بيان الكتب: ليست مسرحيات افكار. لكن الافكار التي تؤرق شخصيات المسرحيات الثلاث التي صدرت عن اتحاد الكتّاب العرب بعنوان (نصوص من المسرح التجريبي الحديث) للكاتب والباحث المسرحي عبد الفتاح قلعه، جي، هي افكار مباغتة في نزقها وسخريتها واندفاعها نحو التعلق بالحرية حد تقديسها، ولسبب انها تعبير دقيق عن الاحاسيس والعواطف النبيلة والخسيسة لهذه الشخصيات هذا من جانب، اما من جانب آخر وهو فني، فان القلعه جي يستند في مسرحيتين من هذه المسرحيات على تماثيل شمع على انها ارواح موتى (مانيكان)، مستعيرا الفكرة هذه من مسرح (الموت) عند (كانتور) الذي يستخدم المانيكان (ارواح الموتى) من العائلة وليس من اصدقائها كأبطال يشاركون في احداث النص المسرحي، على انهم احياء يمكن الرجوع اليهم واستشارتهم في الكثير من الامور الحياتية. طفل زائد عن الحاجة أسرة من رجل وامرأة مع تمثالين لروحي الأب والأم (مانيكان) يعيشون في كهف. يصطرع الزوجان، لا يتصارعان حول قطع الحبل السري بين المشيمة والطفل الذي ولدته المرأة للتو، وعبر حوارية ساخرة لاذعة عنيفة، يكشف القلعة جي عن قسوة الشرط الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي الذي يعيشه الانسان في ظل قوانين جائرة لا تميز حلالا من حرام، فالزوج الذي يرى ان (هم) سيجعلون من الطفل عالما، نرى ان الزوجة تصحح له بعد ان ادركت حجم الدمار والخراب الذي لحق بها: ليفجر الذرة في ارحام النساء، وطبيبا/ يسلخ جلود المرضى، وقاضيا/ يبصق في الميزان، وتاجرا/ يلتهم الاسواق، وشاعرا/ كقيس ينظم الشعر بينما ليلاه تغتصب ص 44. انها اعترافات تنمي الحدث الدرامي، تكشف عن قوة الوعي بجوهر الصراع الخسيس والدنيء، كما تبين صفاقة ووحشية العلاقة بين السمك الكبير والسمك الصغير، هذه العلاقة التي تم التخطيط لها. فالزوج والزوجة هما بالاساس لايعانيان ازمات نفسية ولاهما متطرفان، ولا يحملان عداء لمجتمعهما او للجنس البشري، قد يبدوان سورياليين او غير واقعيين، لكن القلعة جي يتركنا نمسك عفويتيهما وحرارة وصدق احاسيسهما، بل حتي انه يكشف عن نواياهما، عن سيرورة حياتهما الروحية والنفسية، وكيف يفلسفان، يسوغان، كل واحد منهما رؤيته لهذا الطفل الزائد عن الحاجة، فبينما يعتبر الزوج ان الطفل وهم ولن يرى غير الظلام، تعتبره الزوجة تحديا آخر ـ او هو التحدي المنتظر. باب الفرج اذا كان في مسرحية «طفل زائد عن الحاجة» أراضٍ زرعوها بالبطيخ المتفجر، وسلام يتمدد تحت الاسلاك الشائكة، فإن في مسرحية «باب الفرج» بائعا متجولا يضع على عربته برتقالا متفجرا تحت ساعته المشهورة في حلب، وقد ربط اليها ـ إل الساعة ـ في وضعية الصلب، بينما الجلاد وتابعه يضربانه وقد وصلا الى اربع وثلاثين ومئة جلدة، وهما بمنتهى الاناقة والهدوء وبلادة الحس بأن من يعذبانه هو انسان مثلهما. المسرحية هذه ـ والتي يمثلها أربع عشرة شخصية، تكشف عن ان الفعل الدرامي الذي يتنامى حتى وصل الى لحظة الانفجار ـ ولا ينفجر ـ حتى لا يتشوه الموقف الجمالي للفعل الدرامي الذي استطاع القلعة جي ان يكشف من خلاله سلوك وتصرفات شخصياته التي تضيق بقيدها وتحاول فكه، كسره/ احساس البائع بطل المسرحية بالرق والعبودية مع انه ولد حرا في وطن حر/ يعني ان الملحمية في المسرح الكلاسيكي والتي تعكس جوهر الصراعات الواقعية لشخصياتها، يمكن تطويرها دون الوصول الى الفاجعة، فكشف ردة الفعل عند البائع عندما يدرك ان الجلاد وتابعه، والازواج الثلاثة، وساعي المحكمة، والمحامي، والقاضي الامير، والشرطي، هم جناة: لصوص وخونة وقتلة ومرتزقة، انما هي كشف عن جدلية العلاقة مابين الخاص والعام، مابين التناقضات التي تعكس قوانين الحياة الاخلاقية للفرد، وما بين الرؤيا الموضوعية التي تحلل، تبرز سبب الصدام، وهذا ما فعله القلعة جي. هو ليس ضد الملحمة، فمسرحه، او المسرح التجريبي ـ خرج من احشاء المسرح الملحمي، القلعة جي يصور نزع الروح ـ نزاع الارواح، بفعل درامي لا يقود الشخصيات الى مصيرها المحتوم وهو على الغالب مصير قدري، بل هو يتركها بعد كشف قوانين النزاع/ نزاعها واقتتالها ان تذهب الى مصائرها، لان صدامها ولو ان الشكل اقرب الى الملحمي ـ هو صدام افكار. المسرحية رغم ان