فيلم ايراني لمسابقة مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، لابد أن يخرج بجائزة، كان هذا شبه عرف في السنوات السابقة، وكان للمدير السابق للمهرجان باركو موللر فضل الاكتشاف لسينما ايرانية جديدة وتقديم رموزها والاحتفاء في احدى الدورات بالمخرجات الايرانيات، بحضورهن، ولكن كان هناك شبه اجماع على أن الفيلم الايراني بالمسابقة في هذه الدورة وهو (ديلباران) للمخرج عبدالفاضل جاليلي لا يضاهي فيلمه (رقصة الغبار) الذي كان قد فاز بجائزة الفهد البرونزي في دورة 1998 بنفس المهرجان، وأن الموضوع الذي تناوله حول اللاجئين الأفغان ليس بالجديد. فقد سبق للمخرج الايراني محسن مخمالباف ان تناوله في فيلمه (قندهار) فضلاً عن مخرجين ايرانيين آخرين. ومع ذلك، فإنه عند اعلان فوز فيلمه (ديلباران) بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجد الكثيرون أن الفيلم في سياق أفلام المسابقة جدير بجائزته كما أنه فاز بجائزة من لجنة تحكيم السينما والشباب وجائزة تحكيم اتحاد نوادي السينما وهو يدور عن أفغاني عمره 14 سنة - يعبر الحدود الى ايران. ويعترف جاليلي بأن هذه الصفة (الافغانية) للولد لم تكن في كتابته الأولى للسيناريو - ما كان يهمه هو ذلك الفضاء الواسع من الرمال وفي اللغة الفارسية تعنى كلمة (ديلباران) العاشق، حيث كان يذهب العشاق سرا - يمارسوا علاقاتهم خارج قيود الأعراف، واليوم بسبب الظروف السياسية تغيرت لتصبح مكانا للعنف. وقد وجد جاليلي في ذلك المقهى على الحدود موقعا دراميا يربط بين افغانستان وايران من خلال العمال الوافدين الذين يجرون وراء أي عمل ولو بصفة غير شرعية، أو من خلال تهريب المخدرات، وفي بحثه عن ممثلين يصلحون لأدوار الفيلم تعرف بالصدفة على ذلك الفتى ولم يعرف في البداية أنه أفغاني، ورغم وجود أفغانيين في منطقة خراسان، ومن هنا قام بتعديل في كتابة السيناريو ليصبح البطل أفغانيا وليكون الفتى أكثر صدقا وتعبيرا عن مشاعره الحقيقية. ومع اهتمام جاليلي بتصوير الفضاء، فهو يقدم لنا مشكلة الحدود والحرب من خلال هذا الفتى الافغاني قائم الذي يعامله صاحب المقهي خان كإبنه، والذي نراه متحركا بين اعداد الطعام والمشروبات للزبائن، وبين السيدة العجوز (خالي) التي تسير على ساق واحدة بعكاز، والتي نلمحها من نافذتها تراقب مايجري، ويأخذها (قائم) الى الطبيب ليضع لها الدواء لأمراض شيخوختها، يثير تحرك الفتى بين الحدود شكوك ضابط - الأمن الايراني - مهدوي الذي استجوبه حول علاقته بمهربي المخدرات والعمال الافغانيين غير الشرعيين - وحينما يسيئ معاملته ويقبض عليه تتدخل العجوز (خالي) لإطلاق سراحه، وفي مشهد مثير للسخرية، رامزا لامتهان (القانون) و(السلطة) نرى خان وقد قيدت يداه الى الخلف عاجزا حتى ليرجو الفتى أن يشعل له سيجارة ويضعها في فمه ليستنشق دخانها. وفي محاولة من الحكومة لسد الطريق أمام المهربين والعمال غير الشرعيين تقوم بإنشاء طريق جديد، مستخدمة في اتمامه كثيراً