قبل كل شيء، هنالك حدود، واذا كنت لا تعلم اين هي بالضبط، تلك الحدود، فستكتشف ذلك سريعاً. والواقع انها في حالتنا بـ 12 ميلاً من المحيط الذي يفصل جزيرة مونيجان عن باقي ولاية مين. وهي تتواصل بخط طوله ثلاثة اميال يطوّق محميّة جراد البحر او اللوبستر او أم الربيان في مونيجان، التي لا يسمح لصياد بدخولها، وتشمل لافتة ترحيبية امام الكوخ الذي يخص امين المكتبة السابق. وقد كتب على اللافتة «ابتعد!». وتنتهي الحدود بالعائق الذي وضعه سكان الجزيرة حول انفسهم، وهو عبارة عن خط منيع غير مرئي من شأن اجتيازه ان يتسبب في رفع الاعلام الحمراء وانخفاض مقياس الضغط الجوي وهبوب عاصفة من التحذيرات. من ابرز الاشخاص الذين يعيشون على الجزيرة الصيّاد شيرمان ستانلي، الذي عاشت عائلته على الجزيرة على امتداد ستة اجيال. وطوال عقود مضت، كان شيرمان اقرب ما يكون الى الملك بالنسبة لجزيرة مونيجان وقبل ان يتقاعد، كانت كلمته (وكلمة شقيقه الفريد) بمثابة قانون لأهل الجزيرة. وخلال فترة حكم ستانلي، ساد النظام والقانون. لايزال شيرمان، البالغ من العمر 75 عاماً، يعتلي ظهر مركب ذي صارية صلبة ويحمل اقتناعاً لا يتزعزع بأن معظم الناس اغبياء. وفيما يتعلق بالقوانين التي يلتزم بها صيادو «ام الربيان»، يقول شيرمان ان موسم صيده في المياه المحيطة بالجزيرة يبدأ من الاول من ديسمبر وحتى الخامس والعشرين من يونيو. وهناك قيود على حجم جراد البحر (فجسمه بدون الذنب يجب ان يكون بطول ثلاث بوصات وربع البوصة على الاقل وان لا يزيد على خمس بوصات كحد اقصى) وقيود على عدد المصايد التي يمكن وصفها (600 مصيدة). تحيط بالجزيرة جروف صخرية عالية. وتمزج تضاريسها الداخلية بين المروج الخضراء والمستنقعات وبساتين الاشجار الراتينجية، التي تعتبر احدى فصائل العائلة الصنوبرية الكثيفة جداً حتى انها لا تسمح بنفاذ الضوء من خلالها، مما يدفع بالاشجار الى التنافس في النمو من اجل الوصول الى الشمس. وفي اغلب الاحيان، تلف الجزيرة طبقة من الضباب. وضباب مونيجان ليس بالضباب الرقيق. وانما هو غطاء رمادي يقطر رطوبة، ومظهره يثير نحيباً ينطلق من بوق للضباب على جزيرة مانانا، وهي عبارة عن رابية صغيرة من الصخور تقع قبالة ميناء مونيجان. جزر عديدة هناك 4613 جزيرة قبالة ساحل ولاية مين الامريكية. وفي بداية القرن العشرين كانت 300 من تلك الجزر مأهولة بالسكان، اما الان، فإن مونيجان تعتبر واحدة من 14 جزيرة لاتزال مأهولة بحق. وعندما يقوم سكان الجزيرة بزيارة مين لاغراض التسوق او لزيارة طبيب او لتغيير الجو، فانهم يقولون انهم ذاهبون الى «البر» او حتى «الى امريكا» وكأن مونيجان خارج الولاية. وعندما يقول شخص ما انه ذاهب الى وسط البلد، فانه يعني بذلك مكتب البريد ومحلين للبقالة وبعض المعارض الفنية التي تلبي حاجات السياح في الصيف. وفي الصيف، تتحول الجزيرة الى وجهة للسياح، الذين يقصدونها لقضاء ساعات قليلة من اليوم في تسلق الطرق الوعرة التي تمتد بطول 7 أميال، ثم يعودون ادراجهم من حيث اتوا على متن معديات صغيرة، لكن البعض منهم يبقى في ستة فنادق صغيرة لا تمتلئ بهم الا في الصيف فقط. ويبلغ عدد قاطني الجزيرة في الصيف حوالي 200 نسمة، لكن سياح النهار يمكن ان يضيفوا حوالي 600 او 700 الى هذا العدد. اما الشتاء، فهو فترة هادئة وموحشة، حيث يتضاءل عدد سكان الجزيرة فيها الى العدد الاصلي وهو 65 نسمة. المرتبة الادنى وفي التسلسل الهرمي غير الرسمي، يأتي سياح النهار في المرتبة الأدنى من الهرم ويعلو عنهم المستأجرون لفترة قصيرة ويسبق هؤلاء العدد الثابت لقاطني الجزيرة في الصيف، وفي قمة الهرم يقع السكان المحليون الذين يقيمون في الجزيرة بشكل دائم، ويعمل نصفهم تقريباً بصيد جراد البحر في الشتاء. تعتبر مونيجان اوفر حظاً من معظم الجزر الاخرى، فثلاثة ارباع ارضها محمية من قبل اصدقاء مونيجان، وهو صندوق للاراضي تشكل في عام 1954 على يد تيد اديسون، ابن المخترع المعروف، الذي كان يملك كوخاً صيفياً بالقرب من المنارة ومن قبل جماعة من المقيمين الصيفيين الاخرين في الجزيرة والسكان المحليين بمن فيهم شيرمان ستانلي، الذي دعم الاقتراح في اوساط الصيادين. وفي الواقع، فإن الجزيرة استقطبت منذ القرن التاسع عشر مجموعة من الرسامين المشهورين، الذين جذبهم الضوء الفضي الذي ينبعث من صفحة ماء البحر او الضباب الذي يضفي لمسة ناعمة على التضاريس. ومن بين هؤلاء الرسامين هناك ادوارد هوبر، الرسام الامريكي الذي يركز على الدمار الذي تسببه المدنية، والرسام روكويل كنت وثلاثة اجيال من عائلة ويثز. وفي فصل الشتاء الذي يبدأ بشهر نوفمبر، تهب الرياح العاصفة على الجزيرة، ويسودها الجو البارد اللذان يجردانها من حلتها الخضراء، حيث تختفي الاوراق النباتية ومعها السياح. ولا يبقى في الجزيرة الا الاشخاص الذين يملكون الآبار، ولا يعتمدون على مياه المدينة، وهناك مقولة لدى سكان الجزيرة مفادها: «اذا كنت لا تستطيع تحمل شتاء الجزيرة فإنك لا تستحق صيفها!». ضرار عمير