بيان الكتب: رأى المترجمة عنايات حسين طلعت فإن الكتاب هو أكثر الكتب تعاطفا مع مصر، ويقدم في ذلك رأيا هاما عن الثروة المصرية حين يقول: في وسط هؤلاء القوم وأرضهم جاء الأجانب، بحثا عن الثورة أو السلطة لاقامة أسر حاكمة، أو لادارة حوانيت بقالة، ولكنهم في النهاية دفعوا ثمنا غاليا لغزوهم، لقد فقدوا هويتهم وانضموا تحت هؤلاء الذين غلبوهم أو استغلوهم.. أن جميع الجنود الأغريق الذين جعلهم بطليموس الطيب يستقرون في الفيوم، لم يتركوا أي أثر أو عادة من عادات بحر إيجة في تلك المدينة، والليبيون الذين أعطوهم أسرا حاكمة صحراوية، والبطالسة الذين أسبغوا عليهم أسلوب الحياة، والعرب الذين جاءوا بدين جديد، كل هؤلاء وغيرهم طمست آثارهم تماما، وكانوا مثل الحصى الذي ترميه في بركة فلا يفعل الا مجرد تحريك سطحها.. ولكن مصر كما وجدها هيرودوت من قبل لا يمكن أن تكون أي شئ الا مصر. ومن حديثه عن الهوية الى بعض المشاكل التي واجهت مصر منذ ثورة 23 يوليو 1952 يقول: هناك ذخيرة عظيمة من الشخصية والحيوية تكمن في مكان ما لهذا الشعب العريق.. فهي بلد لم يكن لها مطلقا أي نظام طائفي حتى وقت الفراعنة، فإن الهوية المتحدة تتحقق بصورة طبيعية، وإذا ما أعطى الفلاح حكما يحترمه فهو ونهره يقدران على انجازات تفوق الحصر.. أن فترة سبات تاريخي لم يكن الخلاص منها بمرور الأسرات، وبضغوط السياسة الامبراطورية قد ولت الى نهايتها ولعل المصري يدرك ان هناك ميراثا ينتظره، وبعد كل ذلك الوقت فإنه يتحقق ذلك الميراث.. ومن هذه الكلمات التي يقولها فيدين ندرك الى أي مدى يكون الباحث منصفا حين ينظر بالعين المجردة الى ظواهر الاشياء وباطنها، فضمن مايرصده الرجل من خلال معيشته في مصر: إن مصر بلد لم يكن لها مطلقا أي نظام طائفي. بلغة شاعرية يتحدث فيدين في كتابه وفي احد عشر فصلا عن مصر، ويأخذ النيل محورا أساسيا في حديثه عن البشر، والأرض، والطبيعة.. فالنيل كما يقول: يكيف مصر وليس هناك مفر من سلطته، إنه يمارس تأثيرا أعظم على عدد أكبر من الناس من نهري الأمازون والمسيسبي الأقدم منه جغرافيا. ويعطى المؤلف مساحة كبيرة للحديث عن الفلاح وحياة القرية، ومن الطبيعي أن الحديث عنهما يأتي في سياق زمان غير ما هو الآن، فالمؤلف قد وضع كتابه منذ مايزيد على ربع قرن، وكانت خزينة الذكريات عن الفلاح والقرية لديه قبل ربع قرن أيضا حيث عاش لفترة أستاذا في الجامعة.. يقول عن القرية المصرية: تبدو غزيرة النمو كما لو أنها ألقيت من علٍ في الأزمان الغابرة في أكوام ترابية وضمن مايذكر عن معالم القرية: من معظم القرى ترى تفصيلات لا يمكن نسيانها كشجرة الجميز التي تنسدل على قبة ضريح شيخ صالح - أو أسراب الحمام التي تنتشر من داخل برج، أو مجموعة من النساء يقفن على شاطئ النهر، ثم هناك منزل العمدة وبعض أغنياء القرية.. وهناك أيضا المسجد المتواضع الذي له في أكثر الأحيان مئذنة واحدة.. أما عن الفلاح فهو يتمتع بمرح لا حد له، ومزاح للتسلية، وهو يجدها في كل ماحوله ممايجعل حياته محتملة فتراه يشرب القهوة، ويدخن السجائر، ويعاكس رفقاءه ويثير الضحك، أو تجده ينقر على طبلته مع وقع أغنية.. ويقدم المؤلف صورة عن القرية وهي تسهر في موالدها الشعبية، أو في أفراحها القديمة على وقع رقص الغوازي.