حين نتحدث عن الازياء يجوز ان ننظر اليها على أنها جزء من فلسفة الملابس او من الظواهر الحضارية او هي نوع من الفنون او هي داخلة في آداب الدين والدنيا. بيد اننا هنا ننظر اليها على انها ظاهرة اجتماعية نفسية معاً وفي هذا الاعتبار نفسه تتفاوت طرائق الدراسة التي اعدها الدكتور عبدالكريم اليافي الاستاذ في جامعة دمشق ـ قسم علم الاجتماع. تقول الدراسة لما كانت الازياء تتعلق باللباس الذي يظهر به الانسان بين اشباهه نشأ في طبيعتها ومنذ القديم حوار يتردد بين تجميل الظاهر وتزيين الجسد من جهة والعناية بالباطن والتنويه بمزايا القلب والروح من جهة ثانية.ان الذين يهتمون بالازياء ويجرون في تيارها يولون عنايتهم الامر الوقتي وهو الزي الدارج يجري لامد معلوم ثم يمضي ويبطل ويحل محله زي آخر ولهذا كانت ماهية الزي قائمة على التغير والتبدل ولكن هذا التبدل يحدث في فترات زمنية معينة طويلة او قصيرة ولهذا وصفت الازياء بأنها حادث دوري واختلاف الفترات الزمنية طولاً وقصراً منوط باختلاف مادة الازياء فهي تقصر كلما كانت المادة سهلة الصناعة كالثياب مثلاً اذ تختلف الملابس النسوية في الغرب عند كل فصل من فصول السنة اي ان كل فصل يبدو فيه زي جديد في نوع التفصيل وفي تأليف الالوان وتعدد الاشكال وملابس الرجال ابطأ في التغيير جملة على ان هذا التبدل في تفصيل الثياب يخضع لحوار داخلي بين ملاءمة الجسم وبين هندسة الثياب المستقلة وقد انتبه لذلك الفيلسوف شوبنهاور فوضع قانوناً عاماً لتفصيل الملابس اذ قال ما معناه ان الملابس في التفصيل تراوح بين التقيد الدقيق بشكل الجسم واعطافه وبين الاستقلال كأنها قالب مفرغ مستقل ولكنه متناسب مع الجسم. ومهما كان الامر فالازياء تنظر الى الزمن الحاضر على انه وقتي تجدر مراعاة مقتضاه من اللباس والزينة وعلى المرء ان يستمتع بما يقدمه له الذوق الجمالي في تلك الفترة من زينة ومن زخرف.. ويحدد الباحث عناصر الازياء بانها ظاهرة تقوم على عنصري الاختراع والتقليد او الابتداع والمحاكاة وذلك ان الزي يبدأه فريق ويقتدي بهم اخرون وهكذا الامر ولابد هنا من التفريق بين العادة والزي كما فعل المفكر الفرنسي «تارد» اذ قال ما معناه ان الزي اقتداء الناس بعضهم ببعض في الزمان فالعادة اذن تقليد الناس للجيل السابق وللاوائل فهي بنت المحافظة على حين الزي تقليد لناس متعاصرين فهو على العكس وليد التجديد. والعامل النفسي في الازياء ايثار الجديد والعزوف عن القديم ولكن الجديد هنا كما كان وليد الوقت والموسم، والقديم الزي الفائت فالميل الى الجدة والرغبة في الطرافة مطية الزي الدارجة وهما على الغالب نزعة من نزعات الصبا وصفة من صفات الشباب او لبس ثوب الصبا قشيباً طريفاً متجدداً ولهذا نرى اكلف الناس بالجديد من كانوا في ريعان الشباب وكذلك بفعل التناقض من خافوا فوات زهرة الشباب فهم يحاولون التمسك بالشباب ولو انتثرت اوراقه وصوح رونقه فالازياء اذن علامة التجدد وامارة الحيوية. ان الطبيعة نفسها تتجدد وتتبدل حللها وتختلف محاسنها باختلاف الفصول فهي تعرض علينا حسب الفصول ازهار الربيع وطراوته وفاكهة الصيف وكماله وورود الخريف وتأمله وعرى الشتاء واستجمامه مع تفاوت في المجالي وتباين في المفاتن ولكن الطبيعة اشد ما تكون تجدداً وآنق ما تكون محاسناً في ابان الربيع وكذلك تبهي الازياء في ريق الصبا ووارف الشبا وان كان لكل عقد من الاعمار ازياء خاصة ملائمة. وادرج ما يكون الزي الجديد حين يداخل الناس ملل من الزي الذي يهم بالانصراف ويؤذن بالانصرام واحذق صناع الازياء وانجحهم من يدركون بمرانتهم وحدسهم هذا الملل وحينئذ يقذفون الاسواق بالجديد من الزي اما اذا لم يحصل هذا الملل فقد تتعرض البضاعة الجديدة للاخفاق والكساد ويحفظ تاريخ الازياء الحديث ضروباً من هذا الكساد وكما تصدر الازياء عن حب الطرافة وايثار الجدة فكذلك تكون عاملاً في بعض هذا الاحساس وتنميته فبين العلة والمعلول تأثير متبادل. حب الجديد والامتياز في هذا الحب والحرص على الانفراد من خصائص اتباع الزي والظهور به والصدع بتألقه ولمعانه. وقد اجريت بحوث على صعيد الواقع في ميدان الازياء فأيدت التحليل السابق وجد من جهة ان الاهتمام باتباع العرف اصلي في اختيار الالبسة اذ تبين في بحث يعتمد على المسح ان ثلاثة ارباع النساء اللواتي سئلن اجبن انهن يتبعن الزي الدارج كيلا يلفتن الانظار على انه الى نية المحافظة هذه ينضم ميل الى الامتياز وذلك بان يكون اللباس معبراً عن ذات الشخص وفرديته وبذلك لابد من ان يتصل الزي برغبة التجمل وعرض الزينة ولفت الانظار. دمشق ـ ميساء العلي