إذا ما شغلت جهاز تلفازك يوما، واخترت القناة الجزائرية فإنك ـ ولا شك ـ ستقع عينك على صورة جميلة لمنظر بحري أخاذ تختلط فيه زرقة البحر باخضرار الجبل، أو على جبل شاهق يعمم قمته بالثلج، أو شلال ينحدر على صخور ترتفع الى عنان السماء والماء يجري على طول جسدها قاسيا حينا ووديعا أحيانا، فإن تلك الصور الجميلة الموسومة بـ «جمال بلادي» من توقيع مخرج كبير أغرم بالطبيعة وسحرها، فجاب الصحراء والغابات وخاض عباب البحر ومخاطر البحيرات، وعاد بأجمل الصور عن أشجار ونباتات نادرة أو حيوانات أيلة الى الإنقراض، يقدم المعلومة المفيدة حينا ويدق ناقوس الخطر حينا آخر من خلال أشرطة علمية أكدت حضورها وسط مشاركات دولية لأهل الاختصاص المدججين بامكانات تقنية متطورة، فحصد ما لا يقل عن سبع عشرة جائزة دولية. إنه المخرج الجزائري الموهوب عبد الله تيكوك الملقب بكوستو الجزائري. اتجه عبد الله تيكوك الى مجال التصوير التلفزيوني في عام 1969 وبعد تكوين قصير أظهر فيه مقدرة كبيرة في التقاط الصورة التحق بقسم الأخبار كمصور، بيد أنه أظهر ميلا واضحا للموضوعات الخاصة بالطبيعة وأبدع في أعمال كثيرة تتصل بالمناظر السياحية في الجزائر فالتقط صورا جميلة لجبل جرجرة وشرفات غوفي بالأوراس والغابات الحجرية بالهقار. ويفسر تيكوك هذا الولع بالطبيعة بنشأته في أعالي العاصمة وتحديدا في «المدنية» التي كانت في الخمسينيات ضاحية للبساتين الغناء والحدائق البديعة لكن المباني زحفت اليوم وأخذت مواقع ذاك الاخضرار الذي سلب لب عبد الله تيكوك في صباه. وهو لا يزال يذكر الى اليوم الأسماء القديمة للأزقة والمستمدة من أزهار الأقحوان والفل والياسمين، وقد صارت اليوم تحمل أسماء الشهداء والأبطال الذين قاوموا الوجود الفرنسي في الجزائر. ويقول عبدالله تيكوك: لقد قمت بتجربة الإخراج في أعمال تتصل بالتاريخ والسياحة مع الصحفي والكاتب الجزائري الكبير الطاهر بن عيشة وتعلمت منه الكثير فهو رجل موسوعة، ومع ذلك لما أتيحت لي فرصة العمل مع مصطفى ميلار المدير السابق للمحمية الطبيعية «الطاسيلي» كنت متهيبا جدا وكأنني تلميذ في أول درس. لكن وجدت العمل معه اسهل لأنه منهجي ويعرف الصحراء الجزائرية منطقة منطقة،وبعدما انجزنا الشريط العلمي الأول شاركنا به في مسابقة مهرجان اتحاد الإذاعات والتلفزيونات العربية ونال الجائزة، هذا التقدير شجعني على العمل،وحفزني لمواصلة الدرب بجدية. كما نال شريط «السرو الطاسيلي» خمس جوائز بين جائزة وطنية ودولية. وقد انبهرت بعمل ميلار ولا سيما بطريقة تعامله مع الحيوانات حيث لا يشعرها بالخوف أبدا، بل يجعلها تعيش في وسطها الطبيعي بتلقائية ونحن نقوم بالتصوير. وهو ما أفادني كثيرا في أعمالي اللاحقة بعدما رحل ميلار. وقد أنجز الثنائي تيكوك وبن عيشة ما يقارب أربعين حلقة من سلسلة «الحضارة الاسلامية في الجزائر»، وهو البرنامج الذي انطلق في السبعينيات وختم في الثمانينيات بحلقات عن الحضارة الإسلامية بإفريقيا وأوروبا ولا سيما عن الإسلام بالاتحاد السوفييتي ونالت هذه السلسلة نجاحا جماهيريا كبيرا. وكان آخر عمل جمعهما هو حلقات بعنوان «غرناطة عبر التاريخ» عام 1994، وتولى قراءة التعليق الممثل الجزائري صاحب الصوت الجهوري شلوش. لكن يبدو أن تأثير ميلار على تيكوك أقوى من تأثير الاستاذ بن عيشة عليه،والدليل أن تيكوك أخلص للأشرطة العلمية حول الطبيعة، حيث بعد النجاح في اول عمل مشترك بينهما سطر الثنائي ميلار وتيكوك برنامج عمل كبير، وشرعا في التخطيط لإنجاز عمل ضخم سمي «التعايش بين الإنسان والبيئة في الهقار»، وأكد تيكوك أن هذا العمل كان يهدف الى إبراز العلاقة بين الطبيعة والإنسان في تلك