الضحية (البائع) يمثل ذروة النبالة والمروءة و (الطيبة)، والجلاد الذي تعددت وجوهه ومقاماته يمثل منتهى الخسة والدناءة، ورغم انها في تجريبيتها حاولت ان تلامس الفاجعة ـ فاجعتنا ـ بكثير من الصور البلاغية الساخرة الناقدة وبشكل سوريالي، الا انها استطاعت الاحاطة بدواخل الذات المفجوعة للبائع، لذلك فبقدر ما أفصحت عن مكنوناتها ـ مكنونات الروح ـ ونزوعها نحو الحرية وسعت الى تحقيق اهدافها، استرجعت ألمها وأملها الى داخلها كي تعيد انتاجه قوة جديدة. قوة مليئة بالحياة. اللحاد في مقبرة، المكان الوحيد المتبقي من مدينة غاصت كأن زلزالا ابتلعها، يعرض رسام لوحاته على الشاهدات، ربما تكون معرضه الأخير، فكما يقول له (التربي) اللحاد: لقد أفسدت بلوحتك الشعر المكتوب على القبر ص111. أعتقد بأن هذا هو ما أراد أن يقوله الكاتب المسرحي عبدالفتاح قلعه جي في هذه المسرحية الشعرية، فكل لوحة، كل رسم أو كتابة تمحو كتابة، أو تشوّه كتابة، هي فعل اغتيال لفعل الكتابة/ يبدو أننا نتفلسف، لكنها المسرحية التي تعفيك من الشعور بالذنب لأنك قرأتها ـ قرأت الكتابة. فها هو اللحاد (التربي) يعرّف الرسام على موتاه: هذا صرعته التخمة في ليلة عيد الأضحى. وهذا إن كنت سمعت بأن الفكرة إن دخلت في أنسجة الإنسان ستقتله.. ها.. هو.. ذا. وهذا: مهووس جنسي يغتصب الفتيات «في عرض الشارع. وهذا : صوفي سلك طريق العشق» ولم يوصله الدرب إلى المعشوق. ص114، 116. القلعة جي وبإصرار يسعى وعلى طول الزمن الدرامي أن يظهر لنا كيف أُمحت القيم الأخلاقية داخل الفنان، وتحولت إلى ديناميت، إلى متفجر نسف المباديء التي كانت تتدفأ بالأفكار وتستنير بالأحاسيس، فاللحّاد يكشف أعماق الفنان الرسام: أنا لحاد لا أخجل من عملي.. أنا إنسان واحد. أما أنت «فنان في داخله لحاد» أو لم تسرق قمصان الفقراء.. كي تصنع للطوطم رسما، ترسم وجه الطوطم عشرين بعشرة أمتار وتلونه بدماء الشهداء؟ ويجيبه الرسام: اسكت اسكت بالله عليك ص121/ اجابة منافقة تنبئ عن أن الرسام أجير لا أكثر، انتهازي بل أكثر. ففي رسوماته التي يشير إليها اللحاد، نرى كيف يمارس الفنان عنفا ووحشية علينا ومن موقع لا يعترف فيه بتفاهته ونذالته، بينما اللحاد الذي لا يرى للرسام ملاذا غير القبر، وبعد أن يهيل عليه التراب: هذا عصر لا يحتاج لغير اللحادين. الحق أقول لكم. لست نبيا. لكني لحاد ص127. ان هذه المأساوية التي نعيشها والتي موضوعها الحرية والكرامة الانسانية، لم تلغ عشق الحياة وحبها في قلب اللحاد، فالقلعة جي في مسرحيته هذه، بل في معظم مسرحياته، يؤكد على أنه كلما ضاقت الحياة واشتدت مصائبها، كلما توّلد لدى أبطاله الاحساس بحبها ـ حب الحياة. القلعه جي يقاوم مثل أبطاله كل أشكال العلاقات الانسانية الجائرة والتي تصادر أول ما تصادر حريتنا بعد أن تستبيح روحنا بمقدمات وبيانات واعلانات كانت بمثابة اغراءات أسلمنا لها قيادنا، لذلك تحلّل وتفسّخ الأدب، وكذلك الفن الذي أنتجه رسامنا في مسرحيتنا هذه (اللحاد) فبدلا من أن يكون الفن بحثا وتأكيدا على الجمال الذي يكشف عمق وجوهر وعظمة إنسانيتنا، صار الفن يزيل الجمال والأفكار الجميلة، وكأن الفنان برؤيته الأحادية هذه يقوم بتدمير الحياة. إذ أنه لم يكتف بتشويهها. أين المستقبل؟ اللحاد دفن الرسام. إن فعل الدفن ينطوي في داخله على فعل الصدام ـ الصدم، بالتالي فالشهوة التي تسكن في أعماقنا بحب الحياة هي التي تصوغ المستقبل، وهذا ما يخلي الفن أحد أكثر أنواع النشاط الإنساني جمالا، عنصرا محرّضا ودافعا لبعث المعاناة، بعث الحياة ثانية وثالثة.. إلى ماشاء الله في أعماقنا. عبدالفتاح قلعة جي في نصوصه التجريبية هذه، لا يمنع الكارثة ولا يتلافى وقوعها، بل يذهب إليها، إلى الكارثة، يمسكها من رأسها ويدوسها، ثم يحرر ضبطا بالواقعة على أنها حدثت قضاء/ هو نفاذ حكمه فيها، قراره. وقدرا/ هو حكمها على نفسها، قرارها، أن تموت بالأقدام. طبعا القلعة جي لا يعتبر انه حقق العدالة، لكنه حقق الصدام المفترض، هزّ السكون، هدم حائط الانسجام المفتعل بينه وبين الكارثة. بكلام أدق، ألغى هذا الزواج القسري، هذا الزواج العرفي بين طرفين لا يمكن جمعهما على طاولة، فكيف في فراش واحد؟! أنور محمد