من هؤلاء، ولم يعد إذن للمقهى أهمية، لم يعد أحد - يمر به، يشترى خان مسامير من احدى القرى القريبة لينشرها في الطريق الجديد، يعود لبيته يرقد ويحمل الفتى قائم مشاعر تمرده ونراه في المشهد الأخير ينشر مزيداً من المسامير ليعطل الطريق الجديد. نراه ضائعا في الفضاء الواسع للصحراء، في غسق أحمر كئيب وتتردد اصداء أصوات أسلحة نارية منذرة بسقوط قتلى عبر الحدود. يقول جاليلي إن اغلاق الحدود بين الدول يرمز الى اغلاق امكانية الحب والتفاهم. ان هذا الفتى الصغير الذي جاء عبر الحدود ليعمل ويرسل مايحصل عليه الى أسرته في افغانستان ينتهي به الأمر الى أن ينشر المسامير لعرقلة الطريق مما يوضح أن عدم التفاهم والعنف سيسود. عبدالفضل جاليلي (44) سنة اخرج تجاربه السينمائية الأولى بكاميرا 8 ملم ثم أخرج أول أفلامه الروائية (ميلاد) 1983 ثم (الربيع) 1985 و(قشور) 1987 وفي عام 1994 اخرج (ديت تعنى فتاة) وهو بورتريه لتنوع وجوه جمهورية ايران كما تراه عيون فتاة صغيرة مقعدة وقد فاز عنه بجائزة في مهرجان فينيسيا - فيلمه (رقصة الغبار) 1998عن ولد عمره 11 سنة يعمل في محجر في مكان ناءٍ وحصل فيلمه (دان) على جائزة لجنة التحكيم بمهرجان سان سباستيان بأسبانيا نفس العام وهو يتناول مشكلة طفل حرم من شهادة ميلاده - في عام 1999 قدم حكايات كيش الذي عرض بمهرجان كان. يقول جاليلي في حديث لنشرة مهرجان لوكارنو: «منذ عشرين سنة أقوم باخراج الافلام في ايران ولا توزع - فيلم (ديلباران) لن يشاهده الجمهور الايراني - وقد يخاطب الغربيين - وأراه فيلما سياسيا ومن خلال اشارات عديدة فيه». وعن الجانب الشاعري في الفيلم يقول جاليلي: إن فيلمي مثل الحياة وفي الحياة لا تقع طوال الوقت أحداث هامة، ولا تهمنى الحركة على الطريقة الأمريكية. ومن هنا فإن وصول فتى صغير الى ايران وهو ممتلئ بمشاعر الحب ينتهي وهو ممتلئ بمشاعر العنف، فإن هذا يمثل لي حدثا في الحياة - أما ماقيل عن استخدامي لكليشيهات السينما الايرانية فإنني لا أذهب الى السينما، انني لا أشاهد الأفلام الايرانية أو الأوروبية أو الأمريكية - ولهذا فإنني لا أساير مايقال عن أنماط السينما الايرانية - اني أخضع فقط لمشاعري وأحاسيسي. يتعجب الصحفي السويسري الذي أجرى الحديث معه أن مخرجا سينمائيا لا يحب السينما فيرد جاليلي انني أحب صنع السينما لا مشاهدتها وعن مشروع فيلمه المقبل يقول جاليلي إن قصته تدور في فرنسا لا صلة لها بإيران - وأريد أن أعمل مع ممثلين فرنسيين من بينهم جان - بيير ليود وايرين جاكوب وأوليفيه جورميت. ويتناول الفيلم الطفولة وهو موضوع يثير اهتمامي - وسيبدأ التصوير في فبراير 2002. فيلم (ديلباران) انتاج ياباني - اقتسم المنتج الياباني الجائزة المادة مع المخرج وقال لي انه التقى بجاليلي في مهرجان طوكيو وتم الاتفاق بينهما على انتاجه. وسيوزع الفيلم عن طريق شركة فرنسية. وبهذا سيجد طريقه الى العالم وقد لا يشاهده الجمهور الايراني! القاهرة ـ فوزي سليمان