المنطقة الصحراوية القاسية، وكيف يأخذ الإنسان من الطبيعة دون أن يلحق بها الضرر. وشرعا فعليا في العمل في نوفمبر 1993 لكن القدر قال كلمته حيث يرحل ميلار عن عمر يناهز الخامسة والستين عاماً، ودون ان ينتهي التصوير فيتأثر تيكوك كثيرا لهذا المصاب. وعنه يقول: «كانت وفاة ميلار كارثة كبيرة لي، لم استطع تحمل الصدمة. بقيت ستة شهور وأنا لا أقوى على العمل لأني صرت لا أقدر على التفكير في العمل دون ميلار، كان لي بمثابة الأخ والصديق والأب، ولكن بعد الحزن العميق والطويل رأيت أن خير وفاء لذكرى ميلار هو العمل وإنجاز أجمل الحصص حول الصحراء الجزائرية التي أحبها كثيرا». ويضيف تيكوك: شاركت بشريط «التاروت شجرة العطش» في مهرجان واجادوجو الذي تشارك فيه أكبر الدول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، وتوج العمل بأحسن شريط تلفزيوني، وفي قاعة الاجتماعات بالفندق تقدم إلي صحفي وصحفية من بلجيكا، وكان الحديث عن الشريط. وسألتني الصحفية : «السيد تيكوك كم كلف هذا الشرط ماديا ؟ وما هي الامكانيات التقنية والبشرية التي سخرت له»؟ في البداية أجبتهما بنبرة ساخرة: «الغلاف المالي ثقيل جدا وأكثر من كل ما يمكن توقعه». وتوقفت لحظة ثم قلت : «أقول لكما الحقيقة لكن لا أعتقد أنكما ستصدقان. فهذا العمل لم يكلف فلساً واحداً كميزانية خاصة، بل يدخل في إطار العمل اليومي للفريق وأنا واحد منهم، أما عن الإمكانيات التقنية فعملنا بكاميرا تصوير كهذه التي معكما ـوكانت بحوزتهماكاميرا تصوير للأخبار ـ واما الفريق فيتكون مني والمساعد ومهندس الصوت لا غير. وقمت بأدوار عدة : فأنا المصور والمخرج والباحث والمعلق، وكل واحد منا يقوم بمهام إضافية. وقامت الصحفية البلجيكية وقالت: «إذا كان ما قلته السيد تيكوك صحيحا فهذه معجزة». ثم انصرفت و أنا متيقن أنها لم تصدقني بالرغم من أني قلت الحقيقية. وتعرض تيكوك والذين معه لمخاطر كثيرة أثناء إنجاز عدد من الأعمال من قبيل لدغات العقارب والثعابين السامة في أماكن موغلة في البعد عن المصحات، بيد أن أوضح هذه المخاطر هو وقوع الطائرة التي كان على متنها فريق العمل لتصوير أجواء القالة لشريط «القالة بحيرة الحياة» حيث أصيبت بعطب في محركها. ويروي لنا تيكوك هذه الواقعة بانفعال شديد: «كنا نحضر شريطا عن القالة لنمثل به الجزائر في مهرجان الأشرطة العلمية بألمانيا عام 1998، واثناء تصوير المناظر الخارجية ونحن بالطائرة أصيبت بخلل تقني وهوت في البحيرة واستقرت على عمق ثلاثة أمتار، كنا لا نرى شيئا لأن المياه غمرتنا من كل جانب،وبمشيئة الله تمكنا من فتح الأبواب وخرجنا، وكان بعضنا لا يحسن السباحة والبحيرة عميقة، لكن لحسن الحظ كان رجال الإغاثة في الموعد وأنقذونا،وتوفي قائد الطائرة وجرح ثلاثة منا. ولعل النجاة من حتف محتوم وهو ماجعل تيكوك يسمي البحيرة «بحيرة الحياة». وسبق ان تعرض تيكوك لحادث طائرة عام 1993 حينما كان عائدا من البقاع المقدسة بعد أداء مناسك الحج، حيث بعد لحظات من إقلاع الطائرة تعرضت لحريق في أحد جناحيهاا، واستطاع القائد أن ينزلها بطرف المطار دون أن يصاب الركاب بأي ضرر، وقد اعتبر خبراء الطيران هذه الحادثة معجرة لأن في كل الحالات المماثلة كانت النيران تندلع في الطائرة فتقع بسرعة أو تصطدم بالمباني القريبة من المطار مثلما حدث لطائرة الكونكورد الفرنسية. وتعرض تيكوك وفريق عمله لمخاطر الجماعات المسلحة حينما كان الفريق يتنقل عبر الطرقات الصعبة والموصوفة بـ «طرق الموت»، وعن ذلك يقول : «نجونا من الجماعات المسلحة في أكثر من منطقة، فمرة يخبرنا أحد المارة ان كمينا لجماعة مسلحة على بعد عشرين مترا ونقفل راجعين، ومرة نصل الى