كان سمير ولي الدين زميل تخته.. كما يقولون والتختة هي مقعد ومكتب لتلميذين، وأظنها مازالت موجودة في المدارس والكلمة فارسية وكنا نستخدمها ونحن في المدرسة بمعنى المقعد المزدوج هذا.. وأيضا كنا نطلقها على السبورة ولأن كلمة تخت الفارسية تعني صندوقا يحفظ فيه الملابس، فلقد استخدم أهل الشام الكلمة بمعنى السرير وهي كلمة تستخدم بمعنى مقعد. اعتذر يبدو أنني أدخلتك في متاهة وأعود إلى سمير ولي الدين وبالمناسبة هو والد الممثل علاء ولي الدين وكنا سمير وأنا طالبين في مدرسة بني مزار الثانوية، وهى إحدى مدن الصعيد. وكان سمير سليل أسرة من رجال الدين الذين ينتمون إلى التصوف بمعناه الشعبي، وكان جده يعتبر من أولياء الله الصالحين. وكان من المفروض أن يعد سمير نفسه لعمادة الطريقة. وهي مهنة مربحة جدا، ولكن سمير كان مفتونا بعالم آخر هو عالم الغناء وحتى الآن لا أعرف السبب فلم تكن لديه رغبة في الغناء، ولما عرف أنني مهتم بالأدب أبدى سخريته فهذا طريقه طويل ومتعب، وعندما عرضت عليه قراءة كتاب استنكر ذلك بشدة وقال لي لديه حساسية للأوراق! وكان يعتبر المذاكرة رجسا من عمل الشيطان، ولا يعرف سببا لبقائه معنا، فالأسرة تريده أن يسلك الطريقة وهو يريد الغناء، أما وجوده في المدرسة فهو كما كان يقول صدفة غير سعيدة. وأذكر أننا كنا في أحد امتحانات اللغة الإنجليزية ولاحظت أن حركة سمير ولي الدين غير طبيعية، ومن باب الفضول التفت إليه فوجدته يقرأ الأسئلة بالإنجليزية ويجيب عنها بالعربية. ولما أفهمته أن هذا الامتحان مقصود به اختبار معرفتنا بالإنجليزية، قال بثقة: وأنا أفعل هذا، من يقرأ الإجابة سيعرف أنني أعرف الإنجليزية. وبالطبع لم يستطع الاستمرار في الدراسة ولم يستطع أن يصبح واحدا من مريدي الطريقة، فهاجر مبكرا إلى القاهرة لينافس الشاب الجديد الذي غزا عالم الغناء وهو عبد الحليم حافظ. وما الفرق بيني وبين عبد الحليم هذا؟ أنا على الأقل أطول منه! هكذا كان يقول. ولا اعرف ما حدث له بعد ذلك. لكنني عندما قابلته بعد سنوات كان قد اعتزل الغناء، وبدأ في عالم التمثيل. وأصل إلى القصة التي اعادت إليّ سمير ولي الدين، فلقد جاءني ليدعوني إلى فيلم من بطولته وكانت كلمة البطولة ذات أهمية كبرى فلقد كانت البطولة مقصورة على شكري سرحان وكمال الشناوي وعماد حمدي ونادرا ما تتجاوزهم ولم تكن مباحة مثلما هي الآن، فيقفز إلى مقاعد النجومية عابرو سبيل، ويسقطون فورا، وأحيانا يحاولون الاستمرار. وبالطبع استربت فيما قاله سمير فكيف تأتيه البطولة فجأة وليس لديه قسمات الوسامة المطلوبة في فتى الشاشة. واضطررنا أن نصدقه فلقد كانت دعوته إلى مشاهدة الفيلم متبوعة بدعوة على العشاء. وكانت مائدة سمير ولي الدين دائما حافلة. وللأسف الشديد ضاعت التفاصيل من الذاكرة، فأنا لا أذكر من ذهب معي، ولا ما هو الفيلم، ولا من هم أبطاله، ولكنني أذكر أننا عندما ذهبنا إلى دار السينما توقفت مع زملائي أمام أسماء الممثلين وكانوا حشدا قبل أن نرى اسم سمير ولي الدين في مكان متواضع. وهمس أحدهم متسائلا كيف يقول انه بطل الفيلم واسمه لا يكاد