«حبة فوق.. وحبة تحت».. كانت شعاراً رضينا به مرغمين لفترة من الزمن عاصرت هذه المقولة التي رددها «احمد عدوية»، باعتبار ان الكمال لله وحده، وان علينا كما قبلنا ان نعيش (فوق) حيناً ان نقبل بالعيش (تحت) حيناً اخر، وهذا اضعف الايمان! وبمرور الزمن.. وباستمرار الاسترخاء وقبول الامر الواقع، وبتعودنا على (التحت) و(الفوق) دون محاولة لتقليص حجم (التحت) وزيادة مساحة (الفوق)، بدأ (التحت) يستشري.. وراح يأكل مواقع (الفوق) موقعاً بعد موقع، حتى ازاحه تماما من طريقه، وحتى اصبحت المقولة في وضعها الجديد تؤكد ان كل اوضاع حياتنا صارت «حبة تحت.. وحبّة تحت التحت».. ولا حول ولا قوة الا بالله! تنظر الى حياتنا السياسية فتجدها في احسن حالاتها «تحت»..، بينما هي «تحت التحت» في اغلب الحالات، انقرضت ايام كنا فيها «فوق»..، وكان فيها صوتنا مسموعاً.. وقراراتنا يحسب لها العالم الف حساب، وانقضى زمان كان لنا فيه زعماء «رجال».. وجاء زمان الزعماء الـ «نص .. نص».. زعماء الميكروفونات وحكام التصريحات.. ورؤساء الاحضان والقبلات، وانتقل مسرح العرائس من عالم الفن الى عالم السياسة، واصبح تحريك عرائس الحكم اسهل من تحريك عرائيس (الماريونيت) الخشبية في مسارح الاطفال، وحتى بعد ان اصبح اللعب (ع المكشوف).. وبعد ان ظهرت للجميع اليد الامريكية المحركة للعرائس لم يخجل السادة (العرائس) من التأكيد المستمر على ان «القرار قرارنا».. وعلى ان «قراراتنا نابعة من ارادتنا الحرة»، وفي زمن الاعلام المفتوح انكشف المستور، وافتضحت امور وامور، وعرف الناس جميعاً من هو الحاكم.. ومن هو الطرطور! ومن الـ (تحت) .. الى (تحت التحت) سارت حياتنا الديمقراطية.. او على الاصح (اللاديمقراطية)، فقد مسخها (او مصخها) ترزية الديمقراطية الجديدة، حين اطلقوا على قوانين الطوارئ.. وعلى تزوير الانتخابات، وعلى مصادرة الرأي الاخر. وعلى تفصيل القوانين وفقاً لمزاج الحكام، مسمى (الديمقراطية)، وحين اصدروا فتاوى (المبايعة) للحاكم حتى اخر نفس في حياته المديدة.. وحين افتوا بتوريث الحكم في النظم الجمهورية.. وحين اكدوا ان الحاكم ملهم ونسبوا اليه العديد من صفات الله، فهو الاوحد، وهو (القادر)، وهو (القاهر)، وهو (الصادق)، وهو (الباقي) في السلطة.. الخ، وحين جندوا وسائل اعلامهم بعد تزويدها بأحدث التقنيات لتبييض وجه السلطة ليل نهار بعد ان فشلت كل مساحيق التبييض التقليدية في ذلك، وحين انشأوا مسرحاً هزلياً (ديمقراطياً) اطلقوا عليه اسماء من نوع «مجلس الشعب»، «مجلس الامة».. «مجلس الشورى»، تنطبق عليها جميعاً نبوءة الشاعر المصري الراحل «حافظ ابراهيم» حين قال عند افتتاح اول برلمان حديث في العشرينيات في مصر: دار النيابة قد صفّت ارائكها لا تجلسوا فوقها الاحجار والخشبا! وانطلاقاً من سيادة المبدأ (التحتاوي) وانكسار المبدأ (الفوقاني)، انتقلت عدوى الـ (تحت) و(تحت التحت) من الوضعين السياسي والديمقراطي الى الوضع الرياضي، والوضع الرياضي عندنا يعني (كرة القدم) ولا شيء غيرها الا من باب تكملة الديكور، ورغم الملايين او البلايين التي ترصدها دولنا للمدربين واللاعبين والنوادي، ورغم الشعبية الجماهيرية الكاسحة لعشاق هذه الرياضة، ورغم ان مساحات واسعة من اعلامنا مفتوحة (على البحري) لكل مباراة ولكل دورة، ولكل نادي، ولكل لاعب ولكل محلل وناقد، الا ان النتائج والجهود والاموال والنيات الحسنة، كلها لا تشفع ولا تنفع لوصول اي فريق عربي الى اي مونديال او اولمبياد، اللهم الا الى الوقوف بشق الانفس على باب اي منهما لنلقي على الموجودين فيه التحية والسلام ثم لنعود حاملين ماسماه الاقدمون (خفي حنين).. وان كان ـ احقاقاً للحق ـ ليس خفا واحداً، بل بمصنع كامل لاخفاف خالد الذكر (حنين) وكفى الله المؤمنين شر القتال، وشر اللعب مع الكبار، فليس اللعب معهم او هزيمتهم مطلباً رياضياً او وطنياً، بقدر ما يتحقق ذلك المطلب القومي العظيم بسحق الفرق العربية الاخرى، وبمشاركة جماهيرية واسعة في ضرب اللاعبين او اتحاد الاثنين لضرب الحكم والمدربين، واذا كنا لم نستطع حتى اليوم هزيمة اسرائيل.. فلا اقل من ان نمارس ـ وبنجاح تام ـ هزيمة بعضنا بعضا.. وان ينتصر بعضنا على البعض، ولا عجب في ذلك، فمازال بعض العرب يكره جيرانه العرب اكثر مما يكره اسرائيل، ويرى ان انهاء وجودهم اكثر الحاحاً واهمية من انهاء اسرائيل. يبقى بعد ذلك «الفن» وهو اكثر رواد (التحتية) واول من مارس مبدأ «حبة تحت.. وحبتين تحت التحت» وابرز دليل على ذلك اهتمام معظم مخرجي ومصوري السينما بتركيز عدسات كاميراتهم على كل ما هو (تحت) في بطلات افلامهم، هذا من ناحية الشكل.. اما من ناحية المضمون ـ اذا تصادف وكان هناك مضمون ـ فهو مضمون ايل للهبوط في اغلب الاحيان، يهبط بالفيلم.. ويهبط بمشاهديه من تحت الى تحت اكثر!، وما يحدث في الافلام يحدث في الاغاني، ويحدث وبشكل (تحتاوي) متميز على الفضائيات، حيث لا «حبة فوق» على الاطلاق، بل كله تحت وتحت .. وتحت.. وتحت، ولك ان تستمر في ترديدها الى ما شاء الله، فالامل في «حبة فوق.. وحبة تحت» في فضائياتنا العربية مفقود.. مفقود.. مفقود .. يا ولدي!!