كان الميدان خاليا تمام الا من عربة فول اعتاد العمال الذين يذهبون لأعمالهم في ساعة مبكرة من الصباح الوقوف عليها وتناول طعام الافطار عندما اندس عم حسن الاسناوي وسط الواقفين، وطلب طبق فول ورغيفاً وشخص ببصره بعيدا يفكر في رزق اليوم الذي لم يبدأ ولم يشعر ابدا ان بصره كان معلقا في هذه المدة كلها بحقيبة بنية كبيرة موضوعة بجانب شجرة على الرصيف المقابل لعربة الفول، ولكنه بعد ان دقق مليا في هذه الحقيبة افاق من خياله وبدأ ينظر حوله لعله يجد من يلتقط هذه الحقيبة الا ان وقتا طويلا مضى والشارع شبه خال تمام ولا أحد يقترب من الحقيبة على الاطلاق بل ان شخصا تصادف مروره بجوارها لم يلتفت لها على الاطلاق ظل الفضول يراود عم حسن يريد معرفة لمن هذه الحقيبة حتى بعد ان انتهى من افطاره وظل واقفا عن بعد يراقب الحقيبة الى ان زاد فضوله فتجرأ وتحرك باتجاهها قاطعا الشارع الذي بدأت الحركة تدب فيه تدريجيا وما ان اقترب من الحقيبة حتى امسك بها وحملها وتساءل.. حقيبة من هذه؟ الا ان أحدا لم يجرؤ على القول بأنها حقيبته، وظل عم حسن ينادي حتى تجمع الناس حوله وقال له أحدهم افتحها.. بينما قال آخر لا قد يكون بها قنبلة وقال ثالث أو ربما بها أموال مسروقة وانبرى رابع يقول أو ربما بها جثة قتيل!! وعند هذه العبارة بدأ الناس يهربون بينما وقف عم حسن وحيدا والحقيبة بيده الى ان اقترب منه أحدهم وأشار عليه بتسليم الحقيبة الى ملاحظ محطة الاتوبيس ربما نسيها أحدهم وقد يعود للسؤال عنها، ولكن ملاحظ المحطة رفض تسلم الحقيبة وشرع على الفور بإبلاغ الشرطة.. وتفرق الجميع بينما بقي عم حسن يندب حظه وملاحظ المحطة يرفض مغادرته للمكان وبعد دقائق وصلت دورية الشرطة بقيادة نقيب ورجح ان تكون بالحقيبة متفجرات فطلب استدعاء خبير المفرقعات وعندها ابتعد الجميع عن الحقيبة بما فيهم عم حسن الذي احكم ضابط الشرطة قبضته عليه حتى يتكشف الأمر. مفاجأة عندما حضر خبير المفرقعات وبعد ان اتخذ كافة الاحتياطات الأمنية والفنية شرع في فتح الحقيبة وعندما نظر الجميع الى داخلها بدأت الصرخات تتوالى فقد كان بالحقيبة النصف الأعلى لامرأة مقسومة الى نصفين!! اقتيد حسن الاسناوي الى قسم الشرطة والحقيبة بيده ومعه ضابط الشرطة وبدأت التحقيقات. انكر حسن معرفته بمحتويات الحقيبة أو علاقته بها وقال للمحققين انه لو كان يعلم المصيبة التي بداخلها لما نظر نحوها على الاطلاق، وانه مجرد عامل باليومية يجري على رزقه واولاده ولا يعرف صاحبة الجثة ولا صاحب الحقيبة واحتجز حسن الاسناوي بالقسم لحين التحري عن صاحبة الجثة المجهولة ولم تسفر التحريات التي اجريت معه على مدار اليوم الى أي جديد في القضية، كذلك لم تأت التحريات بجديد، وافرج عن عم حسن بضمان سكنه مع منعه من التحرك خارج القاهرة الا بإذن من النيابة. بلاغات