يرى قلت له في ثقة: أهل السينما يهتمون بالأسماء لأنها التي تجذب الجمهور ولكن قد يكون دور سمير هو أهم الأدوار. لكنه في الحقيقة لم يكن هكذا. وخرجنا من السينما صامتين لكنه كان سعيدا، وسألنا عن رأينا. فقال أحدهم يا أخي وجعت دماغنا بطولة بطولة ثم ها أنت لا تقول إلا أربع جمل. وقف بقامته الهائلة وشوح بيديه في الهواء: أولا هم سبع جمل. لكن المهم كيف قلتها. قال أحدهم ويبدو أنه أراد أن يهدئ الجو: يا سمير أنت قلت بطولة لكن ماذا تقول عن فلان وفلانة وفلان. ولنفترض أنه قال فاتن حمامة وشكري سرحان وتوفيق الدقن. فصاح سمير بدهشة: هؤلاء أبطال من زمان أما أنا فهذه أول مرة أكون فيها بطلا. ولو كنت تعرف سمير ولي الدين لعرفت أن هذا هو منطقه ولكن حتى أنا الذي أعرفه منذ الطفولة وجدته منطفئا مرتبكا، وان كانت فيه كلمة مضحكة وكنت كلما رأيت أحدهم يتحدث عن نفسه بأكثر مما فعل أتذكر قصة بطولة سمير ومن منا لا يضبط نفسه أحيانا وهو في هذا الموقف ولقد ضبطت نفسي في هذا الأسبوع وأنا أدعي البطولة في فيلم أبطاله فاتن حمامة وكمال الشناوي. ولكن قبل أن اعترف لك بما حدث أريد أن أكمل قولي عن سمير ولي الدين فلقد مات شابا، ويقال انه أراد تخسيس نفسه لأداء دور، فمات، وكانت صدمة للجميع وبعدها بسنوات كنت في أثينا، وإذ كنت هناك أذهب أو يأخذني الأصدقاء إلى منطقة بلاكا حيث الطعام اليوناني ورقص البازوكي وتكسير الصحون. وما أجمل تكسير الصحون وحملقت في المطرب ولقد أصابني الذهول، فلقد كان نسخة طبق الأصل من سمير ولي الدين ويبدو أن حملقتي كانت واضحة لأنه بادلني ذلك بابتسامة وأظنه خمن أنني معجب به لكن ساعتها ما خطر على بالي كان شيئا آخر: أن سمير ولي الدين كان مشروع مطرب عظيم لكننا لم ندرك ذلك حاول واصابه سوء الحظ ومات الحلم قبل أن يموت صاحبه بسنوات ولكن العدل لا يقتل الأحلام ولو قلنا بتناسخ الأرواح ونحن لا نقول بذلك لبعث في أثينا ليغني ويحصد التصفيق وأنا صفقت للمغني اليوناني بحرارة وطلبت أن أقابله وفعلا قابلته وأبديت إعجابي الشديد بغنائه وكان ذلك كما تصورت مدخلا للحديث عن أوهامي، ولكن اللغة لم تكن واضحة بيننا. ومازالت فكرة العدل هذه تخطر على بالي كثيرا ولعلها الشيء الذي يعزيني في كتاباتي المسرحية، ولعلي أجد فرصة في زمن آخر وفي بلاد أخرى حالة سمير ولي الدين تذكرتها. كما اشرت منذ قليل بمناسبة تفكيري في كتابة هذا المقال الأسبوعي، فلقد قررت أن أستمر في الكتابة عن مكتبتي بعد النجاح الكبير لمقالي في الأسبوع الماضي عن أجمل مكان في الدنيا. لكنني أفقت وسألت نفسي: من أين أتيت بفكرة النجاح الكبير؟ وفورا تذكرت سمير ولي الدين وبطولته الوهمية وكنت قد حدثتك في هذا المقال عن المحطة الفضائية التي طلبت أن تسجل معي عن مكتبتي وأنا أكتب المقال فعجبت للصدفة. وفعلا اتوا بعد نشر المقال، وقالت لي معدة البرنامج انها قرأت المقال وانها اعجبت به، وانها تريدني أن أحكي ما جاء فيه للمشاهدين. وجلست أمام الكاميرا، ونظرت إلى أعلى شأن المفكرين واتخذت هيئة العلماء، ثم تذكرت بطولة سمير ولي الدين فانفجرت في الضحك.