مكان الكمين في اللحظات التي يتأهبون فيها الى مغادرة المكان بعد ارتكاب المجازر ويسارعون خوفا من وصول قوات الأمن، ومرة وقعنا في يد مجموعة مسلحة في طريق باتنة قسنطينة، ولم يكن بالإمكان إخفاء الكاميرا وآلات التصوير، كما عرفوا صحفية كانت معنا، وبعد حديث طويل أطلقوا سراحنا، ونحن لا نصدق، لكن مشيئة الله وحدها أنقذتنا منهم». وذكر تيكوك أنه اضطر الى التقليل من نشاطه أثناء السنوات العشر الأخيرة بسبب الإرهاب المتمركز في الجبال والغابات وهي المواقع التي يتمحور حولها عمله. ويتحدث المخرج تيكوك عن الطبيعة بعد صحبة دامت بينهما عشرين سنة قضاها في البحث عن مجاهلها واستلهام كنهها: «لقد تعاملت كثيرا مع الطبيعة ووجدت نفسي أمامها وجها لوجه بعيدا عن المدينة والمدنية، فتعلمت الاحساس بالأشياء والتأمل بدل الرؤية والغوص بدل المشاهدة. وكلما تقرب الانسان من الطبيعة تقرب الى الله. في قوة الطبيعة دلائل على قدرة الله، ومن يتأمل الطبيعة يدرك الانسجام والجمال». فعشق تيكوك للطبيعة وولعه بها ولع صوفي وحينما يتحدث عنها بغير لغة الكاميرا يحدثك عنها بشاعرية ورقة الرومانسيين. يتذكر كيف يورق الشجر ويتنفس الصبح بالصحراء وتنمو هضاب رملية لم تكن أمس وترحل أخرى مع همهمات الريح وستائر الليل بعدما كانت حطت الرحال هنا بالأمس فقط. وليس هناك أجمل من الراحة بعد التعب، ولا ألذ من طعم الثمار التي غرستها بيدك، هذا الإحساس أدركناه وأحسسنا به حينما اخذ كوستو الجزائر يقلب صفحات سجل تتويجاته،الذي يحوي سبع عشرة جائزة دولية فضلا عن عشرات الجوائز الوطنية،وكان أول موعد مع التتويج عام 1991، حيث نال شريط «التنوب النوميدي» جائزة تشجيعية في مهرجان اتحاد الإذاعات والتلفزيونات العربية بالقاهرة، كما توج أيضا بجائزة تقديرية بتولون الفرنسية عام 1992بمناسبة مهرجان دول البحر الأبيض المتوسط لأفلام البيئة. وفي عام 1993 نال شريط «التاروت شجرة العطش» جائزة أحسن شريط تلفزيوني في مهرجان واجادوجو الدولي، وتوج أيضا في العام نفسه بالجائزة الثانية في مهرجان اتحاد الاذاعات والتلفزيونات العربية بتونس، وكذا جائزة أحسن أعمال الدورة في المهرجان الدولي للفيلم العلمي بباريس عام 1996وقد حصد هذا العمل بمفرده خمس جوائز وتشريفات. وحظي شريط «قرد الماغو أو القرد المغربي» عام 98 بتشريف ضمن أحسن الأعمال المشاركة في مهرجان أفلام البيئة والطبيعة بغرونوبل. وكان أخر تتويج لأعمال تيكوك السنة الماضية أثناء اليوم الإفريقي للملكية الفكرية المقام بالجزائر ونال جائزة الملكية الفكرية عن شريطه «القالة بحيرة الحياة»، وقد بثت بعض القنوات التلفزيونية العالمية والعربية جل هذه الأعمال. كما شارك تيكوك في مسابقات عدة لرابطة إذاعات وتلفزيونات العالم بفرنسا ودخل بستة أعمال كللت كلها بالنجاح حيث تعتمد الأعمال الناجحة في بلماراس هذه الرابطة، والتي دخلها التلفزيون الجزائري من 1975 الى 1999 عشر مرات، ولم يقص أي عمل من أعمال تيكوك الستة المشاركة، ويمكن الى اليوم الاطلاع على تلك الأعمال من خلال موقع الرابطة في شبكة الأنترنيت. كما نال شريطه «القالة بحيرة الحياة» الميدالية الذهبية بالقاهرة خلال مهرجان التلفزيونات العربية عام 2000. وبالرغم من الجوائز الدولية والوطنية لا يزال في «نفس تيكوك شيء من حتى»، فهو غير راض عما قدم، وفي الأفق مشاريع يراودها. ويأسف لشيئين أنه لم يترك اليوم وهو على مشارف التقاعد فريق عمل مغرم بحب الطبيعة وأسرارها ليكون خلفا له يواصل المشوار ويستفيد من تجربته الكبيرة. والأمر الثاني هو أنه لم ينفذ مشاريع أفلام علمية بعدد من الدول العربية والإفريقية. الجزائر ـ مراد الطرابلسي