وسط صحراء موجاف، وفي عمق براري كاليفورنيا الحارقة، يقع وادي الموت. ويشير الاسم بحد ذاته الى ان هذه منطقة ذات تاريخ سييء. وإذا ما أطل المرء عن كثب على خريطة للمنطقة، فسيجد الأسماء الوصفية للأماكن هناك مثل «جبل الفرصة الأخيرة» و«وادي المجاعة» و«قمة التابوت» وهي الأسماء التي أطلقها المسافرون على هذه الأماكن عندما كانوا يصادفون أرضاً تبدو لهم خاوية من الحياة على نحو يائس ومن ثم تؤدي الى موت الكثير من مظاهر الحياة أيضاً. غير أن المرء إذا ما اختار التوقيت المناسب، فيشاهد في وسط هذه الأماكن المقفرة تحولات مثيرة تؤكد على وجود أنواع شتى من الحياة، فهناك الملايين من الأزهار التي تتناقض في تألقها اللوني بشكل واضح مع الصحراء وهي تشكل بساطاً من الألوان الغنية التي تتناقض مع الصيت السييء لبعض هذه الأماكن المنذرة بالبشر. تظل بذور هذه النباتات الصحراوية طوال الجزء الأكبر من العام ساكنة في التربة، حتى تسقط أمطار الربيع، وتدب فيها الحياة. وفي هذا العام، أنبتت ظروف الطقس المناسبة عدداً قياسياً من البذور ـ أكثر من 200 ألف بذرة في المتر المربع في بعض الأماكن. وعندما تستيقظ من سباتها، فإن هذه النباتات يتعين عليها ان تتصرف بسرعة، في ظل توافر الحرارة والضوء والرطوبة، ولهذا، فإنها تتفجر مزهرة لكي تكمل دورتها التكاثرية بسرعة. يعد وادي الموت من أكثر الأماكن حرارة على سطح الأرض. ففي العاشر من يوليو 1913، شهد هذا الوادي ثاني أعلى درجة حرارة يتم تسجيلها على الاطلاق على وجه الأرض، عندما بلغت درجة الحرارة فيه 56.6 درجة مئوية. ويعتبر الوادي كذلك أخفض وأجف مكان في امريكا الشمالية. فلا عجب إذن ان اختار جورج لوكاس تصوير جزء من فيلم «حرب النجوم» الأصلي فيه أو أن يكون هذا الوادي هو المكان الذي اختبرت فيه وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» العربة التي يجري التحكم بها عن بعد، والتي تم ارسالها مع المركبة «باثفايندر» الى المريخ عام 1997. أما الباحثون عن الذهب، فقد تعثروا بهذه المنطقة أيضاً خلال هجمة الذهب في عام 1849، وبعد أن حوصروا لثلاثة أسابيع برياح شديدة ومياه غير صالحة للشرب وهم محاطون بجبال يصل ارتفاعها الى قرابة 3.2 كيلومترات، أفلحت ثلة محظوظة منهم بالنجاة بأرواحهم، وقد أضفى هؤلاء الأشخاص لعنة على المنطقة، التي تعتبر أرضاً مقدسة لدى هنود الشوشون المحليين، وهي اللعنة التي التصق بها «وادي الموت» في أذهان الكثيرين. هنالك أربع مناطق صحراوية في أمريكا الشمالية هي موجاف، جريت بيسن، سونوران وشيهواهوان، تتميز جميعها بمعدل منخفض لسقوط الأمطار وبهواء جاف جداً وتقلبات يومية كبيرة جداً بدرجة الحرارة وبمعدلات تبخر عالية. ويقول ميشيل روشر، عالم البستنة في حديقة الصحراء النباتية بالقرب من سونوران في أريزونا: «في الواقع وبموجب التعريف، هناك تبخر أكثر من سقوط الأمطار في الصحراء». وفي ظل هذه الظروف، يصعب تخيل كيف يمكن للنباتات أن تزهر أصلاً، خاصة وأن كل نبتة تتطلب كمية معينة من الرطوبة ودرجة الحرارة المناسبة تماماً لكي تزهر. وهذا هو السبب وراء وجود تنوع كبير في الأنواع التي تظهر. وفي أغلب الأحيان، تبقى البذور ساكنة في التربة لسنوات عديدة. وعندما يكون الماء نادراً، فإن عدداً قليلاً فقط من الأنواع شديدة التحمل هو الذي يزهر، أما في العام الماطر، فإنها تنبت جميعاً. ويقول روشر: «مرة كل سبعة إلى عشرة أعوام، تكون الظروف رائعة ويكون لدينا عرض استثنائي». وفي عام 1998، أفسحت الأمطار غير الاعتيادية في وادي الموت والتي هطلت بسبب ظاهرة النينو المجال لما بات يعرف باسم «إزهاق القرن» وفي الربيع الماضي، قوي إزهار الأزهار البرية وطالت مدته مجدداً، بفضل أسبوعين من درجات الحرارة الباردة في أوائل ابريل. وبدراسة أمطار الشتاء ودرجات الحرارة وقوى الرياح، ومن خلال فحص العمق الذي وصلت إليه الرطوبة في التربة، يستطيع الخبراء التنبؤ بأن تفتح الأزهار في الصحراء سيكون استثنائياً ذلك العام. تأتي الأمطار على شكل عواصف عاتية تجتاح المنطقة من بقايا أعاصير المحيطات. وباستثناء النباتات المعمّرة كالصبار، الذي يزهر سنوياً بدون انقطاع، فإن الأزهار لا تظهر إلا اذا سقطت أمطار الشتاء. والمطلوب بوصة من المطر على الأقل، ولكن يجب أن يكون هناك سقوط لاحق للأمطار، وأن يكون بفترات متباعدة بشكل جيد. وبخلاف ذلك، فإن البذور ستذوي وتموت حتى وإن نبتت بعد السقوط الأول للأمطار. يقول روشر: «لا يمكنك أن تتنبأ حقاً بالألوان التي ستظهر. ففي بعض السنين، لا ترى شيئاً غير امتداد من الزرقة. غير أن الأزهار الصفراء تعتبر الأكثر نجاحاً لأنها الأفضل في جذب النحل والفراش الضروري لتلقيحها». وحتى عندما تنبت فوق الأرض، فإن حياة الأزهار الصحراوية ليست بالحياة السهلة. فمن جهة، عليها أن تجتذب الحشرات الملقّحة لضمان استمرار البقاء لأنواعها، ومن جهة أخرى، تحتاج الى حماية نفسها من المفترسين مثل الكنجارو والفئران والأرانب والسناجب. ولهذا السبب يكون هدفها هو الظهور بوفرة وتغطية أرض الصحراء من أجل ضمان التكاثر في الوقت القصير المتاح. ومن الجدير بالذكر أن الزهرة الواحدة يمكنها أن تنتج 100 ألف بذرة. ضرار عمير