تولى المقدم ماهر عثمان التحقيق في القضية وفك رموزها وتساءل مع معاونيه ترى هل هذه القتيلة من القاهرة ام من خارجها، وطلب من الطبيب الشرعي سرعة احضار تقريره عن حالة الجثة، ثم بدأ في اعداد خطة للبحث عن أصل ومكان سكن صاحبة الجثة المجهولة.. لكن التحريات باءت بالفشل الذريع طيلة اسبوع كامل حيث لم تأت بجديد وزادت خيبة أمل حسن الاسناوي الذي اصبح حتى هذه اللحظة هو المتهم الوحيد وتم القاء القبض عليه مرة اخرى لكنه سقط مغشيا عليه هذه المرة وتم نقله للمستشفى وتبين اصابته بالشلل المؤقت. عقد المقدم ماهر اجتماعا موسعا لضباط المباحث وسألهم من اين نبدأ فرد عليه الملازم علي نشأت نبدأ يا سيدي من البلاغات التي وصلت أقسام الشرطة بمحافظات مصر عن اختفاء سيدة في العقد الثالث شعرها بني وعيناها بنيتان، جميلة الملامح، ننتظر ان يتعرف أصحاب البلاغات على الجثة. وبالفعل تم جمع البلاغات واستدعاء المبلغين الا ان أحدا لم يتعرف عليها ولكن في اليوم الاخير جاء مزارع تبدو عليه علامات التعب ونظر نحو الجثة مليا وصاح بهدوء انها جثة زوجتي عزة!! اثارت ردة فعل عبد العزيز زكريا الهادئة بعد ان تعرف على الجثة شكوك ضابط المباحث فأعادوا السؤال.. ـ جثة من هذه يا عبد العزيز..؟ ـ قلت لك انها جثة زوجتي عزة..! ـ هل تعني بذلك انك قتلتها؟ ـ يا ليتني كنت قد قتلتها، انها تستحق ما هو اكثر من القتل.. انها فاجرة، هربت من منزلنا في الفيوم وجاءت القاهرة لتعمل ضمن شبكة دعارة ثم استقلت بنفسها وبدأت تستقبل زبائنها بمفردها.. ـ وكيف عرفت هذه المعلومات؟ ـ عرفتها بطريقتي الخاصة.. ـ وماذا فعلت عندما حصلت على هذه المعلومات؟ ـ طلقتها وهذه هي وثيقة طلاقها.. ثم أخرج وثيقة طلاق باسم السيدة عزة ابراهيم يحيى بتاريخ 6/8 ومدون في خانة حالة الطلاق انه طلاق غيابي.. بدأت تحريات المباحث التحرك في اتجاه المعلومات التي ادلى بها عبد العزيز ورفض وكيل النيابة الافراج عنه ووضعه قيد الحبس الاحتياطي، وكانت نقطة بداية التحريات الشقة التي كانت تعيش فيها عزة بمفردها بعد هروبها من زوجها كما زعم حيث كمنت الشرطة امام مداخل العمارة وقريبا من الشقة لرصد اية تحركات لأشخاص من غير سكان العمارة، وفي اليوم الثاني للمراقبة كانت الشرطة تسأل رجلا ظل يطرق على باب الشقة كثيرا وعندما أمسك به رجال التحريات واقتادوه للضابط، فزع بشدة وظل يرتجف وهو يردد انه لا يعلم بأي شيء وان علاقته بعزة هي علاقة صداقة وانه عرفها منذ فترة قصيرة وعلم رئيس المباحث ان اسمه مهدي ثم سأله وهو كان هناك آخرون يترددون عليها..؟ ـ نعم صديق زوجها زاهر النحاس وكذلك رجل آخر اسمه عماد وحيد يعمل مهندسا في التلفزيون. ـ ومن أخبرك بهذه الأسماء..؟ ـ التقيت بهما تباعا اثناء زياراتي لها.. ـ وكيف كانت طبيعة علاقتها بالشخصين..؟ ـ كانت تميل كثيرا لصديق زوجها وكان هو السبب وراء هروبها من زوجها وقد استأجر لها هذه الشقة ووعدها اذا طلقها زوجها ان يتزوجها.. ـ والشخص الثاني! ـ كان وسيما ويجيد الكلام وكانت تستفيد منه ماديا فقط. ـ وانت..! ـ كنت مجرد صديق.. اسهر معهم فقط. ـ هل كانت تدير بيتها للدعارة..؟ ـ لا لم يحدث بدليل انها كانت تتحدث مع النحاس عن الزواج بعد طلاقها. ـ متى آخر مرة تحدثت مع النحاس عن الطلاق. قبل اربعة ايام.. اي يوم 2/8 ـ هل تحدثت بحضورك عن مسألة الطلاق؟ ـ نعم وأخبرتني انها ستطلب الطلاق من زوجها غدا وتستعد للزواج من صديقها الثري. تم استدعاء زاهر النحاس.. الذي طلب عدم ابلاغ زوجته بتفاصيل أقواله حتى لا تنقلب عليه لقوة نفوذها واسرتها ووعده رئيس المباحث بذلك وسأله عن طبيعة علاقته بالقتيلة. ـ كانت زوجة صديقي عبد العزيز ولكنها كانت على خلاف دائم معه بسبب فقره، وفوجئت بها تهرب من بيت زوجها وعندما وصلت القاهرة اتصلت بي فاستأجرت لها شقة وبعدها بفترة اشتريت لها سيارة. ـ وما هي طبيعة العلاقة بينكما..؟ ـ كانت صديقتي واتفقنا على الزواج بعد ان تتطلق من زوجها. متى رأيتها آخر مرة..؟ ـ يوم 5/8 ـ كيف كانت طبيعة العلاقة بينكما؟ ـ جيدة جدا. ـ ولماذا لا تريد ان تصل تفاصيل التحقيقات لزوجتك. ـ لانها امرأة عنيدة وقوية وقد تنتقم مني اذا عرفت اني سأتزوج من غيرها.. وفي سرية تامة اجريت تحريات حول زوجة النحاس التي اكدت في أقوالها انها علمت بنية زوجها الزواج من امرأة أخرى وان القتيلة قد اتصلت بها واكدت لها انها ستتزوج من زوجها يوم 5 اغسطس المقبل وكان ذلك في نهاية يوليو، وانها ارادت اخبارها حتى لا تفاجأ. ـ وما الذي دفعها لكي تخبرك بنفسها..؟ لكي تجبر زاهر على نشر خبر زواجها وتحوله الى زواج شرعي وليس عرفياً كما كان يريد هو. ـ وماذا قلت انت..؟ ـ هددت زوجي اذا تزوج منها فسوف أقتله. ـ وهل سألك كيف عرفت؟ ـ نعم اخبرته انها هي بنفسها التي اخبرتني. ـ هل حاولت الانتقام منها بقتلها مثلا.. ـ ولماذا اقتلها انا، كل ما فعلته هو اني اخبرت زوجها بما تفعله امرأته. ـ هل تعتقدين ان زوجها قتلها.. ـ هذا أمر مؤكد. استدعت النيابة المهندس عماد الذي كان ضيفا على القتيلة ولكن أقواله لم تخرج عما قاله الرجل الذي قبض عليه وهو يطرق باب شقتها ولكنه اكد انه سمع القتيلة وهي تقول انها ستذهب هذا الاسبوع لزوجها للاتفاق معه على الطلاق. ـ هل تذكر هذا التاريخ..؟ ـ نعم كان ذلك يوم 2/8. جاء تقرير الطبيب الشرعي ليؤكد ان جناية القتل وقعت يوم 4/8 وان القتيلة كانت تعرف قاتلها جيدا ولذا فقد فوجئت به وهو يقتلها. لأنها لم تكن تتوقع ان يكون قاتلها هذا الشخص بالذات ويؤكد ذلك نظرات الفزع والدهشة في عينيها لحظة قتلها.. ترى عزيزي القارئ من هو القاتل في هذه القضية وما هو دليلك؟؟ محمود عبد الكريم