لهذا السؤال لكن في مؤتمر عقد في وقت سابق هذا العام بدأ العلماء في تخمين الارقام. ويقول براون: 5 بالمئة من السكان الضعفاء الحساسين ربما يمرضون ويضطرون للذهاب الى المستشفى بسبب التلوث الذي يمكن أن يقصر اعمارهم، بسنوات في بعض الحالات. هناك علاقة متبادلة قوية بين دخان وسائل النقل وازدياد خطر الوفاة. وفي هذا السياق يفاجأ المرء بمعرفة ان جودة الهواء لعام 2000 سجلت ارقاما قياسية ففي المناطق المدنية انخفض عدد الايام التي يكون فيها التلوث متوسطا او عاليا، الى ما متوسطه 76 يوما بالمقارنة مع 30 يوما في عام 1999 و 23 يوما في عام 1998. لكن جو بوشدا يشكك في هذه الارقام ويقول : «ربما يكون الطقس قد اثر على نتائج عام 2000 فقد امطرت كثيرا العام الماضي، وكان هناك عدد اقل من الايام المشرقة التي تسرع فيها اشعة الشمس التفاعل الكيماوي الذي ينتج الاوزون منخفض المستوى». ويشير علماء آخرون الى ان سبب تقلص مستويات ثاني اكسيد الآزوت الذي يعتبر من مصادر القلق الرئيسية في المناطق المدنية، هو ادخال «المحفزات» الى المركبات في التسعينيات واستحداث نظام التنظيف الالزامي لمحطات الطاقة. لكن بالمقابل كما يقول براون فإن «المشكلة الكبرى المتصلة بالحركة المرورية على الطرقات لم تعالج بفعالية فالسيارة الواحدة اصبحت انظف لكن وجود كثافة الحركة المرورية تعني بطبيعة الحال تلوثا اكثر». والحقيقة المنذرة بالخطر هنا انه من المتوقع للحركة المرورية ان تنمو بنسبة 50 بالمئة مجددا بحلول عام 2026 هذه ليست هواجس يطلقها انصار حملة نظافة الهواء بل ارقام حكومية رسمية. وهكذا فان التقنيات الجديدة بما في ذلك اعتماد وقود انظف للمحركات، لن تقاوم التلوث الصادر عن الحركة المرورية المتنامية. ويقول ناطق باسم حملة «النقل 2000» بريطانيا تتخلف عن ركب بقية بلدان الاتحاد الاوروبي لاننا مازلنا عالقين في مرحلة السيارة هي الافضل التي دخلناها في الثمانينيات ولم نطور بدائل حقيقية في النقل العام ولم نشجع على المشي او ركوب الدراجات الهوائية. وتتحمل ادارة البيئة والغذاء والشئون الريفية التي استحدثت مؤخرا مسئولية الاداء الحكومي فيما يتعلق بموضوع جودة الهواء، لكنها ـ السلطات المحلية ـ هي التي يجب ان تجمع خطط الاجراءات المحلية لمعالجة مشكلة المرور وسيمر عام آخر قبل ان تختبر فاعلية هذه الخطط. ويقول براون ان الحكومة تخاف من ان تبدو بمظهر المعادي للسيارات. ويضيف: لم نسمع اي شيء حول تلوث الهواء في الخطاب السياسي، لكن نحن لسنا بحاجة لتشريعات جديدة لمراقبة مستويات التلوث وضبطها بقدر ما نحن بحاجة لبدائل تغني عن استخدام السيارات. واستخدام البدائل بات سهلا وزهيد التكلفة في ايامنا هذه. اما جو بوشدا فيعتقد ان على البريطانيين ان يتحلوا بقدر اكبر من المسئولية الشخصية حيث يقول: يجب على الناس ان يعوا انهم جزء من المشكلة وجزء من الحل ايضا. لقد اصبح تلوث الهواء في العالم المتقدم مشكلة شخصية لان التلوث الصناعي مستمر في الانخفاض، لكن التلوث الصادر عن وسائل النقل آخذ بالازدياد. ويجب القيام بمبادرات جادة لتشجيع حس المسئولية عند الافراد، فعندما يعلق السائق في اختناق مروري، تراه يحمل مسئولية الخطأ للجميع ما عداه هو وهنا يكمن عدم الاحساس بالمسئولية. علي محمد